لويس عوض في أوراق عمره… سنوات تكوينه الأولى

حجم الخط
0

لويس حنا خليل عوض، علم من أعلام البحث والنقد والترجمة في مصر والوطن العربي، ولد في مدينة المنيا في 21/12/1914، وتوفي سنة 1990 مع أنه يوثق ولادته عام 1915، وبين هذين التأريخين عاش حياة ممتدة زاخرة بالدرس في جامعة كامبريدج البريطانية العريقة، لينال منها درجة الدكتوراه أوائل عقد الأربعين من القرن العشرين، ونشر تسعة وأربعين كتاباً أصدر أولها عام 1945، وهو ترجمة لكتاب «فن الشعر» لهوراس وآخرها، أصدرته مكتبة مدبولي الشهيرة في القاهرة عام 1989، أي قبل وفاته بسنة واحدة، والذي بدأ بكتابته عام 1982، ولينتهي منه عام 1986، ويقع في ستمئة وسبع وعشرين صفحة، وعنوانه «أوراق العمر. سنوات التكوين» وهو سيرته الذاتية، وقد أحسن صنعاً، إذ صارع الزمن الذي لا يرحم وأخرجها للقراء الجادين قبيل وفاته، لتأتي شاملة على كل صروف الدهر التي مرت عليه، هو المفكر الليبرالي الحر، الذي تعرض لحقد الرجعيين والحاسدين ومنهم رشاد رشدي، الذي ما اكتفى بإيذاء لويس، بل امتد الأذى نحو أخيه الباحث الكاتب رمسيس عوض، «فكان رشاد رشدي بوصفه ممتحناً يعرقل مسعاه في كل خطوة يخطوها نحو الماجستير والدكتوراه في الأدب الإنكليزي، ويحول دون تعيينه مدرساً في جامعة القاهرة». كما تعرض لأذى كتاب اليسار، لما كانوا يجدون في كتاباته من دعوات لحرية الفكر، واقتراب من ثقافة أوروبا والغرب، كما شملته حملات التطهير والإقصاء من الجامعة بعد تموز/يوليو 1952، فضلاً عن شمولها العديد من كفاءات مصر، وفي الذاكرة القانوني الضليع عبد الرزاق السنهوري والشاعر إبراهيم ناجي.
في أوراق عمره، ينقل لنا لويس عوض شيئاً من العلاقات الاجتماعية وحسن الجيرة، بين الأسر المسلمة والقبطية، لعلها تعود إلى سنوات العقد الثاني من القرن العشرين، إذ كانت أمه وعامة النساء الأقباط من طبقتهم، حين يخرجن إلى الشارع يرتدين الحبرة السوداء والحذاء الأسود كنساء المسلمين «في أعياد المسلمين والأقباط، كنا إلى جانب التزاور نتبادل الكعك مع جيراننا المسلمين، فنرسل إليهم هذه الأشياء أو نتلقاها منهم في ما يشبه الطقوس». وينقل لنا صورة من صور الحزم التربوي الأسري، والغريب أو المفرح أن هذا الحزم، ما كان صادراً عن أبيه، بل تولته أمه، يحدث إن تأخر في المجيء ليلاً، فلم تفتح له الباب آمرة إياه أن ينام حيث كان، ولم تَجْدِه كل توسلاته، فالباب لا يفتح بعد العاشرة ليلاً! هي الأم الرؤوم التي كانت تداري أولادها بتفان، وتحاول أن تحميهم من غضب أبيهم، لكن حين حان الجد والحزم، رأيتها وقد تحولت إلى إنسانة أخرى، كل هذا الحزم من أجل أن يعرفوا مواطن الخلل فيغادروها.

