د. عصام نعمان هزّ إعتراف الامم المتحدة بدولة فلسطين بنيامين نتنياهو وفريقَه السياسي العنصري وأضعفه، عشية الإنتخابات، في عيون محازبيه. الرد الثأري أضحى اليوم قضينه الاولى. محور الرد توسيعُ مساحة الإستيطان في القدس والضفة الغربية. في هذا السياق، قررت حكومته بناء 3000 وحدة سكنية جديدة في مستوطنات القدس الشرقية والضفة الغربية. اكثر من ذلك، بدأت بتنفــــيذ مخططات البناء في المنطقة ‘E1’ الواقعة بين القدس الشرقية والكتلة الإستيطانية ‘معاليه ادوميم’ بين القدس واريحا. من شأن هذه الخطوة فصل شمال الضفة عن جنوبها . بذلك يصبح الوطن السليب اربعة اقسام : اثنان في الضفة وواحد في قطاع غزة، والاخير داخل الكيان الصهيوني الذي يشكّل وحده 78 في المئة من مساحة فلسطين التاريخية.الولايات المتحدة طلبت من ‘اسرائيل’ إعادة النظر بقرارها الخاص البناء في المنطقة ‘E1’، ودعت الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني لإستئناف المفاوضات لتحقيق ‘حل الدولتين’. موقف واشنطن الليّن اثار حتى رئيس حكومة ‘اسرائيل’ السابق ايهود اولمرت الذي هاجم سياسة نتنياهو بقوله: ‘يبدو ان المشكلة الاساس بالنسبة الى ‘اسرائيل’ هي الحؤول دون قيام دولتين لشعبين، وهذا سيء لأنه يضعنا في مواجهة مع العالم اجمع . فالإعلان عن بناء 3000 وحدة سكنية جديدة هو اكبر صفعة توجّه الى رئيس الولايات المتحدة’.هل أضحت ‘اسرائيل’ فعلاً في مواجهة مع العالم ؟بريطانيا وفرنسا احتجتا ولوّحتا بخطوات جديدة ضدها لا ترتقي الى مرتبة العقوبات وانما الى ‘صيغة من الحوافز والعقوبات’! مثلهما فعلت روسيا ومصر واستراليا والبرازيل وايرلندا وفنلندا . المانيا، بلسان المستشارة انجيلا ميركل، ‘تمنّت’ على ضيفها نتنياهو إلغاء قرار بناء الـ 3000 وحدة استيطانية جديدة، مؤكدةً انها مجرد توصية ‘لأن امن اسرائيل من اولوياتنا’ الإتحاد الاوروبي لوّح بتفعيل العقوبات المتعلقة بالمنتجات الصادرة من المستوطنات ومقاطعتها.كل هذه المواقف لن تحمل نتنياهو على إلغاء قراره . مردّ تصلبه الى ان الادارات الاميركية المتعاقبة، بحسب مدير مركز بيغن السادات للدراسات الإستراتيجية إفرايم عنبار، ‘عارضت المشاريع الإستيطانية منذ سنة 1967 من دون ان يؤثر ذلك في القرارات الإستراتيجية بشأن هذه المسألة اذ يمكن الحصول على الموافقة المضمرة الاميركية لربط مستوطنة ‘معاليه ادوميم’ بالقدس اذا امكن عرض رؤية استراتيجية واضحة مبنية على مبدأ التسوية الاقليمية’. هذه ‘الرؤية’ حرص نتنياهو على عرضها اثناء زيارته الاخيرة لألمانيا بقوله: ‘ستبقى الكتل الإستيطانية تحت سيطرة ‘اسرائيل’ في اي إتفاق مستقبلي مع الفلسطينيين’.ماذا يعني هذا الكلام؟تقول خبيرة الشؤون العربية في صحيفة ‘هآرتس’ (5/12/2012) عميرة هيس ‘إن عشرات القبائل البدوية التي تعيش في منطقة ‘E1′ (عدد ابنائها 2300 شخص) ستتعرض للطرد من اماكن اقامتها في حال جرى تنفيذ خطة البناء في المنطقة’.الاخطر من ذلك، ان الإستيطان في المنطقة ‘E1’ لا يقسم الضفة الى قسمين فحسب بل يفضي لاحقاً الى تمديد الإستيطان على طول الاغوار الغربية لنهر الاردن . عنبار عبّر عن هذه الحقيقة الإستراتيجية بقوله: ‘ اذا كانت اسرائيل تريد الحفاظ على حدود يمكن الدفاع عنها على طول غور الاردن، ينبغي لها ان تؤمّن سلامة الطريق الذي يصل الغور بالساحل عبر قدس موحدة وعبر مستوطنة معاليه ادوميم’.كيف يواجه الفلسطينيون هجمة ‘اسرائيل’ الإستيطانية الجديدة ؟من حق الفلسطينيين ان يعتبروا إكتساب فلسطين صفة الدولة بعد 65 سنة من يوم اعلان قرار الامم المتحدة بتقسيم فلسطين (29 نوفمبر1947) نصراً، وان يحتفوا بمحمود عباس بطلاً وطنياً في رام الله وبخالد مشعل بطلاً للمقاومة في غزة. لكن هجمة ‘اسرائيل’ المتجددة على فلسطين ارضاً وشعباً تستوجب اختصار فترة الإحتفالات ومباشرة الإعداد بالسرعة الممكنة للرد السياسي والامني والاعلامي عليها . في هذا السياق، يمكن تركيز الهجوم الفلسطيني المضاد في الخطوات الآتية:اولاً، تسريع المصالحة الوطنية لإعادة تنظيم منظمة التحرير وتفعيلها بما هي الإطار الحقوقي والسياسي والكفاحي للشعب الفلسطيني في نضاله من اجل تحرير الوطن من النهر الى البحر.ثانياً، تركيز مطلبيّ المصالحة الوطنية وإعادة بناء منظمة التحرير وتسييرها على نهج المقاومة بكل وجوهها المدنية والعسكرية.ثالثاً، توظيف الدولة الفلسطينية المعترف بها من الامم المتحدة في خدمة اهداف المقاومة ونهجها ومتطلباتها السياسية والميدانية . في هذا المجال يصار الى اتخاذ التدابير الآتية:(أ)مقاضاة ‘اسرائيل’ امام المحكمة الجنائية الدولية بسبب عمليات الإستيطان التي يعتبرها نظام المحكمة جرائم حرب لكونها ادت الى نقل سكان من والى ارض محتلة، وملاحقة جنرالات الجيش الاسرائيلي لإرتكاباتهم ضد المدنيين الفلسطينيين في المناطق المحتلة، والإستفادة في هذا المجال من تقرير لجنة غولدستون، ومن الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن الجدار الفاصل وإفتئاته على حقوق الفلسطينيين .(ب)الإتفاق مع قادة الحركة الوطنية في الاردن، بجميع هيئاتها وتنظيماتها وفعالياتها (وكذلك مع قادة الجيش الاردني)، على تنظيم مقاومة شعبية ضد ‘اسرائيل’ الساعية لجعل الاردن وطناً بديلاً للفلسطينيين، والعازمة على الإستيطان في منطقة ‘E1’ بين القدس والضفة الغربية بقصد السيطرة عليها من جهة وفصل القدس عن الضفة الغربية من جهة اخرى الامر الذي يمسّ بالحقوق الوطنية والامن القومي لدولة فلسطين كما للاردن.(جـ) دعوة مجلس وزراء الخارجية في اطار جامعة الدول العربية الى عقد جلسة طارئة لأخذ العلم رسمياً بصدور قرار الامم المتحدة الإعتراف بفلسطين دولةً في ‘حدود’ 1967 وبالتالي اتخاذ قرار بإعتبار ‘اسرائيل’ دولة محتلة في جميع المناطق الواقعة تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، والدعوة الى إخلائها فوراً تحت طائلة احالة النزاع على مجلس الامن الدولي لإتخاذ القرار الإجرائي بالإخلاء، وفي مطلق الاحوال دعوة مصر والاردن الى قطع علاقاتهما الديبلوماسية مع ‘اسرائيل’ تمهيداً لسحب الإعتراف بها.( د) دعوة الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي الى فرض عقوبـات على ‘اسرائيل’ بسبب استمرارها في عمليات الإستيطان، ليس اقلها مقاطعة منتوجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وإعتبار الاتفاقيات الإقتصادية بين ‘اسرائيل’ والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي لا تنطبق على المناطق التي احتلتها الدولة العبرية سنة 1967.إن اتخاذ الخطوات الإجرائية سالفة الذكر لا يُغني فصائل المقاومة عن متابعة عمليات المقاومة الميدانية في المكان والزمان المناسبين، والإتفاق مع دول وقوى وتنظيمات الممانعة التي تناهض ‘اسرائيل’ على ضمان توريد السلاح والعتاد لوحداتها المقاتلة، والتنسيق معها سياسياً وميدانياً لمواجهة العدو المشترك.اخيراً وليس آخراً، يقتضي ان تتحمل القوى الفلسطينية الحية في الوطن المحتل وفي الشتات مسؤولياتها الوطنية والقومية في غمرة المخاض الذي يلف عالم العرب والمسلمين، فلا تتأخر في انضاج عملية التجديد في صفوف القيادات السياسية، وربما العسكرية ايضا، من اجل الإرتقاء بالمقاومة، برنامجاً وتنظيماً وفعاليةً سياسية وميدانية.’ كاتب لبناني