الناصرة-»القدس العربي»: طالما شكلت «سيدة السفوح» شجرة الزيتون، مصدرا أساسيا في ملحمة بقاء الفلسطينيين بثمارها وزيتها وخشبها وبدلالتها المشحونة خاصة التجذر في الأرض عميقا، حتى صاروا يشبهونها بلونهم وظروف معيشتهم ومصيرها من مصيرهم. من أجل كسر إرادة الفلسطينيين وإخضاعهم، لم تقتصر جرائم الاحتلال على قتل البشر بل طالت الحجر والشجر، وتعتبر الزيتون الشجرة الأكثر استهدافا. وقد كشفت منظمات حقوقية إسرائيلية أيضا في الأسبوع الأخير عن قطع آلاف أشجار الزيتون في القدس ومنطقتها وعن آلاف أخرى تنتظر ذات المصير بدعوى البناء والتطوير. كذلك كشفت لجنة الاغاثة الزراعية في الأراضي المحتلة تباعا عن تفاصيل مذهلة عن حجم الخسائر والأضرار المادية الناجمة عن إمعان إسرائيل في ضرب المرافق الزراعية لتجويع الفلسطينيين تمهيدا لتطويعهم وفرض املاءاتها السياسية عليهم. وتتمثل كبرى جرائم الاحتلال الاقتصادية في قيامها بتجريف مئات آلاف من شجرة زيتون منذ عام 2000 طبقا لـ»الحركة التعاونية بين المزارعين». واليوم لم يعد سرا ان تجارا يهود يقومون بعرض ما يقتلع من أشجار زيتون تاريخية (رومية) في أسواق تل أبيب لبيعها بـ 1000 دولار على الأقل كشجرة زينة في حدائق الإسرائيليين. ويوضح الناشط الفلسطيني الأهلي المخضرم جمال جمعة لـ «القدس العربي» ان بناء جدار الفصل العنصري لوحده انطوى على جرائم اقتلاع آلاف من الشجرة المباركة لافتا إلى وجود 10584000 شجرة زيتون في فلسطين المحتلة عام 67 وإلى قيام المالكين بزراعة 2000 إلى 3000 دونم بأغراس الزيتون في كل سنة. كما أفصح ان هناك نحو 70000 أسرة تشارك في إنتاج الزيت والزيتون حيث يتم إنتاج 35000 طن من الزيت في «السنة الماسية» (السنة التي تتبارك بموسم جيد) و7000 إلى 10000 طن في السنة الشلتونية (السنة ذات الموسم الضعيف).
وأمام مشاهد تجريف وخلع أشجار الزيتون المتكررة في كل يوم تتمزق نياط قلوب الفلاحين الفلسطينيين لكون هذه الشجرة «أم الفقراء» كما قال في حديث سابق لـ «القدس العربي» الشيخ رضوان سعيد صاحب مشتل وفلاح عاشق للزيتون والذي عدد امتيازاتها في إعانة الناس على البقاء وتوفير الحاجات الأساسية للحياة لافتا إلى اعتماد عشرات آلاف الأسر في معيشتهم على منتوجها واستخدام العامة لزيتها في غعداد معظم المأكولات الفلسطينية وامدادهم بخشب التدفئة لمواجهة البرد القارس واستخراجهم التحف الفنية التي يتهافت عليها السائحون أثناء زيارتهم للبلاد. ونوه الحاج سعيد وهو من عشاق الزيتون إلى ان هذه الشجرة تمتاز أيضا بقدرتها على تحمل العطش وانها خلافا لكل الأشجار لا ترمي ثمرها إذا ما عطشت معتمدة على مخزون الرطوبة في جذعها.
الجناين جنون والفلاحة
فنون وما ملك إلا الزيتون
هذا علاوة على كون الزيتون شجرة مباركة ورد ذكرها في كافة الكتب المقدسة. وفي فلسطين التي تخلو من البترول ومناجم الحديد والذهب اهتم السكان منذ الازل بزراعة الأراضي بكروم الزيتون ورعايتها بما يعادل عناية الأب لأبنائه. فتجد في مختلف بقاعها أشجار الزيتون «الرومي» التي تعود جذورها إلى أيام الرومان قبل نحو ألفي عام. وبالنسبة للفلسطينيين في الأرياف تعتبر الزيتونة أهم ما في الوجود ومن ملكها فقد بات مالكا ملاكا، إذ يقول المثل الشعبي في فلسطين «الجناين جنون والفلاحة فنون وما ملك إلا الزيتون». وينعكس حب الفلاح الفلسطيني لهذه الشجرة في قصائد شعرائه وفي روائع أمثاله وأغانيه وأهازيجه الشعبية بما يميزها عن بقية الشجر. وتتوزع أثمار الزيتون بين أربعة وعشرين نوعا تختلف عن بعضها البعض من ناحية نسب الزيت في كل منها، وأبرزها الصوري والرومي، ذيل الأرنب، الذكري شنطا، كلاماتا، طورسيناء، النبالى والمنزالينو، والأخير معد للطعام لا للزيت إضافة إلى أصناف برية أخرى.