ظاهرة الترجمة بتصرف

 شاعت في بداية القرن العشرين، وما تلاها ظاهرة قيام بعض أدباء مصر بإصدار بعض الروايات الأجنبية، ولاسيما الفرنسية موشحة بعبارة (ترجمة) من ذلك قيام مصطفى لطفي المنفلوطي، بتعريب عدد من الروايات مثل: «سيرانو دي برجراك» لأدمون روستان فسماها «الشاعر» و»تحت ظلال الزيزفون» لألفونس كار، فعنونها بـ»ماجدولين» ورواية «بول وفرجيني» التي أطلق المنفلوطي عليها اسم «الفضيلة» و»في سبيل التاج» لفرانسو كوبيه، فضلاً عن «العبرات» الذي هو ترجمة لرواية «غادة الكاميليا» للكاتب الفرنسي الكسندر دوماس الابن، ولقد قرأنا كل آثار المنفلوطي ونحن في مرحلة الفتوة، طلبة في الثانوية، كما ابتعت رواية «البؤساء» لفيكتور هوغو، وقد ذكر على عنوانها أن مترجمها هو شاعر النيل حافظ إبراهيم، وكنت أمام هذه الظاهرة، أُسائل نفسي كيف ترجما ما ترجماه، وهما لا يعرفان حرفاً من الفرنسية، لكنني بعد لأي قرأت ما يفسر ارتيابي ويوضحه إذ أنهما كانا يستعينان بمن يقرأ لهما الرواية عن الفرنسية، ثم يقومان بصياغتها بأسلوبهما، أي أنهما يترجمان بتصرف، إن يجوز لي أن أطلق على عملهما هذا صفة الترجمة، ويأتي لويس عوض ليؤكد هذه التوصلات ذاكراً «وقد أذهلني أيام دراستي الثانوية أن أجد في مكتبة أبي ترجمةَ إنكليزية لـ»البؤساء» لفيكتور هوغو، تقع في ألف صفحة بالبنط الدقيق، بينما كانت «بؤساء» حافظ إبراهيم تقع في مئتي صفحة من القطع المتوسط، وبالبنط الكبير، وكنا ندرسها في المدرسة الثانوية، فحاولت أن أضاهي الترجمتين فصرفني أبي عن ذلك، لأنه أفهمني أن كتاب حافظ إبراهيم ليس إلا اقتباساً وتلخيصاً على طريقة المنفلوطي فلا وجه للمضاهاة».

الكتابة السياسية الآنية لا تجلب خلوداً

 كان حنا خليل عوض الموظف في حكومة السودان، أبو لويس، قارئاً جيداً بالعربية، وبالإنكليزية غالباً، وكان ذا نظر ثاقب، أثر في توجهات ابنه، وكان لويس يقف مأخوذاً متعجباً من هذه المكتبة وكتبها في غالبها بالإنكليزية، لذا كان يوضح كثيراً من غوامض الأمور التي تعترض سبيل ابنه لويس، فهو يتابع قراءات أبيه لما يكتبه العقاد في «البلاغ» وما كان يكتبه طه حسين في جريدة «السياسة» من مقالات سياسية، ويحس ببذاءة كل منهما في هجاء خصوم حزبه، وإذ ذهبت كل مقالات طه حسين مدفوعة الأجر أدراج الرياح وطوتها يد الدهر، التي لا ترحم أحداً، ظلت كتاباته الثقافية في الجريدة ذاتها باقية في عقول الناس وضمائرهم، وكان «حديث الأربعاء» كتابه الرائع بعضاً من هذه الكتابات، والأمر ينطبق على العقاد.
قال لويس عوض: «كان طه حسين حراً دستورياً، فكان يهاجم سعد زغلول بهجر القول، رغم كل ما تحمله سعد من آلام في سبيل الجهاد الوطني، وكان يسميه (زعيم الرعاع) وكان العقاد كاتب الوفد الأول، وكان يؤله سعد زغلول، ويقول هجر القول في عدلي يكن رئيس الأحرار الدستوريين، وكان قاموسه في الشتائم أفحش من قاموس طه حسين لأنه كان يتجاوز السب العام إلى السب الشخصي».

كان حنا خليل عوض الموظف في حكومة السودان، أبو لويس، قارئاً جيداً بالعربية، وبالإنكليزية غالباً، وكان ذا نظر ثاقب، أثر في توجهات ابنه، وكان لويس يقف مأخوذاً متعجباً من هذه المكتبة وكتبها في غالبها بالإنكليزية، لذا كان يوضح كثيراً من غوامض الأمور التي تعترض سبيل ابنه لويس

قرأت في الـ (بروفايل) الخاص بشقيقه رمسيس، استهانة بقدرات شقيقه واصفاً ذكاءه بـ «فوق المتوسط لكن لا حدة فيه ولا إبداع. وقد عوضه دأبه في العمل عن نقصه في الإبداع». بل إنه لم يعطه حقه في الامتحان الشفوي، يوم كان رمسيس طالباً في قسم اللغة الإنكليزية في آداب جامعة القاهرة، ولويس كان أستاذا فيها، مع أن زميله الأستاذ الإنكليزي، كان اقترح منحه درجة (جيد جداً) لكن لويس رفض ذلك ومنحه درجة (جيد).
هذه الدرجة (جيد) حرمت شقيقه من الوصول إلى درجة الامتياز، ما يؤهله لدراسة الماجستير، يقول لويس عوض: «وقد سبب لي هذا الحادث ألماً عميقاً لمدة طويلة، لأنه حَرَمَ أخي رمسيس من الامتياز في البكالوريوس، أو ربما ساعد على حرمانه، وقد أثر هذا في مستقبله تأثيراً مخرباً، كنت كثيراً ما أحاكم نفسي بقولي: ربما كنت واحداً من أولئك الذين قال فيهم قاسم أمين: أعرف قضاة حكموا بالظلم ليشتهروا بالعدل بين الناس. في هذه الحالة يجب أن أدين نفسي بالأنانية والرغبة الخفية في تمجيد الذات، ولو على حساب الحق».
وإذ يحاول التخفيف عن نفسه من تبكيت ضميره إياه، فانه يردفها بأخرى يوم كان مسؤولاً عن القسم الأدبي في جريدة «الأهرام» إذ النشر فيه مطمح الأنفس فيحجب الكثير من مقالات شقيقه عن المسرح المصري أو عن برتراند رسل أو عن الروائي جورج أرويل، وينصحه بنشرها في الجرائد الأخرى مثل: «الجمهورية» أو «الأخبار» أو «أخبار اليوم» أو المجلات الأسبوعية: «المصور» أو «روز اليوسف» أو «صباح الخير» لكنه يعلل سلوكه هذا، تعليلاً مقبولاً، فهو بيوريتاني باحث عن حقائق الأشياء ودقتها «وكنت أرفض نشرها في ملحق الجمعة، وانبهه إلى أني لو نشرت له شيئاً في صفحة الأدب، التي أشرف عليها فسوف يعيره أعداؤه، بأنه يبني اسمه في ظل أخيه، وليس بقيمته الشخصية، وسوف يتهمني أعدائي بأني استغل منصبي لأحابي أخي». لكن رمسيس استطاع النشر في ملحق «الأهرام» الأدبي في وقت تالٍ أيام تولى أحمد بهاء الدين رئاسة تحرير «الأهرام» في عامي 1974-1975 وما اكتفى لويس عوض بكل هذا الذي ذكره عن أخيه رمسيس، وفعله إزاءه فإنه يؤكد أن أخاه رمسيس كان يغار منه، ويحاول إخفاء هذه الغيرة تحت قناع من الهدوء، والسبب -كما يقرره – أن أخاه مهما حاول فلن يحصل على ربع ما أصابه لويس من تأثير في الرأي العام بسبب جرأته، واصفاً أخاه بأنه يخشى المجازفات وبطش الأعداء، وأرى أن هذا تعبير نفسي داخلي لما يعرف بعلم النفس بـ(الإسقاط) فهو يسقط ما في نفسه على أخيه، توهماً أو صدقاً ربما، للتخفف من شعور بالإثم. هناك مقولة نقدية عربية قديمة مفادها، أن على من يجد في نفسه بذرة الشعر وجنونه، أن يقرأ كثيراً من الشعر ويحفظه، ثم يحاول نسيانه، كي يتخلص من تأثيره، ويختط طريقه الخاص به، ولعل عوض، قد وعى هذه المقولة وحاول تطبيقها في قراءاته ودراساته، فهو يصف ذاكرته بالذاكرة الحديدية، فكان سريع القراءة، شديد الاندماج والتركيز، واصفاً عقله «مثل مخزن جسيم متقن الترتيب، لكن مهما كان المخزون جسيما ومرتباً فكان لا بد أن ينتهي التكدس فيه بالفوضى، فقررت أن أدرب نفسي على النسيان كما دربتها على الحفظ تماماً، كما يلقي الملاح الحمولة الزائدة في البحر، حتى لا تغرق السفينة. وكان لي منهج خاص بي في الدراسة، فكنت أقرأ كل نص مها ثلاث مرات: المرة الأولى لمجرد المتعة والمرة الثانية للدراسة والمرة الثالثة للمتعة والدراسة». لذا أسعفته ذاكرته في الإغداق علينا بكل هذه الدراسات الرصينة، فضلاً عن خطه الخاص في الكتابة والبحث وإصدار الرأي بعيداً عن تأثيرات قراءاته.

أساتذته

لويس عوض بعد أن حدثنا عن زملائه في الدراسة، يواصل بوحه ليحدثنا عن أساتذته الغربيين وأكثرهم إنكليز، وقلة من الإيطاليين، فضلاً عن أساتذته المصريين ومنهم: أحمد الشايب، وأمين الخولي، وطه أحمد إبراهيم، والشيخ مصطفى عبد الرازق، وأستاذ الفلسفة أبو العلا عفيفي، ويوسف كرم، وعبد الحميد العبادي، وشفيق غربال وغيرهم.
وإذا كان لويس عوض جريئاً في كتاباته وصريحاً، جلبت له وعليه جرأته وجراءته أذى كثيراً، فإنه في مذكراته، وسيرته الذاتية هذه، كان أقل جرأة وصراحة، حتى لكأن شخصاً آخر يتحدث، ولعل ذلك ناتج عما رسخ في الذات الشرقية وترسخ، من تهيب لدى الحديث عن الذات، التي نحاول تلفيعها بالأغطية والعباءات، ورأيي فيها يكاد يقترب من رأي الجواهري  في مذكرات كامل الجادرجي، لقد كان كامل الجادرجي غائباً أو مغيباً، وظلاً باهتاً لكامل الجريء الذي أمضى العمر يقارع من أجل الحق والحقيقة وأحقاقهما.
قال الجواهري، قرأت مذكرات الأستاذ كامل الجادرجي وما وجدت كاملاً الجادرجي. وأقول، قرأت مذكرات لويس عوض وسيرته الذاتية، وما وجدته، بل وجدت ظله، وما وجدت لويس عوض المقارع من أجل حقائق الأشياء، والتي تعرض بسببها إلى حملات المتزمتين والأصوليين، ولعله في أخريات أيامه، تطامن وضعف، أو لعله امتثل لرأي جدنا أبي نواس الحكمي الذي كبح نفسه عن البوح بأسرارها، مقرراً أن لما وصلت إلى مواطن الأسرار قلت لها قفي!
أنا لا أطالبه أن يكتب مثل الغربي، ولا أتعهد أن لو كتبت مذكراتي، أن أكتبها كما يكتب الغربيون، لكنها كانت خلواً حتى من أسرارها البسيطة.
لقد كانت ثرداً قرب الإناء، لا ثرداً في الإناء.

كاتب عراقي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية