كل متتبع للشأن العام في بلدنا المغرب يصاب بحيرة في أمره، وهو يلاحظ الكيفية التي أصبحت فيها حقوق الإنسان في المغرب في الظرفية الأخيرة، معتقلو 20 فبراير اعتقالات بالجملة في أغلب المدن المغربية، متابعات لأغلب الصحافيين المغاربة، أغلب الأحزاب تحاول من خلال مذكراتها الإصلاحية أن تبقي الوضع على ما هو عليه، خصوصا تلك الأحزاب التي لها امتيازات منذ شبه الاستقلال إلى اليوم. تتجاهل الحكومة مطالب الشعب تلك المطالب التي لن يتنازل الشعب المغربي عنها مهما كلفه ذالك من ثمن، وتدير الحكومة وجهها وتدفن رأسها في الرمال. بل عندما وجه الملك خطابه يوم 9 آذار (مارس) ظننا أنها بداية إصلاح، لكن محاكمة معتقلي 20 شباط (فبراير) بأحكام قاسية من سنة إلى 5 سنوات تؤكد أن لوبي الفساد في المغرب يريد أن يرمي بالمغرب إلى ما لا تحمد عقباه، وأنه يستعرض عضلاته على الشعب وعلى العرش، فكثيرون ممن رفضوا الفساد هم اليوم وراء القضبان، ويتحدث لنا الإعلام المغربي عن تعديل الدستور، وما يرافقه من إصلاحات.
الشعب المغربي سئم التغييرات على الورق وأمام الإعلام وفي الندوات. لا شيء تغير على أرض الواقع، بل إن الحرس القديم أو ما يسميه البعض جيوب المقاومة كشروا عن أنيابهم من أجل إبقاء الوضع على ما هو عليه. مع إعطاء دعاية إعلامية أن المغرب عرف ويعرف إصلاحات جدرية.
الرشوة لا تزال هي العلاقة الأساسية بين المواطن والإدارة، والتعليم لايزال في أسوأ أحواله، والصحة قطاع مترد للغاية والإعلام الرسمي لا يزال يطبل ويهلل مثل باقي الإعلام العربي، ولايزال برنامج شميشة يملك حصة الأسد في القناة الرسمية، في وقت يعاني الشعب أشد معاناته وتهتز مدنه من أجل التغيير، حتى الطماطم أصبحت حكرا على الطبقة البورجوازية في المغرب، بالرغم أن الأسواق الأوروبية مليئة بطماطم مغربية بل إن ما تسميه شميشة شهيوات لا يزال أكثر من نصف شعب المغرب لا يستطيع التغلب على وجبة عادية في اليوم من خبز أسود وشاي أسود. فما أدراك بالشهيوات؟ عندما تشاهد قنواتنا المغربية تدرك حقيقة مستوى حكومتنا، التي غيبت الصراحة من الإعلام الرسمي، وغابت المراقبة على أموال الشعب وأصبحنا في غابة يسود فيها البقاء للأقوى. ما تجهله الحكومة المغربية هو أن الشعب المغربي قوي بتاريخه وحضارته التي للأسف الشديد تعرف اليوم نوعا من التلاعب والتحايل والانحطاط من طرف لوبي فساد كون نفسه وسيطر على كل مؤسسات الدولة وأحاط بكل صغيرة وكبيرة، معللا البعض منهم أنهم الموقعون على وثيقة المطالبة بالاستقلال، قد يوقعون بقلم جاف مستورد الأصل، لكن الشعب المغربي وقع على الاستقلال بدمائه الطاهرة من فلاحين وشباب ومعطلين وتجار إلخ… كلهم استشهدوا انذاك ضحايا البنادق الإسبانية والفرنسية من أجل مغرب حر ومستقل، لكنه للأسف أصبح اليوم حكرا على عائلات معينة لا تعرف من النضال سوى سرقة خيرات الشعب. وتوهم القصر بأن أهل الشمال إنفصاليون وأن سكان الصحراء إنفاصاليون وأنهم هم وحدهم المغاربة.
إن هاته العائلات هي التي تؤجج الوضع في المغرب وعلى النظام أن يتخلص منها في أقرب وقت. حتى لا يخلط الحابل بالنابل.. إن سياسة إدريس البصري لم يتغير منها شيء ولا تزال الأمور على نفس الطريقة البصراوية، بل لا تزال إقامة الديكتاتور الدليمي تصدر منها قرارات الإصلاح. ونعلم أن حجر الثعبان لا يسكنه إلا ثعبان أشد بأسا وبطشا. ونعلم جيدا أن السيد طيب الشرقاوي مشلول تماما في مهامه في وزارة الداخلية، وأن رجل الداخلية الخفي هو من يحرك دواليب وزارة الداخلية المغربية. القضاء كارثة عظمى وهو بدوره منحاز للوبي الفساد بل هو الحلقة الأقوى فيه. أمور كثيرة تجعلنا نخرج إلى الشارع بشكل يومي وبشكل سلمي وحضاري حتى نعود لمجدنا وتاريخنا وقد قال تشارلز ستوارت سنة 1879 خلال إضراب عن دفع الأجور في إيرلندا قال ما يلي: لا يفيد الاعتماد على الحكومة؟ عليكم الاعتماد على عزيمتكم، ساعدوا أنفسكم من خلال وقوفكم معا وامنحوا ضعفاءكم القوة، وتوحدوا ونظموا صفوفكم لكي تنتصروا.
وقال جين شارب في كتابه من الديكتاتورية إلى الديموقراطية:
علينا أن لا ننسى أنه مهما كانت الوعود التي تقدمها الحكومات الديكتاتورية في التسوية السلمية فإنها تصب في اتجاه تأمين خنوع خصومهم من الحركات الديموقراطية، وفي النهاية تجدهم حقيرين لدرجة أنهم ينتهكون الاتفاقيات التي وقعوا عليها.
الغريب في الأمر هو أن الشعب المغربي أرسل ملايين الشكايات أغلبها تحمل هما واحدا، سواء لديوان المظالم أو لوزارة العدل أو حتى لديوان الملكي، لكن لوبي الفساد كان ولا يزال مصرا على تجاهل تلك الرسائل، الشيء الذي ولد لدى الشعب المغربي فقدان الثقة. ونعلم أن فقدان الثقة يؤدي إلى العصيان وهو ما يعرفه العالم العربي اليوم؟ أرسل الشعب المغربي رسالة واضحة في الانتخابات الأخيرة حيث أن نسبة التصويت لم تتعد 37 في المئة الشباب لم يتجاوز فيها حدود 30 في المئة منها؟ وهاته رسالة خطيرة وواضحة بفقدان الشعب الثقة في مؤسساته. وكنا ننتظر قرار الحسم انذاك، لكن يبدو أن هموم الشعب ليست هي هموم الدولة؟
د. محمد الفنيش[email protected]