سعيد الشيخ
من السخف ان ينسب بعض الكتاب العرب انفسهم الي الليبرالية، ومصدر السخف يأتي من كتاباتهم السطحية التي لا ترقي الي العقل والمنطق ولا الي مفهوم الحرية الشامل الذي يتسع كلما اتسعت مدارك الانسان الفكرية عبر تراكمات وجودية منذ ان اهتدي هذا الانسان الي النظام لاستمرار وجوده في ظل شيوع الامن والانتاج. الكتاب الذين يدعون الليبرالية يتخبطون يمينا ويسارا بلا هدي كالعميان تحت شمس ساطعة. يذهبون الي الفكرة فاذا هي عندهم طحن هواء، وفراغ يؤدي الي فراغ. والطامة الكبري ادعاؤهم المستمر بانهم وحدهم من يملك الحقيقة، في حين ان الحقيقة ساطعة للعيان وقد نجدها في أبسط الافكار المخلصة الداعية الي التحرر والسيادة. ولكن كيف سيجدها مدعو الليبرالية العرب وهم قد عطلوا الفكر عن انتاج الافكار وصارت صنعتهم اجترار افكار بعضهم البعض في ثناء احتفالي يخلو من الصياغة والتجديد!
ولا يخفي علي المثقف ان في فحوي الليبرالية ولكي تسود الحرية دعوة صريحة لاسقاط العبودية، ولكن الليبراليين العرب ظلوا عبيد الكلمات وعبيد المصطلحات والشعارات التي يجيء بها الغرب الرأسمالي. وبشكل أدق ان بعضهم قد اشتغل صدي لصوت الرئيس الامريكي جورج بوش، وهؤلاء هم الكسالي والعاطلون عن العمل. يتصيدون الكلمة من فيه بوش ومن ثم يطلقونها علي شكل مقالات احتفائية، أقل ما يقال فيها انها لا ترقي الي مستوي فن كتابة المقالة. وهكذا يظلون اسيري العبودية الاولي مع تغيير السيد فقط الذي يمسك بالارزاق.
كل شيء بين ايديهم بدد. وكأن الامة العربية بلا تاريخ وبلا منجزات، نعم هناك عيوب كما في كل الامم في مرحلة من مراحل التاريخ. ولكن ان يصل حالهم الي دعوة أسياد القوة الي غزونا للقضاء علي عيوبنا ولتغيير ثقافتنا فهذا اشد الانحطاط اين منه عصر الانحطاط الذي ألم بالخريطة العربية في غابر الزمن. وبهذا يغالط الليبراليون العرب مفهوم الليبرالية في التقدم والتطور ويريدون عودتنا الي عهود الظلام الدامسة أو بشكل أقل الي العهود الاستعمارية حيث سيحل الاستهلاك بدل الانتاج، والتقليد محل الابداع.
انظروهم في هذه الايام كيف يمجدون بابا الفاتيكان لانه قال كلاما غير طيب في الاسلام. وكيف قبل ايام قليلة قللوا من أهمية صمود حزب الله الاسطوري بوجه أعتي قوة عسكرية في الشرق الاوسط.
وكيف عندهم المجازر الاسرائيلية في قتل الاطفال والنساء انجازات عسكرية.
وكيف الاحتلال واقعا قانونيا علينا القبول به ودون ذلك نحن ارهابيون وحاقدون علي الخلق.
وكيف يرون ديكتاتورنا غير مؤهل لحكمنا وعلينا بمناداة ديكتاتور اخر من الغرب جيشه يستبيح اعراضنا ويمتهن كرامتنا.
انظروهم كيف يطالبوننا بالامتناع عن مخالفتهم الرأي لانهم النخبة الاذكي بين بني جلدتهم.
انظروهم كيف يريدوننا دون عزة وكرامة، وكيف لا يجوز لنا ما يجوز لغيرنا في التفاخر الوطني.
انظروهم كيف يرقصون علي خرابنا ودمارنا.. وبجراحنا يشمتون وبشهدائنا يستهزئون، في حين لا يرون وحشية وبطش اسرائيل الكيان الخارج عن كل القوانين والشرائع الدولية.
انظروهم كيف يدينون الضحية ويثنون علي القاتل.
انظروهم كيف يصفون المواطن العربي بالجهل وبعدم التفكير والبصيرة.
انظروهم… فهم في كل موقف يسبحون عكس التيار، ويا ليت سباحتهم تأتي الينا بكل ما هو مفيد وغير ضار، وبغير أذي.
ولكن اوعية احقادهم وافتراءاتهم واكاذيبهم قد طفحت حتي باتت مستنقعات للديدان والحشرات. لقد أخفق الليبراليون العرب في جلب الليبرالية الحقة الي ثقافتنا للنهوض بالأمة.. وهو اخفاق يضاف الي كل اخفاقاتنا وهزائمنا وعجزنا وعلي كل الصعد.
كاتب فلسطيني مقيم في السويد8