لندن ـ «القدس العربي»: بلغة المدربين وخبراء اللعبة، يصنف لويس دياز كلاعب رقم 7 من النوع الفاخر، لما لديه من المقومات والسمات المطلوبة في كرة القدم الحديثة عموما، وأسلوب الهجوم العصري في الدوريات الأوروبية الكبرى، بما في ذلك خفة الحركة، قوة وحدة الانطلاق بالكرة وبدونها، والعدوانية في الهجوم وتنوع الحل الفردي في موقف لاعب ضد لاعب، وأهم مما سبق لمسة اللاعب رقم 9 في الثلث الأخير من الملعب، بالقدرة على التسجيل بكلتا القدمين والرأس بنفس الدقة والجودة، الأمر الذي جعله محط أنظار أعتى وأكبر الأندية الإنكليزية والأوروبية، إلى أن قام ليفربول بالتوقيع معه في صفقة ضخمة تخطت حاجز الـ40 مليون جنيه إسترليني في سوق الانتقالات الشتوية الأخيرة.
طفولة بائسة
وُلد لويس دياز في يناير / كانون الثاني عام 1997، لأسرة يعولها الأب لويس مانويل دياز، صاحب ومؤسس مدرسة كرة قدم منذ تسعينات القرن الماضي وحتى وقت كتابة هذه الكلمات، والأم سيلينيسا مارولاند، التي استثمرت حياتها في تربية لويس وأشقائه روجر ديفيد وخيسوس، الذين تحولوا في ما بعد للاعبين كرة قدم محترفين، رغم أنهم استهلوا مشوارهم في مدرسة «بالير دي بارانكاس» البسيطة، التي يملكها الأب، خصوصا لويس الذي لم يوافق الوالد أو كما يُلقب في مملكته مع الأطفال بالمعلم ماني، على ضمه للأكاديمية، لاعتقاده بأن بنيانه الجسدي سيكون عائقا أمام احترافه اللعبة، والأسوأ كانت معاناة الصغير مع النحافة الزائدة سوء التغذية، والأمر لا يتعلق بالحالة الاجتماعية شبه المتواضعة للأسرة فحسب، بل أيضا لصعوبة الحياة في مسقط رأسه هناك في لاغواخيرا، حيث البنية التحتية المتهالكة، والطرق الصحراوية الوعرة المخصصة للشاحنات والقطارات التي تنقل الفحم إلى أوروبا. ورغم قسوة الحياة، بالاستيقاظ يوميا على مفرقعات منجم سيريخون، إلا أنها كانت تجدد آمالا نحو مستقبل أفضل وتمثل مصدر إلهام للعائلة، على أمل أن تبتسم له الحياة يوما ما، بإتباع طريق السفن، من أجل تحقيق حلمه الكبير، باحتراف الكرة في بلاد كرة القدم الحقيقية.
نصيحة الأسطورة
بدأ يكتشف قدرته على تحقيق أهدافه، عندما نفذ شرط والده، بالجمع بين تنمية مهارته في الأكاديمية وتخطي المرحلة الابتدائية في التعليم، وعندما جاءته فرصة العمر، للتعبير عن نفسه وموهبته مع منتخب شعب كولومبيا الأصلي، في مسابقة شهيرة للسكان الأصليين في أمريكا الجنوبية، وحدث ذلك تحت رعاية وإشراف الأسطورة فالديراما، الذي لعب دورا مهما في النقلة النوعية التي حدثت للشاب العشريني، بالضغط على رئيس نادي بارانكيا، حتى يقبل فكرة ضم ذاك الفتى النحيف لفريق الشباب تحت 18 عاما، حتى أنه يروي في مقابلة موثقة في وسائل الإعلام المحلية: «قلت للرئيس من فضلك جرب هذا الرجل النحيف جدا»، ولأنه يحمل جينات النجوم، لم يخب ظن فالديرما، بنجاحه في تقديم أوراق اعتماده كلاعب مهم للفريق، وهذا بدعم مادي سخي من الأب والأم، وصل الى حد توفير ما وصفه الوالد بـ«نظام غذائي لا يأكله سوى أبطال فرنسا للدراجات»، وذلك لمساعدته في زيادة وزنه 10 كيلوغرامات، كما طلب منه المدرب خوليو كاسيمينا، وحدثت المعجزة بتوفير نوع خاص من المعكرونة واللحوم الطازجة في وجبة الإفطار. ولأن العائلة تعيش في صحراء كولومبيا القريبة من البحر الكاريبي، كان يتناول لحم الماعز 3 مرات يوميا، ما ساعده على اكتساب الوزن، الذي منحه القوة التي كانت تنقصه، بعد التطور الهائل في لمسته وقدرته على المراوغة، بفضل الساعات التي لا تحصى، التي قضاها في تقليد حركات مُلهمه رونالدينيو، وأسلوبه في المراوغة ومداعبة الكرة بطريقة مُثيرة لإعجاب المشجعين.
بداية النجاح
بدأ يلامس النجاح في عالم كرة القدم، بعد انتقاله إلى أتلتيكو جونيور وانتظامه مع الفريق الأول عام 2017، ومع الوقت انفجرت موهبته، كواحد من أبرز المساهمين في تتويج فريقه بكوبا كولومبيا والسوبر المحلي وأيضا دوري الدرجة الأولى، ليتلقى أكثر من عرض أوروبي، أكثرها جدية كان من كارديف سيتي في العام 2018، وأيضا زينيت سان بطرسبرغ الروسي، لكنه رُفض بسبب كابوس سوء التغذية، الناتجة عن نشأته المعقدة، في قرية تعاني من جفاف نهر رانشيريا، ضمن خسائر الطبيعة من مناجم التعدين في العقود الأخيرة، لكن في العام التالي، خطف أنظار كشافة بورتو، ضمن المجموعة التي تعاقد معها عملاق الكرة البرتغالية بعد التخلي عن إيدير ميليتاو وريكاردو بيريرا ودييغو دالوت، ورغم أنه لم يكن ذاك الاسم الكبير بالنسبة لبورتو، إلا أنه سرعان ما كشر عن أنيابه، بتألق لافت في الموسم الأول، انتهى بتسجيل 14 هدفا، ثم 11 في الموسم التالي، غير أنه كان محظوظا بالظهور بأفضل حالاته في مباريات الفريق الكبرى في دوري الأبطال، على غرار ما فعله، بهز شباك ميلان في مباراتي مرحلة المجموعات، بجانب إجادته أمام ليفربول، رغم خسارة فريقه في المباراتين، وسبقها بشهور قليلة، تقاسم صدارة هدافي كوبا أميريكا مع الأسطورة وبطل النسخة ليونيل ميسي، بإجمالي 4 أهداف لكل لاعب، وكان ذلك بعد مرور 3 سنوات من ظهوره الأول مع منتخب بلاده الكولومبي في أول تجمع في أغسطس / آب بعد نهائيات كأس العالم في روسيا 2018.
الرسالة الخطيرة
عندما وقع ليفربول مع ديوغو جوتا في الصيف قبل الماضي، كان يُنظر إليه على أنه عمق إضافي في الثلث الأخير من الملعب، على الأقل لتنويع الخيارات الهجومية، بدلا من المبالغة في الاعتماد على الثلاثي الأسطوري محمد صلاح وساديو ماني وروبرتو فيرمينو، وهذا ما قلل الاعتماد على الثلاثي في الآونة الأخيرة، لكن بعد وصول صاحب الـ25 عاما المُلقب بكريستيانو رونالدو كولومبيا، تضاعفت الأسئلة والاستفسارات حول مصير ثلاثي الهجوم الذي صنع مجد كلوب منذ وصوله إلى «آنفيلد» أواخر 2015، وذلك ليس فقط لأن المعروف عن المدرب الألماني أنه يفضل الاعتماد على عدد محدود من اللاعبين، بل أيضا لصعوبة التكلفة على خزينة النادي، بدفع رواتب 5 مهاجمين من الطراز العالمي، ولاحظنا الطفرة الهائلة في حجم الاشاعات حول مصير أبو صلاح وماني منذ قدوم دياز الشهر الماضي، ما بين مصادر تزعم أنه جاء لخلافة الفرعون وأخرى ترجح اسم أسد التيرانغا، وبدرجة أقل المهاجم البرازيلي، لاختلاف مراكز وأسلوب لعب كل واحد، لكن بنظرة واقعية ومحايدة للضحية المنتظرة للوافد الجديد، سيكون الأقرب هو الدولي السنغالي، وذلك لعدة أسباب، منها تركيز الإدارة على ملف تمديد عقد النجم الأول محمد صلاح، باعتباره مطلبا وأولوية بالنسبة لأغلب الجماهير، وهذا لن يتحقق إذا استمر ساديو في المشروع، خاصة وأن المسؤولين سيكونوا مجبرين على فتح باب المفاوضات مع وكيل أعماله لمناقشة تجديد عقده، الذي سينتهي منتصف العام المقبل مثل صلاح، لذا يبدو واضحا على طريقة «كل لبيب بالإشارة يفهمُ»، أن وصول دياز سيعجل بخروج ماني عاجلا وليس آجلا، منها ليفسح المجال لتجديد عقد النجم المصري بشروطه الباهظة ماديا، ومنها أيضا سيحصل النادي على أعلى عائد مادي من بيعه، وهو في قمة نضوجه كلاعب محترف، وقبل أن يكسر عتبة الـ30 عاماً، وأيضا قبل أن يحق له الرحيل بدون مقابل بعد دخوله آخر 18 شهراً في عقده. وما يعطي دلائل ومؤشرات لإمكانية حدوث ذلك، هو أوجه التشابه الكبير بين الوافد الجديد وماني، بما في ذلك مكان توظيفهما في الملعب، في مركز الجناح الأيسر، للاستفادة من قدمه اليمنى داخل الملعب، مثل صلاح في الجهة الأخرى.
وفي كل الأحوال، سيكون دياز سببا في إثارة وتحفيز ساديو ماني، لينهي موسمه السادس مع ليفربول بشكل نموذجي، وذلك بعد الدفعة المعنوية التي تحصل عليها بقيادة منتخب بلاده للفوز بكأس أفريقيا للمرة الأولى، ما يعني أن الوافد الجديد سيخلق منافسة صحية مع قائد المنتخب السنغالي في مركز الجناح الأيسر المهاجم، وسيكون الفريق الرابح الأكبر، في ظل تمسكه بالقتال على كل الألقاب، خصوصا في المنافسة على دوري الأبطال وملاحقة مانشستر سيتي على صدارة البريميرليغ، على أن يكون النادي قد حسم المفاضلة بين ماني وصلاح قبل نهاية الموسم، إما بدفع ما يريده النجم المصري وتوفير الزيادة من راتب ماني المطلوب في برشلونة وريال مدريد، وإما التضحية بالفرعون وتوفير راتبه لعقد ماني الجديد، والسؤال لك عزيزي القارئ: من باعتقادك سيكون ضحية لويس دياز في ليفربول؟