لو كنت في دير الحطب

حجم الخط
0

خليل قانصو

لوكنت في دير الحطب لطرحت علي نفسي السؤال: كيف اُقاوم العطش؟ يعرف المستعمِر انه جلب العطش، وانه استولي علي الارض التي تتطعم. وهذا لا يؤرقه ولا يشعره بوخز الضمير، لانني في منظوره في منزلة دون منزلة الانسان، منزلة هي اقرب الي الحيوان المتوحش، ارهابي يحتقر الانسانية عندما يعرّض نفسه للقتل في حروب ضدنا.. وانا ايضا اعرف انه بربري، وانه عنصري ومفترس، واعرف انه قوي مدجج بالسلاح الفتاك. وبالتالي لا يتوجب علي الاستسلام الي الوهم كي استجدي الماء منه لي ولاطفالي. اذ لا فائدة من ذلك، فهو يعلم ما يفعل. يتقبّل وجودي طالما هو غير محتاج لمكاني ولأرضي ولعين الماء التي ارتوي منها. ولكنه سوف يُجبرني علي التراجع وعلي الرحيل متي اراد.. كيف اقاوم العطش اذاً لو كنت في دير الحطب، قبل فوات الاوان؟.. اعتقد انني ابدأ بجولة علي بيوت القرية، استطلع رأي قاطنيها عن الخطر الذي يحدق بنا وعن الوسائل التي نملكها لردعه او للتخفيف من آثاره، ثم ألح علي ضرورة تحركنا الجمعوي لمواجهة مشكلة الماء. بعد ذلك ادعو اهالي دير الحطب الي اجتماع عام، لكي نقرر معاً خطة نلتزم بها من اجل مقاومة العطش، مع الأخذ بالحسبان اننا نعيش تحت سلطة المستعمِرين. يترتب عليه ضرورة الاتحاد والاندماج، بمعني انه يتوجب علي اهالي دير الحطب ان يتماسكوا في ما بينهم، وان يشكلوا جسما واحدا، بحيث يكون بمقدور كل فرد منهم ملء الفراغ الذي يخلّفه غياب رفيق انتزعه المحتلون واقتادوه الي اقبيتهم. فقيادة المستعمَرين تكون في كل مكان، مختبئة في كل فرد مقاوم. ولهذا السبب يقدم المستعمِر علي سجن شعب بأكمله وعلي تجويعه وتعطيشه.. وكواحد من ابناء دير الحطب، احمل الي الاجتماع العام افكارا ضد العطش، راجيا ان ان يفعل الآخرون ذات الشيء. فالمنهج الملائم يكون نتيجة للتوفيق بين الافكار المطروحة، بشرط الافساح بالمجال امام التعبير الحر، اضافة الي الاهتمام بكل فكرة والي شكر وتقدير كل من يحاول ويجتهد ويقدّم مقترحا او رأيا. علما بان الاوضاع هي التي تملي طرائق تدبّرها، فتتبدل هذه ان تبدّلت تلك. فأقول لأبناء قريتي دير الحطب ان الوسائل المتاحة لنا لمقاومة العطش، هي قليلة وبطيئة الفعل، لاننا ضعفاء وسلاح الضعفاء هو الوقت والعدد والصبر علي الألم. ولكن اذا لم نقاوم فاننا سنموت عطشا او ننزح. ادعوهم الي مظاهرة صباحية، يومية بعد تناول الافطار وقبل ذهاب التلامذة الي المدرسة والفلاحين الي ما تبقي من حقول. نجتمع كلنا في ساحة القرية نندد بلا اخلاقية الذين يلوّثون مياهنا، وبانحطاطها وبخطرهم علي الانسانية. من المفيد ان نهتف كي نسمع انفسنا، ومن المفيد ايضا ان نرفع اللافتات نكتب عليها عناوين وشعارات نقرؤها ونرددها. ان وصف ما يقوم به المستعمِرون يمنحنا الشجاعة والثقة بالنفس وشرف المقاومة. واطلب منهم التوقيع علي عريضة نبعث بها الي الامين العام للامم المتحدة والي جميع الحكومات، لا سيما الاوروبية الغربية منها، نعلمهم: نحن سكان قرية دير الحطب شرقي مدينة نابلس، نشرب منذ مئات السنين من نبع روماني محفور في الجبل.. الي ان جاء مستعمِرون من بلاد الغرب، فظنوا اننا لسنا من بني الانسان.. استولوا علي مياهنا، وافرغوا علي قريتنا مياها ملوثة باوساخهم وببولهم.. ولا مضرة من ارسال هذه العريضة ايضا الي الحكومات العربية الصديقة للولايات المتحدة.

ولا بد من الاتصال بالمنظمات الانسانية وبتلك التي تراقب انتهاكات حقوق الانسان في هذا العالم، لتوجيه الدعوة لها لزيارة دير الحطب. هكذا يمكنهم تفقد الماسورة التي كُسرت وفُصلت اطرافها بواسطة بركة السباحة في هذا الصيف الحار. فممثلو هذه المنظمات هم اناس في نظر المستعمِرين.. ينجم عنه انهم قد ينجحون باقناع المستوطنين الاسرائيليين بان في دير الحطب رجالا ونساء واطفالا مثلهم. هذا كل ما نستطيع فعله من وجهة نظري في دير الحطب. ولكن المستعمِرين ليسوا كل العرب وليسوا كل العالم.. كثيرون هم الذين سوف يشعرون بواجب الوقوف الي جانبنا في مقاومة العطش، اذا ما بلغتهم رسالتنا اليهم.. فالمستعمِرون فرضوا علي الشعوب حروبا رهيبة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية