الفنان كريم سعدون
يرسمُ كطفْلٍ. لكن، ليس ببراءة الأطفال وسذاجتهم. خلفيات أعماله، كأنَّها موجودة قَبْلَه، هي صَدًى للجُدران الصخرِية للمغارات والكهوف العتيقة التي كانت أوَّل ما أعْمَل فيها الإنسان الخَدْشَ والحَفْرَ، وبما تمثَّلَه هذا الإنسان من أساطير، أو رسائل كان يرغبُ أن تصل إلينا، فوصلت.
كريم سعدون كان وَاحِداً من هؤلاء، بما يعنيه ذلك من حِسٍّ فَنِّيّ طُفُولِيّ، جعل خيالاته تكون أصيلةً، بقدر ما تنبُع من بساطة الألوان وما يَنْجُم عنها من أشكال واستيهاماتٍ، بقدر ما ينجم عنها من غُموض، وطاقة تأويلية فيها من الثراء الفَنيّ الجمالِيّ، ما لا يمكن حَصْرُه في عَمَل دون غيره. فكريم سعدون، كُلّ أعماله، وهي، في شَذْرِيَاتِها الفنية، بدل أن تكتفي بالرسم أو التصوير، تنزل إلى قاع اللاوعي الجمعي للحضارات والثقافات الإنسانية البعيدة، وكأنَّ كريم، وهو يَحْفُر خلفيات أعماله، يتهجَّى لُغاتِ ورسومات وأطيافِ الماضين، لِيُفَكِّك ما تنطوي عليه من رسائل، وهذا ليس بغريب عن كريم الذي هو ابن حضارة السومريين والبابليين والآشوريين، حضارة بلاد ما بين الرافدين.
المُتأمِّل في أعمال كريم سعدون، سيَبْدُو له أنها أعمال قديمَة، تَكادَ تَـمَّحِي، أو يَخْفُتُ اللون والشَّكْل فيها. وهذا الـمَحْوُ، مقصودٌ في أعمال الفنَّان، فهو يُعَتِّق أعماله، تماماً كما تُعتَّق الخَمْرَةُ، التي لا يكون سُكْرٌ دون ما يَثْوِي فيها من الزَّمن.
أعمالٌ لا تُسْتَفَد، رغم ما يبدو فيها من فراغاتٍ، وحتَّى ما امْتلأ منها، يفرض على العين أن تَنْحَنِيَ أمام فراغاتها التي هي امْتِصاصٌ للامْتِلاء. وهذه، في ظَنِّي، بين خبايا اللغة الفنية لكريم، ولِما يتميَّز به عن فنانين عالميين مالُوا إلى عُمْق وغموض أعمالهم، في ما أضْفَوْه عليها من بساطة، مثل الرسَّام الكتالوني، خوان ميرو.
المسافَة بين الاثنين كبيرة، كون كريم اسْتَقَى حاضرَه من ماضيه، من أساطير كامِنَة في لاوَعْيِه، حتَّى وهو خارِجَ العراق، فهو كان يعيش فيه، في تمثُّل تَخَثّرِه الثقافيّ والفَنِّيّ، وفي بَعْثِ الحياة في خيالاته التي كانت هي الأساس في ابتِداع الأساطير، وفي ابتداع الأبجدية، وفي ابْتِداع الكتابة والرُّقُم الطينية، وغيرها مما هي إرْثٌ، كريم يستعيدُه بالاختِلاق والاختِراق، وباللاوعي الطُّفُوليّ، وكأنَّه ما زال يرسمُ في كُرَّاساتِ الدَّرْس، في مراحل التعلُّم الابتدائي، وهذا، ما افْتَقَدْناه في عدد من الأعمال، عند عدد من الفنانين الذي قَفَزُوا على طفولتهم، أو كما قال كارل غوستاف يونغ عن بوذا، فهو «عاشَ ليكون عجوزاً» والفن والكتابة والإبداع، تقتضي أن يعيش الفنان والكاتب والمبدع ليبقى طفلاً، وهو ما كان عبَّر عنه فرويد بقولته المعروفة «الطفل أب الرَّجُل» أو الإنسان.

إنَّ أهَمَّ ما تُوقِظُه أعمال كريم سعدون في مُشاهديها، ومن يتقَرَّوْن أسْرارَها، هو تلك الدَّهْشَة الغامِضَةُ ـ الغَائِمَة، تماماً مثل الغَيْمَة التي تَحْجُبُ شَمساً عالِقَةً بين النُّور والعَتْمَة، وبين الإشْراق والانْطفاء. وهذا بالذَّات ما يكون، فيما عبَّرْتُ عنه في العمل الشعرِيّ الفنيّ «كوميديا العدم» رفقة الشاعر والفنان محمد العامري، في الجزء الثاني من عنوان العمل بـ «الذُّبولِ المُريبِ من الحُلم».
ثَمَّة ذُبُول في أعمال كريم، هو نفسُه الإشراق والظُّهُور، والانْبثاق والتَّجَلِّي، وكأنَّنا إزاء الوُجود في طينه الأوَّل، يُوشِك أن يتكلَّم، لكن باللون وبالخَدْشِ والحَفْر، وبالخطوط والدوائر والمربعات والمُكعَّبات، وبالتَّشْطيباتِ والوجوه التي بلا ملامح، ما تزال في بدايات انْبِثاقِها وتَخلُّقِها. كريم، لا يُتِيحُ لنا الشيء كامِلاً، يُوحِي فقط، يُشِير، ويترك العين تتعثَّر في هذا النُّقْصان المقصود، الذي هو بما يُشْبِه تعبير عبد القاهر الجرجاني، شِدَّة نُقْصان في شِدَّة اكْتِمال، لا هو نُقْصان ولا هو اكْتِمال، بل هو لحظة البَرْزَخ التي يكون فيها عِناق أو زواج ولقاء الشيء بنقيضه، كما يلتقي ماء النهر الحُلْوِ، بمياه البحر المالِحَة.
الألوان، الأرقامُ، الدَّمْغَات والطَّوابِع القديمة والحديثة، واستيهامات الأجساد التي لا تَتَكشَّف هوياتها، كما لا يتكشَّفُ جِنْسُها، واللَّطخاتُ واللُّغات بأكثر من حرف، وتَـمَزُّقات بعض هذه الأجسام وتَفَكُّك أعضائها، كما في بورتريه السِّياب، هي من طبيعة الرؤية المأساوية التي لا تتعلَّق بوضع العراق في حاضره، بل في وضع الكون والوُجود البَشَرِيّ على الأرض، وفي ذات الفنان نفسه، بما يعيشه هو الآخر، مثل العديد من المثقفين والفنانين العراقيين من تمزُّقاتٍ، منذ ما قبل حرب الخليج، وما بعدها، بما حَاقَ العراق من مآسٍ وحُروب، ومن قهْرٍ واستبدادٍ، وهو ما كانت ملحمة جلجامش صورة له، في سَعْيِ الآلهة لإخراج أنكيدو من وجوده البَهِيمِيّ، ليكون نِدَّ جلجامش، في إنقاذ أوروك من ظلمه واستبداه وجبروته، قبل أن يَصِيرا صديقَين.
في أعمال كريم، هذا هو اللاوعي المُترسِّب في أصباغه وألوانه وخُطوطه وخُدوشه، تاريخ لا تكتبُه اللغة، ولا الكلمات، بل هو تاريخ تكتبُه الألوان والأشكال والفراغات، وتكتبه التمزُّقات والخُدوش والثَّلْمات واللَّطخات التي تُسْبِغ على العمل تلك الدَّهْشَة الدفينة التي لا تُوقِظُها إلا العين المُبْصِرَةُ، لا العين التي فيها قَذًى، كما يقول القُدماء.

قليلون الفنانون الذين تأخُذُنِي أعمالُهُم، أشْتَبِكُ معها، تُلْقِي بي في دَهْشَتِها ونَشْوَتِها، ويأخُذُنِي المَـحْوُ فيها أكثر من الإثْبات. وكريم، منذ أوَّل لقاءٍ لي بأعماله، حَدسْتُ أنَّ ثمَّة سِرّاً يجمعُنا، وأنَّ اليَدَ التي بها يرسُم، هي اليَد التي بها أكتُبُ، بالحَفْر نفسه، في المعنى الأسطورِيّ الملحمِيّ نفسه، الذي فيه تبدو المأساة أكثر فجائعيَّة من البُعْد المأساوي، كما تتمثَّلُه الأساطير القديمة نفسها. والفن، هذا دَوْرُه، وهذه وظيفتُه، والفنان، هو تلك الرَّعْشَات التي تَعْتَرِي الخيال، كما تَعْتَرِي النَّفْس والجِسْم، وتعتري اليَدَ والأنامل، وتظهر في أعماله، وأعمال كريم، هي كُلُّها رعَشَاتُ ذَلِك الخَوْف الدفِين الذي يعترينا، ونحن نتساءل إزاء وجودنا، وكينونتنا، وبأي معنى يمكن أن نكون، هل بهذا المعنى الفجائعِيّ الذي يُطوِّقُنا في كل شيء، أم في هذه الأعمال التي فيها نقول ونرسم ونحفُر ونكْتُب المعنى الأنطولوجيّ لوجودنا.
ثمّة، إذن، «ظَمأ مُبْدِع» كما يُسَمِّيه يونغ، في أعمال كريم سعدون، ظمأ لا يكفيه ماء، ولا تكفيه تُرْبَة ولا طِينٌ، ظَمأ كامِنٌ في الجُذُور، التي منها تَسْتَمِدُّ الأغْصانُ رَوَاءَها، لتُحْيِي الزَّهْرَة والثَمرةَ، ولتجعل الظِّلَّ يكونَ الصَّدَى الذي يُضْفِي على الغابات سوادَها، بالوُجُود نفسه الذي اخْتار به هايدغر أن يعيش في المدينة خارِجَها، فيما تعْكِسُه الشمسُ من ظلال، هي الشَّمْس نفسها في احْتِجابِها. الشمس والظِّل في الثَّوْبِ نفسه، أو القُماش نفسه. وهذا الظَّمأ، هو السِّر في الإبداع والخَلْق، وفي ابْتكار المعنى الأنطولوجي للشيء، للعمل الفني نفسه، وإلا بأي معنى ذهب طاليس المالْطِيّ إلى أنَّ الماء أصل الأشياء، لولا ما كان اسْتَشْعَرَه، هو وفلاسفة ما قبل سقراط من ظمأ للمعرفة والاسْتِكْشاف. وفي السياق نفسه، يرى يُونغ أنَّ التَّمرُّس الفِعْلِيّ، لا يكون، عند الفنان أو الكاتب، إلا بـ«الفن الصَّعب» الفن الذي يبدو لنا سهلاً، لكنه مُـمْتَنِع، أو فنّ «الانْصِراف في الوقت المُناسب» كما عند نيتشه، وكريم، لا يُغْرِيه في أعماله ما يبقى ناقِصاً، فهو، بخبرته، وحنكته، وبما يعْتَرِيه من وعي طُفُولِيّ، يعرف متى يرفع يده عن العمل، الذي يكون قد اخْتَمَر في إطارِه، وتشكَّل بالصورة التي ارتآها له.
كريم سعدون، فنان عالميّ، بكل مقاييس المعنى الكونيّ، هو مَرْجِعُ ذاتِه، وتكوينه الثقافي الرَّاقي، هو ما أهَّلَه ليكون هو ذاته، بخياله، وما يسكن هذا الخيال من رَعَشَاتٍ، ومن هواجس فنِّيَّة عظيمة، هي انْبِثاقٌ لا يفتأ ينشأ ويكون.
كاتب مغربي