لو عاد قطار العمر

حجم الخط
0

لو عاد قطار العمر

لو عاد قطار العمر لو عادت بنا الايام، فماذا يا تري كنا سنفعل؟ او ما الذي كنا سنمتنع عنه؟ الي اين كنا سنذهب؟ او ما هي تلك الدروب التي كنا سنعلق في خيالنا علي نواصيها عـلامـة الجمجمة والعظمتين؟ باي فكر كنا سنتأثر؟ او ما هي تلك المبادئ التي كنا سنكتب علي اسوارها بالخط العريض منذ البداية لافتةً تقول: احترس! حقـل اوهـام. لو تقرر في مكان ما ان يبدأ العـمر مرةً اخري من اول الشريط، فهل ـ يا تـري ـ كنا سنكتفي بالتفرج عليه، كجمهور السينما المهـذب اللطـيف الذي ليس من المسـموح له سوي بان يتابع ما يجري امامه علي الشاشة صاغراً؟بالنسبة لي ـ انا علي الاقل ـ لا يوجد ما هو اجدر بالاحتقار من الاجابات النمـوذجية، خاصة في قضيةٍ مصيريةٍ كـهذه. تسأل المذيعة البغبغان شخصاً ما، سياسياً كان او فناناً او سمساراً او محامياً او دجالاً او لاعب كرة، مفكراً كان او هباشاً او طبيباً او عالماً لو عادت بك الايام، فهل كـنت ستسلك نفس الطريق؟ ولم اسمع ان واحداً فقط من كـل هـؤلاء جـرب ان يحطم اغلال الاجابات النمـوذجية. الرد الوحيد الذي سمعتـه ـ مكرراً الف مرةٍ ـ من الجميع هـو: لو عاد بي قطار العمر، لمـا اخـترت شيئاً غـير الذي كان. بالطبع لدي كــل واحـد من هؤلاء اسبابـه النفسية الخاصة التي تختلف من شـخص الي آخر. ومع ذلك، فان هـناك احد ثلاثة قـواسم مشتركـةٍ بين الجميع: اما الغباء، او الاستسهـال الناتـج عن الكسل العقلي، او تمـلق الروح السـائدة المـيالة ـ بطبيعة تكوينها التاريخي ـ الي الرضا بالمقـدر، او كل تلك الدوافع مجتمعة.قد تصلح هذه الاجابة النمـوذجية عاطفياً علي المستوي الفردي، عندما يتعلق الامر بشرب عصير قـصب تحت شـباك بنت الجيران، او بـحوش المدرسـة حيث حاولنا يوماً ان نقلد بيليه، فكانت النتيجـة ثمـانية اسابيع في الجبس. قد تصلح هذه الاجابة النمـوذجية مع التجاوز، عندما يتعلق الامر بمدرس العربي الذي قال تعليقاً علي موضوعاتنا الانشائية: لـمــا تبقـي كاتب كـبيـر، اوعي تـنسـي ان الاستاذ جابر هو اللي عـلمـك كان واخـواتهـا، او بالفتاة العسلية العينين التي استمعنا معها لاول مـــــرةٍ الي اغـنيـة: يا مـواعدني بكـره لعبد الحليم. قد تصلح عندما نكون في امس الحاجة الي استرجاع دعوات الام او نصائح الاب او نظرة الجدة المشفقة، او اذا استبد بنا الحنين الي روائح الامكنة التي اصبحت اثراً بعد عين، او الازمـنة التي ارتبطت في قاع ذاكرتنا بالحد الادني من الشـعور بالامان.اما بخصوص الشأن العام، فمعني اجابةٍ كـهذه، بكل بساطة، ان يلغي الانسان ذاكرته، وان يفضل تدليك غدة الرضا عن النفس علي امكانية التعلم من الخطأ. معني اجابةٍ كـهذه، ان نسمح لمن نصبوا علينا بان يفعلوها معنا مرة اخري، وان نوقع علي صك تنازل نهائي عن حريتنا لاول حاكم يعدنا بطرد المحتلين او مقاومة الغزاة، وان نصدق نفس الزعماء الذين طالما كذبوا علينا في الماضي. اجابةٌ كـهذه، تعني بالضرورة ان نضيع فلسـطين مرة اخري، وان نسمح مرةً اخري بان نكون قطعة شطرنج، علي لوحة النزاعـات الدوليـة من اجل مناطق النفوذ، وان نستنسخ التاريخ ـ حتي بتشوهاته ـ لنظل نجتره في المستقبل. اجابةٌ كـهذه، تعني بالضرورة ان نصبح كوابور الساعة اتناشـر (يا مـجـبل عـلي الصـعيد). يأتي محملاً باحلام الجنوبيين. ثم يعود محملاً باحباطاتهم، او ـ ربما ايضاً ـ بجثثهم. معني هـذا ان نتقدم نحو الماضي، وان نلقي بالمستقبل خلف ظهورنا، ولا نتوقف عن الدوران في حتمية التاريخ التي تحولت علي ايدينا الي حلقةٍ مفرغة!لو عاد بي ـ انا شخصياً ـ قطار العمر، لمـا اخـترت شيئاً من حياتي الماضية فيما يتعلق بالشأن العام، باستثناء هذا الوطن، علي الرغم من كـل هذه المعاناة! علي الرغم من كـل هـذه الـ(معاناة)…! الدكتور احمد يونسرسالة علي البريد الالكتروني6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية