غليان سياسي بفرنسا عشية مناظرة حاسمة بين ساركوزي وروايال
باريس ـ “القدس العربي” من فوزي سعد الله:
عشية المناظرة المرتقبة بين المرشح اليميني للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الفرنسية نيكولا ساركوزي ومنافسته المرشحة الاشتراكية سيغولين روايال الأربعاء، تعيش فرنسا ما يمكن وصفه بـ عكاظ سياسي يطغي عليه التنافس الشديد بين مختلف الشرائح الاجتماعية والقوي السياسية الفرنسية: إحياء عيد الشغل كما يجري في جميع بقاع العالم، لكن علي خلفية التهديد والوعيد المتبادل، أو ما يمكن وصفه بمشاريع الخصام المستقبلية بين النقابات ونيكولا ساركوزي المرشح اليميني للرئاسيات في حالة فوزه في الانتخابات من جهة، والمسيرة ثم التجمع السنوي الذي يقيمه سنويا في الفاتح من ايار/مايو في باريس حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف بقيادة زعيمه التاريخي جان ماري لوبان وزيارة تمثال جان دارك قبل الخطاب التقليدي الذي وضح خلاله لوبان نواياه الانتخابية في الدور الثاني الأحد المقبل من جهة أخري. وكذلك التجمع الشعبي الذي نظمته روايال في أحد ملاعب كرة القدم الباريسية ردا علي تجمع ضخم مماثل الأحد الماضي لمنافسها اليميني في القاعة متعددة الرياضات بيرسي في باريس أمام عشرات الآلاف من مناصريه. هذه الأحداث المتزامنة أفرزت قلقا كبيرا لدي العمال الفرنسيين من عنجهية نيكولا ساركوزي و تخوفا من إمكانية مساسه بحقهم في الإضراب، كما تبين من تصريحات بيرنارد تيبو الأمين العام لأكبر وأهم تنظيم نقابي في فرنسا، بعد إعلان المرشح اليميني أن الأجندة الديمقراطية السياسية لا يمكنها أن تُتجاوز من طرف الأجندة النقابية. كما عبر نيكولا ساركوزي عن رغبته في إجراء تعديلات علي نظام ضمان الحد الأدني من الخدمات خلال الإضرابات العمالية. وهذا ما لا تنظر إليه النقابات و المنظمات العمالية بعين الارتياح، مما دفعها إلي أستغلال فرصة عيد العمال لمحاولة عرض عضلاتها من جهة، والتأثير في سير مناظرة الأربعاء بين المرشحيْن للرئاسيات و في سير الدور الثاني من الانتخابات من جهة أخري. علي كل النقابات عرضت عضلاتها من خلال برمجة 250 تجمعا ومسيرة عبر التراب الفرنسي، لكن هذه الجهود افتقرت إلي الدعوة إلي مسيرةٍ موحَّدة تجْمَع كل التنظيمات العمالية وبدا عليها شيء من التشتت، مما جعلها، في ظل أجواء تعبئة انتخابية، أبعد ما تكون من التظاهرات الضخمة التي نُظمت سنة 2002. وعكس ما توقعه عدد من الملاحظين بخصوص إمكانية قيام شكل من أشكال التعاون الإيديولوجي بين ساركوزي وجان ماري لوبان لمواجهة التضامن الجاري بين مختلف قوي اليسار لنصرة روايال في الانتخابات، استبق مرشح اليمين خطاب لوبان السنوي ليقول بوضوح إنه لا ينتظر شيئا من زعيم اليمين المتطرف ولا حاجة له به، لأنه يتوجه مباشرة إلي الناخبين وليس إلي المتحدث باسمهم. لوبان رد في منتصف النهار من المنبر الذي أقيم له للمناسبة في ساحة الأوبرا، في قلب باريس، داعيا أنصاره الذين يقدرون بـ 10.4بالمئة من إجمالي المصوتين في الدور الأول إلي الامتناع الجماهيري عن التصويت و حجز أصواتهم للدور الأول من الانتخابات التشريعية في 10 و17 من الشهر المقبل. وكان أتباعه يهتفون: لا لساركو، لا لروايال.. بل مع الأولوية القومية. في هذه الأثناء، برمجت روايال ما تريد أن يكون إحدي الضربات القاضية ضد منافسها اليميني والرد علي جمعه عشرات الألاف من مناصريه في قاعة بيرسي. تجمع ترك انطباعا قويا في الأذهان حيث برز خلاله ساركوزي قويا وبدا جد سعيد ومتأثرا بالحماس الكبير الذي طغي علي أجواء التجمع، وزادت في تثبيت هذه الصورة القوية الوجوه التي حضرت دعما له المتمثلة في جيش من الشخصيات السياسية والثقافية والفنية المؤيدة له، من بينها عدد من نجوم برنامج المسابقات الغنائية La Nouvelle Star (النجم الجديد) والمطرب الفرنسي الجزائري الأصل الشاب فوضيل. وحضّرت روايال لردها علي ساركوزي بطارية كاملة من الأسماء الفنية اللامعة في فرنسا، من بينها الفنان الكبير اليوناني الأصل جورج موستاكي وبن آبار… وتريد أن يكون تجمعها السياسي في ملعب شارلوتي، حنوب شرقي باريس، في نفس الوقت حفلا فنيا كبيرا ومهرجانا للموسيقي أمام عشرات الآلاف من الأنصار والمتعاطفين. من جهة اخري، تتواصل عملية الغزل باتجاه القاعدة الانتخابية لمرشح الوسط فرانسوا بايرو المنهزم في الدور الأول والذي رفض أن يعطي تعليمات تصويتية إلي مناصريه تاركا لهم حرية الاختيار. الغزل يميني ويساري في ذات الوقت، وقد بلغ لدي المرشحيْن علي السواء إلي حد التلميح بإمكانية منح فرانسوا بايرو منصب رئيس الحكومة التي ستنبثق عن الرئاسيات الجارية. فيما تدل أغلب المؤشرات علي تقارب أو علي الأقل علي رغبة في تعاون مَا بين اليسار والوسط أكثر منه بين اليمين والوسط رغم أصولهما اليمينية المشتركة، ورغم اختيار 21 من النواب الـ29 لحزب فرانسوا بايرو، الاتحاد من أجل الديمقراطية في فرنسا، التصويت في الدور الثاني لساركوزي، سواء تم ذلك عن اقتناع أو لأسباب تكتيكية تفاديا للعراقيل التي قد يضعها في وجهها التجمع من أجل حركة شعبية خلال الانتخابات التشريعية المقبلة في حال التصويت للاشتراكيين. وتشير عمليات سبر الآراء إلي أن 31 بالمئة من الناخبين الذين صوتوا لفرانسوا بايرو في الدور الأول ينوون منح أصواتهم في الدور الثاني لسيغولين روايال مقابل 23 بالمئة فقط لنيكولا ساركوزي، فيما لم لم يحسم 39 بالمئة منهم بعد لاي من المرشحيْن سيصوتون وقرر 7 بالمئة الامتناع عن التصويت. ويوجد شبه إجماع لدي معاهد سبر الآراء أن ثلث أصوات الوسط سيذهب إلي المرشحة الاشتراكية وأن حصة مرشح اليمين ستكون أقل.
يبقي أن المناظرة المرتقبة الأربعاء مساء أمام 25 مليون مشاهد علي الشاشات الصغيرة ستكون حاسمة في توضيح الرؤية للمترددين وربما حتي في قلب الموازين عكس المناظرة/الحوار الذي جري بين فرانسوا بايرو وسيغولين روايال قبل بضعة أيام والذي كان عملية جس نبض ومحاولة للتقارب بين الطرفين.
نيكولا ساركوزي استبق الأحداث وقال إنه لا يريد أن ينتصر بمرحلة فقط في المناظرة المنتظَرة، بل يريد أن يفوز كما يفوز الدرّاجون في دورة فرنسا الشهيرة لسباق الدراجات، منبها منذ أيام أنه لن يرحم منافسته خلال النقاش بحجة أنها امرأة. الرهان كبير والحدث لحظة سياسية عظيمة حسب فرانسوا هولاند، الأمين العام للحزب الاشتراكي و زوج سيغولين روايال، الذي يُعتقد أنه سيكون الرئيس المقبل للبرلمان الفرنسي في حال فوز الاشتراكيين. وقد دعا الفرنسيين إلي تحديد خياراتهم علي ضوء ما سيجري في المناظرة. وتمني هولاند أن تدفع سيغولين روايال نيكولا ساركوزي إلي تسجيل هدف ضد مرماه، مقتديا بالتعابير التي تعوّد المرشح اليميني استخدامها في حملته الانتخابية، بالإضافة إلي تسجيلها أهدافا أخري بنفسها ضد منافسها.