لو نظم المونديال في المغرب؟
محمد نبيل سؤال طرحته وأنا أتابع بشكل يومي منافسات كأس العالم المنظمة هذا العام بألمانيا ولكن ليس كأحد المهتمين بكرة القدم بل كعاشق للكرة وملاحظ عن قرب لمجريات الأجواء الاجتماعية لهذا الملتقي الرياضي الكبير ـ هنا الملاحظة بمعناها السوسيولوجي ـ فكل المنافسات لا تتم حقيقة علي أرضية الملاعب فقط بقدر ما تجري كذلك داخل الفضاءات الاجتماعية المختلفة.والسؤال الذي طرحته له مبرران أساسيان: المبرر الأول يتجسد في كون الحكام المغاربة سبق وأن بادروا إلي ترشيح المغرب من أجل تنظيم كاس العالم لأسباب لا تهمني في هذا المقال. المبرر الثاني يهم الفلسفة التي تتحكم في تنظيم المونديال وتدبير أجوائه عند الألمان.وللإجابة علي سؤالي الساخر سأركز علي أربعة محاور أساسية: ـ هنا السخرية بمعني النقد، العلاج والبناء الاجتماعي ـفي سؤال الديموقراطية:وأنا أتجول بين أزقة وشوارع العاصمة برلين أحاول أن أفهم مجريات تنظيم المونديال وسبر أغوار مظاهر هذا الملتقي العالمي علي المستوي الاجتماعي. وقد اتضح لي جليا كيف تتجذر الديموقراطية في المجتمع الألماني، ليس علي مستوي نظام الدولة والمؤسسات وحقوق الإنسان فقط بل كذلك علي مستوي العقلية والسلوك، أي هناك ثقافة تؤكد مثلا علي تنظيف المكان واحترام قدسيته والتسامح وإبداء الرأي والسماح للآخرين بالكلام دون ترهيب أو إكراه. ولذلك قادني فضولي إلي حضور المقابلات في أماكن عمومية وخاصة لأعاين بعدها كيف أن عقلية الألماني تعكس تاريخه الفكري والفلسفي والسياسي السعيد والحزين. هذا التراكم وضعني أمام صورة حية عن المواطن الديموقراطي، إذ لم أسجل حالات عنف أو سب أو قذف أو اعتداء علي امرأة أو تحرش جنسي صادر عن رجل ألماني. لم أر إلا العديد من الشباب والشيوخ يزورون الملاعب في نظام وانتظام، يحترمون ضوابط التنظيم والإجراءات الأمنية الضرورية التي تتم في هدوء، بل أكثر من ذلك لم أر الألمان يرمون القنينات الزجاجية في الشوارع بعد تناول مشروباتهم بل يدخلون الأماكن العمومية والملاعب الرياضية حاملين قنينات بلاستيكية حفاظا علي الأمن العام. فالنظام الاجتماعي يفرض علي المواطن الحفاظ علي البيئة أساسا، والألمان يحترمون أكثر من غيرهم المحيط وهذا لا تفرضه القوانين فحسب بل تؤسسه عقلية يري فيها الألماني أن الطبيعة جوهر مقدس وهو جزء منها. وبكل صدق نجد أن المنافسات التي تجري خارج الملاعب تغري الزائر وتعري عن حقيقة الاستعداد الكبير الذي دفع بأحد المسؤولين الألمان إلي القول بعد إعلان ألمانيا كبلد منظم للمونديال 2006 إننا مستعدون في أي وقت، وكل شيء جاهز لتنظيم المنافسات. تري هل يستطيع أي مسؤول مغربي أن يقرر في مصير شعب برمته ويقدم جوابا مقنعا للآخرين؟ هل يعرف المسؤولون المغاربة ما يحتاجه المواطنون حتي يرشحوا المغرب لتنظيم كأس العالم؟أصحاب هذه الجرأة المغربية الفريدة لم يطرحوا أسئلة حول أي مواطن مغربي سيشارك في إنجاح تظاهرة رياضية دولية من حجم المونديال؟ هل نجحت الحكومة ومن يدور في فلكها في إنجاح المواسم والحفلات المحلية حتي تطالب بتنظيم المونديال؟ الديموقراطية الألمانية تقدم الدرس كل يوم لضيوفها وتقول بلسان حالها: إن الممارسة الديموقراطية هي فعل ثقافي وسلوك اجتماعي وعقلية مؤهلة وليست شعارا يرفع في المناسبات المفبركة والانتخابات المزورة. فكيف ينظم المونديال في المغرب والبلاد لم تعرف انتخابات نزيهة وديموقراطية منذ عهد الاستقلال؟ هل المواطن المغربي مؤهل لمجابهة التحديات الدولية الحالية واستضافة الضيوف وهو ما زال يحس بعقدة النقص في علاقته بالآخر سواء كان داخل الوطن ـ وأعني هنا الصراع الطبقي المتعفن ـ وخارجه ـ وأعني هنا ضيوف المونديال وخاصة القادمين من البلدان المتقدمة؟ كيف ينظم المونديال وأغلب المغاربة يوجدون تحت عتبة الفقر؟سؤال الذاكرة المونديال المنظم بأرض الفلاسفة كان فرصة أمام الألمان قصد تسويق صورة معينة عن تاريخهم العريق من خلال استنطاق وتخليد أسماء أنجبها هذا الشعب طيلة عقود من الزمن. ولذلك، قام المنظمون بوضع أشكال ورسومات فنية منحوتة وسط برلين، وعلي سبيل المثال لا الحصر ذلك الركام من الكتب الجميلة التي تتوسط العاصمة والتي كتب عليها أسماء أغلب العلماء والفلاسفة والشعراء الألمان أمثال غوته، شيلر، بريشت هيسه وغيرهم. فكيف ينظم المونديال بالمغرب والذاكرة المغربية تغتصب في واضحة النهار بل أكثر من ذلك تنزل آلة القمع علي رقاب المطالبين بالحفاظ عليها كما حدث يوم الجمعة 21 نيسان/ أبريل 2006 حيث قام رجال الأمن بقمع وقفة سلمية دعت إليها الهيئة الوطنية لحماية المال العام والجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالرباط أمام قصبة الوداية احتجاجا علي الترامي علي الملك العمومي بهذه القصبة، كما قاموا بالاعتداء علي كل من الدكتور المهدي المنجرة والعديد من النشطاء الحقوقيين؟ الذاكرة الألمانية حية ولا تخضع لمنطق المناسبات الضيق، وتشهد عليها أسماء المفكرين والفنانين والعلماء التي تلتصق بشوارع برلين الجميلة وهي تنطق كل يوم بتاريخ روزا لوكسمبورغ، كارل ماركس، هيغل، كانط، شيلر، غوته واللائحة طويلة. الألمان لا يقدرون علي زرع الورد في الطريق المعبدة من أجل تلميع وجه متجاوز وغير حقيقي. فالورد بألمانيا تخلقه الطبيعة بعناية بشرية يكتشفها الزائر في الحدائق والبساتين، دون نسيان المقابر التي تزينها أشكال مصففة بعناية للراحلين والزائرين. الألمان اغتنموا مناسبة المونديال من أجل إبراز الهوية الألمانية، ولأول مرة يلاحظ المحللون والمتتبعون عودة الألمان إلي الاعتزاز بانتمائهم الوطني، بالمقابل، كيف سيكون حال الضيوف في بلد ضاعت فيه الهوية وحرم المواطن من تسجيل أسماء يختارها لأبنائه ـ علي سبيل المثال لا الحصر الأسماء الأمازيغية ـ؟ فبعيدا عن لغة الدعاية المعروفة وسياسة ذر الرماد في العيون نقول: إن الانتماء لا ينفصل عن الكرامة والمواطنة.السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في بلد رشحه حكامه وليس محكوميه لتنظيم المونديال: كيف سينظم المونديال في بلد يضرب فيه المفكر وتعتقل خيرة أطره العلمية التي تلجأ إلي الانتحار حرقا أمام الملأ كما وقع بالعاصمة الرباط، بل تشوه فيه الثقافة حتي صارت هذه الأخيرة مجرد ديكور ساقط ينسجم مع ما أقره المخزن طيلة عقود والذي تختزله عبارة ذائعة الصيت عند المغاربة: كولو العام زين.فهل الثقافة الألمانية يوجهها المخزن حتي تخدم مصالحه؟ الثقافة تنبثق من التربة المحلية الخصبة للمجتمعات ولا تأتي من الخارج. تري كيف ينظم المونديال في بلد خسر معركة الاستقلال علي جل المستويات؟سؤال التنظيم من المعروف أن الألمان هم سادة التنظيم والوقت، فهذا البلد المعروف بتراثه الفلسفي والعلمي والتاريخي يستقبل حاليا مليون ونصف المليون من الزوار بدون خجل. فالعقلية الألمانية مضبوطة وبراغماتية، تفكر في مصلحة الوطن بعيدا عن الحسابات الداخلية التي تظل في المرتبة الثانية. وفي هذا السياق، طالبت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل من أعضاء الحكومة حضور كل مقابلات المنافسات حتي يتسني لهم استقبال كل الضيوف وممثلي البلدان التي تشارك فرقها في المنافسات. القرار احترم بالرغم من بعض الانتقادات القليلة الموجهة إليه ما دامت المصلحة العليا للبلاد تظل فوق كل اعتبار. فالتنظيم والتنسيق مترسخ في المجتمع الألماني بما فيه الكفاية. فهل نجاح المونديال يتأتي في بلد لا يعرف فيه الوزير ما يفعله زميله بل لا يستطيع اتخاذ قرار معين بدون استشارة أولي الأمر؟ وفي هذا السياق، أسرد نكتة مغربية حكــــــاها لي أحد الفنانين بالمغرب وتجسد واقع الحال، ومفادها أن الوزير المغربي لا يقدر أن يسعل أثناء انعقاد المجلس الحكومي لذلك يذهب إلي المرحاض ويقضي غرضه البيولوجي ثم يعود! تنظيم المونديال يفترض عقلية غير موجودة في بلد تجرأ حكامه علي الترشـــح بدون تردد، ضاربين عرض الحائط كل مقومات فلسفة التنظيم وعلي رأسها بناء بلد ديموقراطي يحترم فيه المواطن بالدرجة الأولي.سؤال الضحك مرة أخري!وعودة بسيطة إلي سؤال الضحك ودلالته الاجتماعية، لا بد من الإشارة إلي أن ألمانيا بلد يضحك فيه المنظمون ورجال الأمن وكل من يسهر علي تسهيل مأمورية الزوار وعشاق الكرة. إنها فلسفة الضحك بامتياز، وهذا ليس بغريب علي وطن أنجب ماركس وهيجل وكانط واينشتاين وغيرهم. لكن الأغرب في الأمور هو كيف للحكام المغاربة أن يطالبوا بتنظيم كأس العالم في الوقت الذي ما زالوا فيه يضحكون علي المواطنين ويستغلون سذاجتهم من خلال السيناريوهات المختلفة والتي تؤكد أن مساحة الألف ميل ما زالت بعيدة حتي عن نقطة البداية في مغرب أنجب عبد الكريم الخطابي، بن بركة، الوزاني، علال الفاسي، الزرقطوني وغيرهم.الواقع الحالي، هنا وهناك، ونسبية الأمور تقتضي القول: الكرة جميلة لكن الأجمل هو أن يشاهدها عشاقها بألمانيا…!ہ صحافي من المغرب يقيم بألمانيا[email protected] 8