لوموند: غياب جهة مؤثرة في الشرق الأوسط يوضح وضع العالم حاليا حيث لم تعد أي قوة قادرة على فرض النظام

حجم الخط
1

باريس- “القدس العربي”:

اعتبرت صحيفة “لوموند” الفرنسية، أن غياب جهة فاعلة رئيسية قادرة على التأثير في مسار الأحداث بالشرق الأوسط، يوضح الوضع الحالي للعالم، حيث لم تعد أي قوة قادرة على فرض النظام.

وأشارت الصحيفة إلى إطلاق الصين وروسيا وإيران قبل ثلاثة أيام مناورات بحرية مشتركة في خليج عُمان، بهدف “ضمان الأمن البحري الإقليمي”، قائلة إن الإعلان هذه المناورات لها تأثيرها لكنه مضلل بعض الشيء. فهذه المناورات، التي تأتي على خلفية الهجمات التي يُنفذها المتمردون الحوثيون في البحر الأحمر والتي تثير الذعر في صفوف التجارية العالمية، يمكن أن تُشير إلى أن هذه القوى، والتي تمتلك إحداها وهي الصين قاعدة بحرية في جيبوتي، حريصة على تولي مسؤولية النظام الإقليمي. لكن ذلك ليس حقيقيا، تشدد “لوموند”، موضّحة أن هذه المناورات، في نهاية المطاف، هي مناورات تستغرق خمسة أيام فقط، وكانت قد جرت في التوقيت نفسه من العام الماضي.

واعتبرت “لوموند” أنه من خلال التمعن، فإن الإعلان عن هذه المناورات يسلط الضوء على ضمان استمرار الفوضى. فد نشرت الولايات المتحدة حاملتي طائرات في المنطقة منذ بداية الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة، لكن لم ينجح أحد حتى الآن في ثني الحوثيين عن مواصلة إطلاق صواريخهم.

وعلى نطاق الشرق الأوسط، يعكس هذا المثال حالة العالم في عام 2024، وفق “لوموند”: عالم تتكاتف فيه عدة قوى عظمى أو تراقب بعضها البعض أو تتنافس أو تتواجه أو تتعاون اعتماداً على القضية، ولكن حيث لم يعد باستطاعة أحد فرض النظام. وقد كتب الصحافي  غريغ كارلستروم مؤخراً في مجلة “فورين أفيرز”: “انسوا تسميات الأحادية القطبية أو التعددية القطبية. فالشرق الأوسط ليس قطبياً. وليس هناك من يتحكم به”.

نهاية السلام الأمريكي

هذا الفراغ الفلكي ملفت للنظر بشكل خاص، حيث إن الأمريكيين يظلون حاضرين، ولو فقط من خلال الدعم العسكري والمالي الحاسم الذي يقدمونه لإسرائيل. وتشهد حاملات الطائرات، التي لم يتم الحفاظ على سوى واحدة منها في البحر الأحمر، على الدور المُهيمِن الذي كانوا يحظون به.

لكن هذا الدور لم يعد يغير مجرى الأحداث، إذ تكتفي واشنطن اليوم بلا شك بالحد من التصعيد، تقول “لوموند”، موضحة أن بنيامين نتنياهو لا يستطيع شن حربه المدمرة في غزة دون الأسلحة الأمريكية؛ وأصبح البيت الأبيض ينتقد بشكل متزايد الطريقة التي يدير بها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأمر، دون أن ينجح في حمله على تغيير الاستراتيجية.

ومضت “لوموند” إلى التذكير بأن الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما تعرض لانتقادات بسبب عبارة “القيادة من الخلف” التي نُسبت إليه في عام 2011 لوصف موقف الولايات المتحدة من التدخل في ليبيا، والذي تم تنفيذه عبر فرنسا والمملكة المتحدة. وكان منتقدوها ينظرون إليها بحق على أنها علامة على تراجع القوة الأمريكية. وقد تأكد هذا الانسحاب من خلال القرار الذي اتخذه أوباما نفسه بعد عامين، بالتخلي عن تطبيق الخط الأحمر في سوريا الذي وضعه هو نفسه، وهو استخدام دمشق للأسلحة الكيميائية. واليوم، لا تقود الولايات المتحدة “من الخلف” بل إنها لا تقود بكل بساطة. وكان انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان في أغسطس/ آب عام 2021 بمثابة نهاية للسلام الأمريكي.

ومضت “لوموند” إلى التوضيح أنه في الأزمة الدولية الكبرى الأخرى في الوقت الراهن، أي الحرب الروسية في أوكرانيا، تدعم إدارة بايدن الديمقراطية أوكرانيا، عندما تسمح لها المعارضة الجمهورية بالقيام بذلك، ولكن اختيار نتيجة الحرب متروك للرئيس فولوديمير زيلينسكي. فخلال مؤتمر ميونيخ الأمني ​​في منتصف فبراير/ شباط الماضي، كان الأمريكيون حاضرين كما هم في كل عام، بأعداد كبيرة، بما في ذلك نائبة الرئيس كامالا هاريس. لكن الشخص الوحيد الذي شارك حقا في المناقشة هو السيناتور الداعم لدونالد ترامب، جيه. دي فانس، الذي يمكن تلخيص رسالته الرئيسية للأوروبيين: “سيتعين عليكم أن تتعلموا كيفية العيش بدوننا”.

النشاط الروسي

من جهة أخرى، اعتبرت “لوموند” أنه في السيناريو الهوليودي للمواجهة الصينية الأمريكية الكبرى، كان من المفترض أن يستغل العملاق الآخر، الصين، هذا الانسحاب الأمريكي لفرض نفسه على الساحة العالمية. لكن إمبراطورية  الوسط، المنهكة بإحياء اقتصادها وبناء قوة سياسية داخلية مركزة بشكل متزايد، بالكاد تشارك في الصراعات الكبرى بالعالم. وبصرف النظر عن هذه الأيام القليلة من المناورات في البحر، تظل بكين على مسافة محترمة للغاية من الأزمة في الشرق الأوسط.

وفي الحرب الأوكرانية، توضح “لوموند”، تغطي الصين جارتها الروسية، التي يخدم قتالها ضد النظام الغربي مصالحها. فهي تساعدها بشكل سري، جاعلة من روسيا مُعتمدةً عليها أكثر فأكثر. لكنها لا تسعى أيضاً إلى قلب مجرى الحرب. وهي أكثر انشغالاً بمراقبة تايوان أو الفلبين، اللتين تسببان لها أوقاتاً عصيبة في منطقة بحر الصين الجنوبي التي تعدّ أولويتها.

وهذا يترك القوة العظمى السابقة في القرن العشرين، روسيا، تبتعد عن القوتين الكبيرتين، وتواجه صعوبة في التعود على ذلك. واليوم، أصبحت قيادتها هي قيادة الفوضى والتضليل وزعزعة الاستقرار، تقول “لوموند”، وتستغل لامبالاة أكبر قوتين على الساحة العالمية في القرن الحادي والعشرين لزيادة تقويض النظام الغربي، مع العلم أن الصين لن تعارض أجندة الفوضى طالما أنها لا تؤثر على مصالحها.

ويسمح هذا النشاط لروسيا بتسجيل نقاط في أفريقيا أو في أي مكان آخر، ولكن الجهد الهائل الذي تتطلبه الحرب في أوكرانيا يحد من نطاق عملها: فقد سحبت نظام دفاع مضاد للطائرات من سوريا. ولا تستطيع موسكو تغيير الديناميكية الحالية في الشرق الأوسط أيضا، تقول “لوموند”.

وينسب البعض إلى أوروبا مصير “القوة الجيوسياسية”؛ فهي لا تزال بعيدة عن ذلك. أما الهند، القوة الصاعدة، فهي تنهب، تارة في واشنطن، وتارة في موسكو، مستفيدة من كل الخيارات دون أن تغض الطرف عن الصين. هذا العالم “غير القطبي” يناسبها تماما. على الأقل في الوقت الحالي كما يعلم الجميع، فإن الطبيعة تمقت الفراغ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية