لو كانوا يريدون علاجا للاحتقان الطائفي..
سيد ضيف اللهلو كانوا يريدون علاجا للاحتقان الطائفي.. هناك وثائق يمكنها ان تكشف لنا ان الزمن يرجع للوراء في بلدان تزعم انها تسير للامام علي طريق الاصلاح السياسي، وانها اكثر ديمقراطية من اكبر الديمقراطيات في العالم، مثل هذه الوثائق تسقط غالبا من الذاكرة، بسبب من الاهتراء الذي اصاب الذاكرة الوطنية. ومن هذه الوثائق ذلك التقرير الذي كتبته لجنة برلمانية بتكليف من الرئيس أنور السادات لتقصي الحقائق في احداث العنف الطائفي في الخانكة في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 1972. تشكلت هذه اللجنة برئاسة الدكتور جمال العطيفي وكيل المجلس، وعضوية كل من محمد فؤاد ابو هميلة، وألبرت برسوم سلامة، وكمال الشاذلي، والدكتور رشدي سعيد، وعبد المنصف حسن زين، والمهندس محب استينو. وكان رئيس المجلس في هذا الوقت هو حافظ علي بدوي.وأهمية هذه الوثيقة لا ترجع في حقيقة الأمر الي الحقائق التي تقصتها واستظهرتها بحسب قرار تشكيل اللجنة الذي حدد لها هذه المهمة، وانما ترجع أهمية هذه الوثيقة الي ان اللجنة لم تحصر مهمتها فيما هو اني متعلق بحادثة معينة في زمن محدد رغم اهمية ذلك، وانما بحثت فيما هو مستمر واسباب استمراره وهو الاحتقان الطائفي. فقد كشفت هذه اللجنة رغم انها لجنة برلمانية مشكلة بقرار من رئيس الجمهورية، في بلد لم تعرف السلطة التشريعية فيه استقلالا حقيقيا عن السلطة التنفيذية منذ ما يزيد عن الخمسين عاما.وفيما يتعلق بالحادث نفسه فقد عرضت اللجنة لتوصيف للحادث منقول عما سمعه اعضاؤها من السيد نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية والنائب العام وقتئذ. فقد ورد عن هؤلاء جميعا انه في يوم 6 تشرين الثاني (نوفمبر) وضع مجهولون النار في دار جمعية الكتاب المقدس التي كان يتخذها اهالي مركز الخانكة من الاقباط كنيسة بغير ترخيص لاقامة الشعائر الدينية. وفي يوم 12 تشرين الثاني (نوفمبر) وفد الي الخانكة عدد كبير من القساوسة قدموا اليه بالسيارات ومعهم بعض المواطنين من الاقباط ساروا الي مقر جمعية اصدقاء الكتاب المقدس المحترق واقاموا شعائر الصلاة فيه وتجمع في المساء عدد كبير من المواطنين في مسجد السلطان الأشرف وخرجوا في مسيرة احتجاجا علي ذلك، نسب فيها الي غاليس انيس بشاي انه اطلق اعيرة نارية في الهواء علي رؤوس المتظاهرين من مسدس مرخص له بحمله، فتوجه بعض المتظاهرين الي مسكن هذا الشخص والي اماكن اخري للاقباط وقاموا بوضع النار فيها واتلافها دون ان تقع اصابات.وهذا التوصيف للحادث وملابساته يفيد ان الحقائق ظاهرة للعيان ولا تنقصهم معلومات ولا حقائق تحتاج لتقص، بما يثير تساؤلا حول الهدف الذي دفع الرئيس السادات وهو رئيس السلطة التنفيذية الي اصدار قرار بتشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق حول الحادث؟ هل كان لتعزيز دور البرلمان؟ ام لامتصاص الغضب الناتج عن التعصب الطائفي من كلا الطرفين؟ ام انه كانت بالفعل رغبة حقيقية لدي رأس الدولة الرئيس المؤمن لان تتضافر جهود السلطة التنفيذية و السلطة التشريعية والمجتمع بأكمله، للوصول لروشتة علاج حقيقية لمشكلة النزاعات الطائفية المتكررة؟ ام ان هناك دافعا آخر خلاف ذلك؟واذا افترضنا ان قرار تشكيل اللجنة كان بهدف الوصول لروشتة علاج جذرية للنزاعات الطائفية، فلماذا لم يتم تنفيذ توصيات اللجنة المشخصة للداء حتي الآن علي الرغم من انها توصيات لا تزعزع الأنظمة، بل تثبت اقدامها علي ارضية وطنية راسخة؟!واعتقد ان هذه الوثيقة كشفت في اشارة عابرة، عن احد الاسباب الرئيسية لعدم الجدية في تنفيذ توصياتها التي سترد في ختام الوثيقة، حيث كان مصدر الخوف الرئيسي لدي اللجنة، ان يكون هذا النزاع الطائفي مصطنعا ومغرضا يقف من ورائه العدو الصهيوني والاستعمار العالمي ، لكن تقصي الحقائق كشف من خلال التوصيات ان الفاعل الحقيقي لمناخ الاحتقان الطائفي هو الداخل ، وليس العدو الصهيوني او الاستعمار العالمي ، وانه لولا اخطاء الداخل لانتفي احتمال تهديد العدو للوحدة الوطنية.واذا كان يصعب علي المريض تناول دواء يتشكك في ان من يقدمه له يريد قتله لا علاجه، فانه يصعب تنفيذ توصيات لجنة العطيفي قبل اعتراف الدولة بكل سلطاتها بالمرض/ الاحتقان الطائفي، اعترافا يوجب الكف عن استمرار التعامل مع ملف النزاعات الطائفية بعقلية امنية بحتة، تحركها النظرية التآمرية في التشخيص، والمساواة في القمع لجميع الاطراف اسلوبا وحيدا للعلاج.فقد ارجعت لجنة العطيفي أغلب حوادث النزاع الطائفي الي اقامة بعض الكنائس بدون ترخيص وتصدي الادارة او بعض الأهالي للقائمين عليها، مشيرة الي ان هذه الكنائس لا تعدو ان تكون غرفة او ساحة صغيرة بغير اجراس او اقباب. الأمر الذي دفعها الي ان توصي باعادة النظر في نظام التراخيص بغية تبسيط اجراءاته، علي ان تتقدم البطركخانة بخطتها السنوية لاقامة الكنائس لتدرسها الجهات المختصة دفعة واحدة، بدلا من ان تترك للمبادرة الفردية للجمعيات او الاشخاص ودون تخطيط علمي سليم.ومع ذلك وبعد مرور حوالي 35 سنة علي تلك التوصية، لم يتم الا مؤخرا جدا، تعديل طفيف يتعلق بنقل سلطة اصدار ترخيص انشاء او ترميم الكنائس من رئيس الجمهورية الي المحافظ، دون حل جذري للمشكلة حسب ما اقترحت اللجنة البرلمانية.وكانت لجنة العطيفي قد لاحظت كثرة المساجد والزوايا التي لا تخضع لاشراف وزارة الاوقاف، كما لاحظت ان تلك المساجد والزوايا تساعد فيما تنشره من دروس وارشاد وخطب علي شحن العاطفة الدينية ضد الاقباط، مما يجعل هذه المساجد والزوايا بؤر احتقان طائفي علي استعداد للتفجر بمجرد ان تسنح الفرصة للتعبير عنه في اي حادث، ليأخذ البعد الطائفي.الأمر الذي دفعها الي ان توصي بوضع نظام للاشراف علي هذه المساجد بحيث يكفل تحقيق الاغراض العليا من التعليم الديني العام وتوجيه النشء وحمايتهم من كل تفكير دخيل. مثلما هو الحال في اشراف ومسؤولية البطريركية عن المواعظ التي يلقيها اي واعظ في اي كنيسة، بحيث يمكن مراجعتها عند حدوث اي تجاوز. وعلي الرغم من التوسع في ضم العديد من المساجد الي وزارة الاوقاف، الأمر الذي من المفترض ان يجعلها مسؤولة عما يلقيه كل خطيب من مواعظ وخطب داخل مساجدها، الا انه من المؤسف ان هذا الضم للاوقاف لم يمنع عملية الشحن الطائفي، خاصة مع انتشار خطاب وعظي علي ارصفة المساجد اكثر خطورة من الخطاب الذي يتم مراقبته علي المنابر مراقبة امنية بحتة في شكل عربات شرطة تتراص امام المساجد في صلاة الجمع او العيدين. هذا بخلاف ما يمكن ان يترتب من شحن طائفي من جراء تكفير الاقباط من قبل رمز ديني كبير مثل الشيخ متولي الشعراوي (انظر مجلة آخر ساعة 18 نيسان/ابريل 1990).وقد لاحظت لجنة العطيفي ايضا الدور الذي لعبته الجمعيات الاسلامية والمسيحية علي السواء في خلق حالة الاحتقان الطائفي نتيجة ممارساتها التبشيرية، وهو ما اعتبرته اللجنة تبشيرا لا يجوز داخل الوطن الواحد، ومن ثم، دعت الي تقليل عدد هذه الجمعيات عن طريق الدمج، واحكام اشراف وزارة الشؤون الاجتماعية عليها، لا سيما انها تتلقي من الدولة دعما ماليا، توجهه قيادات هذه الجمعيات لخلق مناخ طائفي، وكأن الدولة تدعم ماليا من يهدد ما تدعو الي الحفاظ عليه من وحدة وطنية. وبغض النظر عن مفارقة منع التبشير الداخلي وجواز التبشير الخارجي، الذي اشارت اليه اللجنة، فان الانتباه لدور هذه الجمعيات السلبي في النزاعات الطائفية لم يستطع ان يحرك ساكن اي مؤسسة من مؤسسات الدولة بخلاف المؤسسة الامنية، والانتباه الي خطورة ان تنوب جمعيات خيرية اسلامية او مسيحية عن الدولة في القيام بخدمات اساسية للمواطنين، الأمر الذي جعلهم علي قناعة بأن الدولة قد تخلت عنهم، فتحول ولاؤهم في الغالب لهذه الجمعيات، وهو ما تعبر عنه نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة حيث حصد الاخوان المسلمون 88 مقعدا اي ما يقرب من ثلث مقاعد مجلس الشعب، رغم انها جماعة محظورة أمنيا/قانونيا .وكانت لجنة العطيفي قد لفتت الانتباه ايضا الي خطورة ما تحتويه الكثير من الكتب الدينية من افكار فيها ازدراء واضح للآخر الديني (المسلم او المسيحي)، وانها مليئة بالاخطاء التي لا غرض من ورائها سوي التشويه، هذا علي الرغم من وجود نصوص قانونية تمنع مثل هذه المطبوعات التي تأتي من الخارج من دخول البلاد، فضلا عن منع تداول مثل تلك المطبوعات اذا كانت من انتاج الداخل . وبحس عال احتاطت في توصيتها بوضع نظام محكم وفعال ومستنير لرقابة الكتب الدينية بسعة افق، من ان تتحول تلك الرقابة لتصبح سلاحا يشهر في وجه حرية البحث العلمي، وهو ما حدث بالفعل حيث تطبق الرقابة بصرامة علي كتب الابداع الادبي والدراسات الاكاديمية والبحوث العلمية، بينما لا رقابة علي الاطلاق علي شرائط وكتب تملأ السوق المصري وتجعله متخما بنزعات الجمود والتعصب الديني والطائفية.