أمسينا ملاكين فأصبحنا محرومين
طمعا بإيلام الفلسطينيين وضرب صمودهم، يقوم الاحتلال بشكل منهجي في إعدام أشجار الزيتون وإطلاق أيادي المستوطنين التي تزرع الموت والدمار والتخريب في الأراضي الفلسطينية. الشاب رامي بكر(30 عاما) من قرية كفر صور في محافظة طول كرم روى ما واجهته أسرته بكثير من الأسى والحرقة: «تخيل كيف يمكن ان تمسي عائلة ميسورة الحال ومالكة 1800 شجرة وتصبح مجردة من ممتلكاتها فقيرة بسبب هذا الجدار الإجرامي الذي فصل بيننا وبينها». وتابع «لم نتمكن من قطف أكثر من نصف الأثمار نتيجة مماطلات وأكاذيب الجنود. كان والدي وأشقاؤه الثلاثة وأسرهم يعتاشون من فرع الزيتون والحمضيات والزعتر، لكن الجدار أنزل الكوارث على رؤوسنا جميعا ولا ندري لمن نشكو أمرنا. في الصيف الأخير أضرم المستوطنون النار في بياراتنا وكرومنا مما أدى إلى احتراق مئات الأشجار. وبعد ان تسللت إلى أرضنا وقمت بتصوير مشاهد الحريق كاد ان يصاب أبي بالنوبة القلبية لحظة مشاهدته الصور المروعة للكروم المتفحمة التي كرس فيها دماء قلبه صيف شتاء يوما تلو اليوم. طيلة الأيام لم يكن بمقدور جندب ان يدخل أرضنا فكيف يخطر في بالنا ان تتحول يوما إلى طريق عام أو إلى مشاع. فماذا نفعل؟».
«عبادة الزيتون» في فلسطين
الحاجة سميحة دهشان، أم عمار، من بلدة فرعون لا تتوقف عن الشكوى هي الأخرى كلما تفتح عينيها كل صباح وترى الجدار الفاصل لانه يذكرها بالأرض العزيزة على قلبها. 20 دونما من الزيتون ورثتها من والدها والتي التهمتها جرافات الاحتلال واقيم عليها الجدارالعنصري الذي تسميه «جدار النقمة». بانفعال شديد زادت أم عمار: «اشتاق لهذه الأرض اشتياقي لابني المطارد. ففيها أرى أبي وأمي اللذين توفيا قبل سنوات. يوم عيد الأضحى الأخير وقفت مقابل الجدار باكية حتى تبلل منديلي بالدموع وانا استذكر والدي، فالأرض تذكرني دوما بأيام الصبا والطفولة يوم كنت وشقيقاتي أرافق والدي إلى الحقول والكروم لنلهو ونلتقط البقول والنباتات ونساعد الأسرة في أعمالها. ولكن شو طالع بايدي وشو أعمل النار في قلبي مشتعلة ليل نهار فلمن أذهب ولمن أشكو همي؟ أتمنى ان يسمع الرؤساء العرب عنا».
وتابعت أم عمار شكواها بصوت متهدج والكلمات تكاد تختنق في حنجرتها: «ليس هذا فحسب فقد أغلق الجدار على أرض زوجي، 90 دونما مزروعة هي الأخرى بالزيتون منذ عشرات السنين، ولم يعد بامكاننا ان نصل إلى هناك إلا بتصريح يمنه الاحتلال على بعضنا متى ووقت ما يشاء. واليوم نعيش بصعوبة في وجه الفقر فاحيأنا لا يدخل علينا قرش واحد ولولا الماعز التي نملكها لقضى علينا الجوع. الله يجور عليهم هم لا يفهمون أننا نعبد شجرة الزيتون عبادة كاملة فهي أمنا وأبونا وعمد حياتنا كله متوقف عليها؟» ختمت أم عمار وهي لا تتوقف بالدعوة ضد الظالمين.
عندما يقسم الله بالزيتون
وتستمد شجرة الزيتون شعبيتها في فلسطين وفي المشرق عامة باعتبارها مقدسة بعد ان اختار الله ان يقسم بها بقوله تعالى في سورة «التين»: «والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين». كما ان ذكر الزيتون ورد في آيات قرآنية أخرى أهمها ما جاء في سورة النور: «… يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيىء ولو لم تمسسه نار ..» وضمن إشارته لنعم الجنة اختار الله أيضا ان يذكر هذه الشجرة في سورة الانعام: «وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشبه».
في الشعر والأمثال الشعبية
أما التراث الشعبي الفلسطيني فغني جدا بالأمثال والحكم المرتبطة بشجرة الزيتون بما يفوق الأحاديث عن كافة أنواع الأشجار مجتمعة. ومن أبرز هذه الأمثال:
خبزي وزيتي عمارة بيتي
الطحين والزيت سبعين في البيت
القمح والزيت أسدين في البيت
كنو ما عندك لبنة وما عندك زيت لقيني عن قصيرو خربان البيت
إذا عندي طحين وزيت صفقت وغنيت
ما حدا بقول عن زيته عكر
خبز وزيتون أفضل الماكول
نهار الزيت أصبحت أمسيت
كل زيت وناطح الحيط
حط الزيت في اجراره تايجيه اسعاره
فلان بطوش مثل ما بطوش الزيت على المية
الزيت عمود البيت
مثل اللي بطفي النار بالزيت.
كذلك نسجت الأناشيد والأهازيج الشعبية عن الزيت والزيتون في فلسطين منها تلك التي تغنى على وزن «على دلعونا»:
على دلعونا وعلى دلعونا
زيتون بلادي أجمل ما يكونا
زيتون بلادي واللوز الأخضر
والمرامية العلث والزعتر
وأقراص العجة لما بتتحمر
ما اطيب طعمتها بزيت الزيتونا»
ويكاد شاعر الزجل في فلسطين سعود الأسدي يطير طربا وهو يتغزل بالزيتونة وكانها ست الصبايا في قصيدة «زيتونتي» وفيها يقول:
زيتونتي يا مظللة تراب الجدود يا موشحة بالعز في عرق الجبل
يا خفقة الموال ع شفاف الخلود يا حلم اشواق العذارى للقبل
يا بسمة الاطفال في ليل الوعود يللي العطايا من كفوفك تنقبل
في كرمك الفلاح غنى للوجود كلمات خلو الكون يصحى من الخبل
وفي بحر الشعر أكثر الشاعر الفلسطيني جمال قعوار من قرض القصائد التعليمية عن الزيتون، منها ما ورد بعنوان «شجرة الزيتون»:
يا شجرة الزيتون يا زينة الأشجار
يا أمنا الحنون يا بهجة الأنظار
أما محمود درويش فقد باشر رحلته الشعرية مع شجرة الزيتون المكافحة إلى جانب الإنسان الفلسطيني منذ الأزل. فقد أصدر باكورة دواوينه بعنوان «أوراق الزيتون» عام 1964. في قصيدة «صمود» يعبر درويش عن حالة الاغتراب والحزن التي لازمت البشر والشجر المشرد عقب النكبة فيقول:
لو يذكر الزيتون غارسه لصار الزيت دمعا
يا حكمة الأجداد لو من لحننا نعطيك درعا
لكن سهل الريح لا يعطي عبيد الريح زرعا
ان سنقلع بالرموش الشوك والأحزان قلعا
أما سميح القاسم فيوصي في قصيدته «المنفى» ان يدفن بعد وفاته تحت شجرة زيتون. فيما تفوح رائحة الزيتون في المسرحية الغنائية «اذكر» للأديب الراحل شكيب جهشان. وكذلك في الرواية الفلسطينية إذ اطلق الكاتب الزميل سهيل كيوان اسم «غضب الزيتون» على أول قصة قصيرة له عام 1982. وهكذا صارت العادة ان شعراء وكتاب فلسطين باتوا يجازون في الأدب من خلال إبداعاتهم عن شجرة الزيتون التي أصبحت رمزا للصمود والعطاء والحياة والسلام.
خواص طبية فريدة
ويوضح الدكتور المختص في البيو كيمياء عمر سعيد، ان شجرة الزيتون تتميز بخواص طبية فريدة لافتا إلى ان أوراقها تنطوي على مواد تخفض نسبة السكر في جسم الإنسان إضافة إلى انها تعقم اللثة من الفيروسات والالتهابات التي تصيبها وتداوي الحرقة في الجهاز الهضمي بواسطة غليها بالماء. أما ثمرها فيحمل نسبا مشابها من الأحماض التي يتضمنها حليب الأم. ويؤكد دكتور سعيد ان زيت الزيتون يذوب الشحوم المترسبة على جدران الأوعية الدموية «الكولسترول» وانه مفيد جدا في معالجة القرحات الصعبة سيما لدى الأطفال من خلال دهن صدورهم وظهورهم، مثلما انه مفيد لنمو الجهاز العصبي بشكل متوازن ولمقاومة السموم داخل الجسد. كذلك أكد سعيد على الفاعلية النادرة لزيت الزيتون في الحفاظ على خلايا الوجه من الشيخوخة ومن أشعة الشمس. هذا إضافة إلى كونه الزيت الوحيد في الطبيعة الذي يمكن تناوله بشكل مباشر ودون أي إعداد خلافا لكل الزيوت الأخرى.