لو اقامت اسرائيل الجدار الامني علي خط حدود 1967 فان الفلسطينيين كانوا سيؤيدونه لانه سيشكل بداية للتصور بالسيادة والامن والمستقبل

حجم الخط
0

العبارتان اللتان تثيران الاحساس والاهتمام الأكبر، اللتان وردتا في الجزء الممتاز من سلسلة المقالات التي أعدها الكاتب إيلي كوهين عن جدار الفصل، كانت قد قيلت علي لسان اثنين من القرويين الفلسطينيين، حيث أنهما، وبعد أن أعربا عن انتقادهما الحاد لاقامة جدار الفصل الذي يقطع اراضيهما، أضافا العبارتان المفاجئتين اللتين أشرنا اليهما أعلاه، وبشكل مباشر أمام عدسة الكاميرا. هكذا قالا: لو كنتم أنتم الاسرائيليين قد أقمتم هذا الجدار وهذا السور علي خط الحدود الذي كان في حزيران (يونيو) 1967، فاننا كنا سنساعدكم في بناء هذا الجدار. وكنا سنرسل لكم العمال من عندنا ليبنوه لكم، عندكم ومعكم. بل كنا ايضا مستعدين لتزويدكم بالمواد اللازمة للبناء.

هذه العبارات تظهر ما فاتنا في مسألة اقامة هذا الجدار وما يرتبط بموضوع جدار الفصل بيننا وبينهم. ويتضح أن جوهر المشكلة بيننا وبينهم في هذا الموضوع ليس له علاقة بمسألة اقامة الجدار بحد ذاتها، ولا عملية الفصل بين الشعبين عن طريق اقامته، ولكن جوهر المشكلة هنا هو المسار الذي شق طريقه في مناطق كثيرة (ولسرورنا ليس في جميعها) بقساوة قلب وبقوة فظة لخط الحدود الذي كان عشية حزيران (يونيو) 1967، والذي يعتبر بالمصطلح السياسي المقبول من جميع العالم خط الحدود السياسي الشرعي الوحيد بين الاسرائيليين والفلسطينيين، علي الأقل، الي أن يتم إقرار غيره باتفاق بين الأطراف ذات العلاقة.

إن اجتياز خط الحدود الشرعي بهدف ضم مجموعة من الكتل الاستيطانية، وكتل من الاراضي الاضافية لاسرائيل، أو الأسوأ من ذلك، لاعطاء امكانية دفاع ممتازة عن المستوطنات والمستوطنين اليهود، هي التي أدت الي ما يشبه حبس مجموعات كبيرة من القري العربية داخل أقفاص. وأدت الي قطع وفصل قري بأكملها عن حقولها واراضيها، والي إطالة مملة لطرق وصول السكان المحليين الي اماكن تواجدهم وارتباطاتهم. وحتي اذا كانوا يفكرون، ولست من بينهم، بأنه يمكن ترك المستوطنات في اماكنها الي أن تحين ساعة الاتفاق والتوصل الي التسوية السياسية مع الفلسطينيين، فانه كان يكفي حاليا اقامة جدار أمني حول كل واحدة من المستوطنات هناك، والاستمرار في المرافقة الأمنية علي الطرق المؤدية الي اسرائيل. فلم تكن هناك أي عدالة في تحصين المستوطنات وحماية كل الطرق الموصلة ما بين المستوطنات واسرائيل بنفس الأموال التي سبق تخصيصها لاحاطة القري الفلسطينية بهذه الأسوار العالية والتي عزلت قري بأكملها. ولكن لنعد قليلا الي العبارة التي سبق وأن قالها المواطنان العربيان الفلسطينيان في موضوع الحاجة الي تأسيس وترسيخ الحدود بين الكيانين القوميين، حتي ولو كان عن طريق اقامة جدار أمني أو سور.

صحيح أننا ننسي أنه بوجود خط حدود قاسٍ حقيقي مع وجود معابر مراقبة ومنظمة، كما هو معمول به في جميع مناطق العالم الاخري، فانه ليس أقل أهمية للفلسطينيين مما هو عليه الحال للاسرائيليين.

أ ـ الحدود التي سيتم تحديدها بين الكيانين لن تساعد اسرائيل فحسب (كما لاحظنا من قبل)، للتقليل وتقليص حاد في عدد الذين يعبرونها للقيام بعمليات ارهابية، بل ستساعد كذلك قوات الأمن الفلسطينية لتعتقل علي جانب الحدود الثاني أي خلية ارهابية فلسطينية أو اجنبية تحاول القيام بذلك، وبذلك تمنع مزيدا من التصعيد والعمليات الانتقامية الاسرائيلية.

ب ـ خط الحدود الصلب سوف يساعد الفلسطينيين علي المراقبة الجيدة علي دخول الاسرائيليين الي الدولة الفلسطينية، وبذلك لمنع اوساط جنائية اسرائيلية أو قومية متطرفة ومعادية للدخول بسهولة الي المناطق وأن تفعل هناك ما يحلو لها.

ج ـ في ظل عدم وجود حدود، فان تدفقا لموجات من العمال الاجانب يتدفق علي اسرائيل من النوع الذي يوافق علي العمل بشروط غير قانونية، ودون حقوق عمالية من أي نوع، والرقابة علي حركة العمال الفلسطينيين وحصرها، من الذين يعتبر عملهم ورزقهم مهم ايضا لاسرائيل بنفس المستوي كما هو مهم وحيوي للدولة الفلسطينية، فان هذا سيتيح المجال لكلتا الدولتين بالاهتمام والقلق لحقوق هؤلاء العمال والحرص علي حصولهم علي أجور الحد الأدني علي الأقل.

د ـ كما أن اقامة خط حدود صلب وحازم بين الكيانين سوف يضمن بأن تكون المدخولات من السياحة تصل ايضا للفلسطينيين. فلا يمكن أن تبقي المناطق الفلسطينية مجرد مناطق طبيعية وسياحة مسيحية، وأن تكون المداخيل من الفنادق تذهب فقط للاسرائيليين دون غيرهم.

هـ ـ إن وجود خط حدود واضح سوف يبدأ بالتدريج في صياغة حلم الفلسطينيين بالدولة الفلسطينية وبحق العودة. وفي المقابل، سيبدأ بمنح العقلية الاسرائيلية امكانية حلم الدولة اليهودية الكاملة، وبذلك يتيح الفرصة لكلا الشعبين للوصول الي النضوج القومي الحقيقي.

كلا القرويين الفلسطينيين لم يتحدث ـ مطلقا ـ من اللسان الي الشفة فقط، فهما يفهمان تماما ما الذي يحتاجه الفلسطينيون والاسرائيليون بصورة طبيعية وما الذي ما زال هؤلاء لا يفهمانه بعد: ان الحدود هي الضمانة للاستقلالية والسيادة، والسيادة هي الطريق الآمن لارساء الهوية، وعلي المدي البعيد ستكون الطريق الان لارساء الامن والسلام.

أ. ب يهوشعكاتب في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 25/6/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية