باريس ‘‘القدس العربي’’: نقلت صحيفة ‘‘لوفيغارو’’ الفرنسية عن النقيب توني المتواجد حاليا بالقاعدة العسكرية الفرنسية في العاصمة التشادية نجامينا، قوله إن انسحاب القوات الفرنسية من مالي تم بسرعة كبيرة، مضيفا أن المدرعات العسكرية والعتاد العسكري الذي استُخدم ضمن عملية بركان هو في حالة سيئة بسبب توقف استعماله، وتم تحويله إلى العاصمة نجامينا في إطار تعزيز العلاقات مع تشاد، علما أن جزءا من هذا العتاد العسكري سيتم التخلي عنه لصالح الجيش التشادي.
واعتبرت ‘‘لوفيغارو’’ أن عملية برخان التي انطلقت عام 2014 ضد الجماعات المسلحة في منطقة الساحل من موريتانيا إلى تشاد، تحتاج اليوم إلى تنظيم وهيكلة جديدة، موضحة أن الجيش الفرنسي غادر قاعدته العسكرية الأخيرة في مالي ضمن المواعيد النهائية التي حددها الرئيس إيمانويل ماكرون، لكن بضغط من باماكو التي قطعت علاقتها بباريس، واختارت الارتماء في أحضان المرتزقة الروس من مجموعة فاغنر، التي تريد أن تجعل من مالي واجهة لها في إفريقيا، كما يقول الجنرال برونو باراتز.
والسبب، بحسبه، أن قوات فاغنر فشلت في إحلال الأمن في المنطقة كما وعدت، بل إنها استقرت في القواعد العسكرية التي تنازلت عنها فرنسا، ولكن دون مغامرة بخوض عمليات في شمال البلاد. ويضيف الجنرال برونو باراتز، أنه بسبب الحرب في أوكرانيا، لم تتلق قوات فاغنر الدعم في المواد واللوجستيات التي كانت تأمل فيها، مما تسبب في انتكاسات لهذا المنافس الجديد.
وتابعت ‘‘لوفيغارو’’ القول: “مع أن مسرح تواجد القوات الفرنسية ضمن عملية برخان واسع، إلا أن الجيش الفرنسي قام بإعادة تموضع جنوده، وتم تقسيمهم بين النيجر التي ستستضيف 1800 جندي، أي أكثر بكثير من الألف المتمركزين حتى الآن في نيامي وتشاد”. ويؤكد الجنرال برونو باراتز، أن تموضع الجيش الفرنسي لا علاقة له البتة بعملية برخان التي بنيت أساسا للتجاوب مع الأزمة في مالي، لكن الأمر مختلف اليوم. ويضيف أن الهدف الأساسي اليوم هو محاربة تهديد الجماعات الإرهابية المسلحة التي تمتد إلى دول أخرى في المنطقة.
وأشارت الصحيفة إلى أن قيادة برخان في تشاد كانت منذ نشأتها بعيداً عن جبهة القتال، ولكن في نقطة مركزية للتواجد الفرنسي في إفريقيا. وتمتلك فرنسا قاعدة عسكرية في إنجامينا منذ عام 1949، ومنذ الاستقلال، تربط بين البلدين اتفاقية تعاون، وساهمت قوات برخان عام 2021 في مساعدة النظام على إحباط محاولة متمردين تشاديين تهديد أمن واستقرار البلاد. ومنذ ذلك الحين، يراقب الجيش الفرنسي، الوضع في تشاد دون التدخل في عملية ‘‘الحوار الشامل’’ المفترض أن تؤدي إلى الانتخابات، حسب الجنرال برونو باراتز، الذي يؤكد أن ذلك لا يعني أن الأمر مسلّم به بالنسبة لقوات عمليات برخان.
وتابعت ‘‘لوفيغارو’’ أنه من أجل عدم الإخلال بالتوازنات السياسية الحساسة، رفضت السلطات النيجيرية الترحيب بقيادة برخان بعد انسحابها من مالي، مع أن معظم المعارك الآن تجري على أراضيها، بالقرب من حدودها الشمالية. لذا قام الجيش الفرنسي بتشييد بنية تحتية جديدة على بعد 15 كيلومترا من حدود تشاد. وقد تغيرت طريقة قيادة العمليات العسكرية اليوم بالنسبة للجيش الفرنسي، حيث إن القوات الفرنسية لم تعد بصدد بناء عملياتها الخاصة، كما يقول الكولونيل ستيفان، موضحا أنها كلها مشتركة ومرافقة ومنسقة وفقًا لاحتياجات النيجيريين. من هنا، لن يكون بإمكان الحيش الفرنسي أن يغير إيقاع تدخلاته العسكرية، بل يجب التحرك في حدود احتياجات القوات النيجيرية فقط، كما لا يمكن نشر عتاد عسكري قد يحرج الجيش النيجيري.
مضت ‘‘لوفيغارو’’ إلى القول إن الجيش الفرنسي ما يزال يواصل حرصه على الصراع على النفوذ، وإحدى مهام ما بعد عملية برخان تتمثل في قبول الوجود الفرنسي بمنطقة الساحل. يقول الجنرال برونو باراتز، إن الشفافية تساعد في محاربة الشائعات والقصص الغريبة التي يتم تداولها. ويباشر قائد عمليات برخان مهامه بين القاعدة العسكرية في النيجر أين تساق العمليات العسكرية في شمال البلاد، و‘‘هيئة أركان مشتركة’’ في نجامينا للإشراف على العمليات في تشاد. وأوضح أن مركز العمليات في نجامينا، والذي يضم 22 شخصا من أصل 130 ضمن قيادة عملية برخان، سيكون لديه قريبا 6 أشخاص فقط. وإذا استمر الجيش الفرنسي اليوم في العمليات القتالية، فسيتعين عليه أن يكون أكثر تحفظا. كما أنه من غير الوارد شن غارات وضربات في مالي، باعتبار أن أراضيها مغلقة أمام فرنسا، بحسب الجنرال برونو باراتز دائماً.
وأوضحت ‘‘لوفيغارو’’ أن مرحلة ما بعد عملية برخان بالنسبة للقوات الفرنسية تجمع بين الشراكة والدعم والتأثير. كما تقيم عملية برخان روابط مع شركائها العسكريين، إذ أنها قامت بتدريب قوات المظلات في الجيش النيجيري. وفي تشاد، قامت بتدريب مراقبين من الجو، كما سيتم استدعاء القوات الفرنسية المتمركزة في السنغال والغابون للقيام بمهام تدريبية للجيوش الإقليمية.
واعتبرت ‘‘لوفيغارو’’ أنه بعد تسع سنوات من العمليات العسكرية في مالي، كانت نتائج عمليتي سرفال وبرخان مريرة حتى لو لم يحب الجنود سماع هذا التقييم، بينما تتجدد الجماعات الجهادية المرتبطة بالقاعدة وداعش باستمرار، لا سيما أن الفراغ الذي خلفه الانسحاب الفرنسي مهد الطريق لتجدد العنف.