ان النتيجة الطبيعية لتجاهل مثل هذه التوصيات منذ اكثر من ثلاثين عاما هو ان اصبح لنا تاريخ طويل من الحوادث الطائفية، نحتاج الآن الي التمعن فيه قبل ان نضيف لتوصيات لجنة العطيفي توصيات جديدة لن يكون لها محل من الاعراب لثلاثين سنة اخري. خاصة ان التوصيات التي قدمتها لجنة العطيفي لعلاج مشكلة النزاع الطائفي، كانت في سياق تاريخي مختلف عما نحن فيه الآن، وبالتالي كان المنحي لهذه التوصيات هو منحي تقييد بعض الحريات لاحكام السيطرة والرقابة علي اسباب اشتعال النزاعات الطائفية، والتطبيق الصارم للقانون وكل آليات ضبط المجال الاجتماعي دون محاباة لأحد طرفي النزاع، سواء كان ذلك بتقييد انشاء الجمعيات، او الرقابة علي المطبوعات، او الرقابة علي دور العبادة، ومع ذلك لم ينجح نظام السادات ولا نظام مبارك في تنفيذ التوصيات المنطلقة من منحي التقييد والضبط واحكام السيطرة لتقصير منها في التنفيذ او لرغبة الارادة السياسية في ابقاء ملف النزاع الطائفي مجالا للعب بأوراقه داخليا لتكون المؤسسة الامنية نقطة تقاطع مصالح طرفي النزاع. فما بالنا لو انطلقنا من منحي مختلف يتطلبه السباق التاريخي الراهن في تحديد ما ينبغي فعله لعلاج اسباب الاحتقان الطائفي؟ تري هل من حقنا ان نحلم بأن تتبني الدولة بعد ثلاثين سنة اخري التوصيات التي يمكن ان تفرزها الرؤية لمشكلة النزاعات الطائفية من ذلك المنحي المختلف؟!واعني بهذا المنحي المختلف منحي الاصلاح الثقافي للمجتمع المستند الي اسس حقوقية، حيث المساواة، والمواطنة، وبالتالي المشاركة السياسية، وما يتطلبه ذلك من اصلاح مناهج التعليم لتكون في خدمة المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات لا في خدمة الطائفية الدينية، وان يكون احترام المختلف دينيا لا ترويعه او حتي التسامح معه علي مضض، هو الهدف الذي تسعي الي تحقيقه المؤسسات الدينية والاعلامية والتعليمية المختلفة، وان لا يكون هناك قيد علي حرية الرأي والتعبير والاعتقاد، وان تصون الدولة الحريات الاكاديمية وحرية البحث العلمي بما فيها حرية البحث في المسكوت عنه كالنزاعات الطائفية، وان لا يكون هناك احتكار للسلطة او تحالف بين الاستبداد والفساد، والا يجعل النظام الحاكم من الفوضي والنزاعات الطائفية بديلا وحيدا عنه في حال غيابه لأي سبب. وان تتبني الدولة عن حق مشروعا تنويريا تصيغ منه رسائلها الاعلامية والتعليمية في محاولة للتخفيف من وطأة المشاريع الاصولية القائمة علي مرجعيات دينية ترسخ التعصب الديني. وان يكف النظام الحاكم عن تربية المتعصبين المتشددين دينيا في مدارس الدولة ومؤسساتها المختلفة ليخرجهم فزاعة في وجه معارضيه المطالبين بالاصلاحات السياسية. ان هذه الينبغيات سوف تبقي كما هي معلقة في الهواء لن تلامس ارض الواقع ما لم نتعلم الــدرس من وثيقة لجنة العطيفي وهو ان نعيد النظر في التــعويل علي الدولة النظام الحاكم المحتكر للدولة، في القيام بما ينبغي القيام به منذ ثلاثين عاما واكثر.ہ باحث ومدير تحرير رواق عربي ـ مصر8