باحث: في منطقة الساحل.. تدفع فرنسا فاتورة نصف قرن من التدخل العسكري في أفريقيا جنوب الصحراء

حجم الخط
1

باريس- “القدس العربي”: في عريضة نشرها في صحيفة “لوموند” الفرنسية، اعتبر رحمان إدريسا، الباحث في مركز الدراسات الأفريقية في جامعة ليدن (هولندا)؛ أن الإخفاقات في محاربة الجهاديين وذاكرة السياسات الاستعمارية الجديدة المطبقة حتى التسعينيات هي أرض خصبة للشعور المناهض للفرنسيين، الذي ينتشر الآن في المنطقة الأفريقية.

وقال الباحث الأفريقي إن هناك ثلاثة أسباب رئيسية على الأقل أوصلتنا لما هو حاصل اليوم: أولا، تدفع فرنسا ثمن نصف قرن من التدخل العسكري في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. فإلى غاية عمليتي “سيرفال” و “برخان” في العقد الأخير، كانت جميع التدخلات العسكرية الفرنسية في أفريقيا جزءا من السياسة الواسعة للسيطرة الاستعمارية الجديدة في القارة السمراء التي قررها شارل ديغول عام 1958، واستمرت بلا هوادة من قبل مختلف الحكومات الفرنسية على الأقل حتى نهاية التسعينيات.

جمعت هذه السياسة بين تعزيز “المصالح الاستراتيجية” لفرنسا وحماية “الأنظمة الصديقة”، التي كانت بشكل عام بغيضة لسكانها. على مدى الثلاثين عاما الماضية، كانت سياسة فرنسا الاستعمارية الجديدة في حالة تدهور على خلفية العولمة والتعددية والركود الاقتصادي والسياسي في البلاد على الساحة الدولية (…).

الإخفاقات في محاربة الجهاديين وذاكرة السياسات الاستعمارية الجديدة المطبقة حتى التسعينيات هي أرض خصبة للشعور المناهض للفرنسيين الذي ينتشر الآن في المنطقة الأفريقية

والسبب الثاني يتعلق أكثر بمنطقة الساحل حيث فشلت فرنسا وحلفاؤها في المنطقة في القتال ضد الجهاديين الذين اعتادوا ذبح أو نهب السكان المدنيين، ولم يكتفوا بمهاجمة قوات الدولة بانتظام. وهذا بالطبع قلل بشكل كبير من صبر السكان المذكورين تجاه أولئك الذين يزعمون أنهم يقودون النضال. ويبدو أن الجيوش المحلية المدعومة من قبل عدد كبير من القوات الدولية – ليس فقط “برخان”، ولكن أيضا وحدات القوات الخاصة الأوروبية من “فرقة العمل تاكوبا”، وقوات مينوسما التابعة للأمم المتحدة، والطائرات بدون طيار الأمريكية – غير قادرة على منع الجهاديين من التجول في المناطق كما يحلو لهم.

وعليه، فإن عدم التناسب بين الموارد الهائلة التي تم حشدها وانعدام الأهمية الظاهرة للنتائج التي تم الحصول عليها هو أرض خصبة لنظريات المؤامرة، يقول الكاتب، موضحا أن فرنسا نظرا لصورتها السيئة الراسخة فإنها هي الهدف الحصري عمليا لهذه النظريات.

والسبب الثالث سياسي إذ إن الرهاب القديم، الذي تفاقم بسبب الأزمة الجهادية والتدخل العسكري الفرنسي الذي استمر دون نتائج مقنعة، يشكل فرصة ذهبية للمعارضين في السلطة في نيامي وواغادوغو. فبسبب عدم القدرة على حشد السكان ضد عدو (جهادي) لا يستطيعون مواجهته، تختار المعارضة عدوا (فرنسيا) سيقاتلهم بدرجة أقل لأنهم لا يعتبرون أنفسهم كذلك.

ورأى الباحث الأفريقي أن المطالبة بصوت عالٍ لرحيل القوات الفرنسية والقوات الدولية الأخرى لن تحل بالتأكيد أزمة الجهاديين، لكن المحتجين يراهنون على أنها لن تؤدي إلى تفاقمها أيضا. سيكون لديهم على الأقل شعور بالرضا بالشعور “بالسيادة”، حتى لو كان جزء من الأرض في أيدي العصابات الإرهابية.

ينصح بعض الخبراء الجنود الفرنسيين بحزم أمتعتهم والسماح لدول الساحل بالتفاوض مع الجهاديين. لن يضع هذا الخيار حداً للمشاعر المعادية للفرنسيين ولكنه سيضيف لهجة إسلامية قوية

وفي مواجهة هذا الوضع الشائك ينصح بعض الخبراء الجنود الفرنسيين بحزم أمتعتهم والسماح لدول الساحل بالتفاوض مع الجهاديين. لن يضع هذا الخيار حداً للمشاعر المعادية للفرنسيين ولكنه سيضيف لهجة إسلامية قوية. كما أنه غير واقعي طالما ظل الفرنسيون مقتنعين بأن الانسحاب من شأنه أن يزعزع استقرار كل غرب أفريقيا، يقول الكاتب.

تبقى حقيقة أنه على الرغم من الصخب الشديد، فإن العداء للوجود الفرنسي ليس بالإجماع أو حتى بالضرورة لدى الأغلبية في منطقة الساحل. ربما يكون مسار العمل الوحيد الذي يجب أن تتبعه باريس من الآن فصاعدا هو تهيئة الظروف للنجاح في مواجهة الجهاديين وأيضا جميع مصادر العنف في منطقة الساحل. وهذا يرقى بشكل خاص إلى العمل مع جميع أصحاب المصلحة في منطقة الساحل لتوسيع التحالف وتحقيق توازن أفضل بين الحلول السياسية والعسكرية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية