د. محمد أمين توفيق كغيري ممن يعيشون في اغتراب بعيدا عن المحروسة مصر، أخذت أرقب من خلال شاشة التلفاز أحداث مايجري بها منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير التي ينتظر أن تحدث تحولا هائلا على كافة الاصعدة يعوض البلاد عما ران عليها خلال عقود سابقة من الا ستبداد والتأخر عن ركب الحضارة.
ولقد أدهشني من قنوات عديدة معظمها خاص وهي قنوات حصلت على تراخيص بثها ترافقا مع الثورة أو قبلها ظاهرة اعلامية أقدم فيما يلي أهم مشخصاتها:- انتشار البرامج الحية واستضافة وجوه بعينها.- تناول قضايا تثير البلبلة في أفهام المشاهدين والمشاهدات وهي قضايا لاتبني الوطن ولاترفع من شأن المواطن.-قيام أكثرمن رجل أعمال بشراء عدد من القنوات وتمويلها.- استعانة هذه القنوات باعلاميين واعلاميات يرددون موضوعات تكاد في رصدها اليومي أو الاسبوعي تتشابه ان لم تتطابق.- الموضوعات المطروحة تتسم بنزعات التهويل والاثارة ولاتهتم بمصر مابعد الثورة ومشاريع نهضتها وانما الى اثارة الفرقة بين طوائف الشعب.-التناول يتم بشكل ممنهج.
وبالاستقصاء، تبين أن الوجوه المستضافة هي في جلها تروج للافكار التالية أو احداها على الاقل:-الفكر الليبرالي- العلمانية- النيل من التيار الاسلامي الوسطي منه وغير الوسطيوتزداد دهشتي من هذا الذي يجري على شاشات بعينها أن الضيوف الذين يجمعون بين المحامي والنائب البرلماني ورئيس التحريروالمدون والكاتب وغيرهم عندما يتناقشون لا تكاد تلمح الرأي والرأي الآخر.
الذي يردده هؤلاء صباحا مساءا اما المساس بأشخاص ينتمون الى التيار الديني من الاخوان والسلفيين أو رغبتهم في فصل الدين عن الدولة واالسياسة أو عدم رغبتهم في تمكين حزب الحرية والعدالة الفائز بأغلبية في الانتخابات البرلمانية من الاضطلاع بمهمته التي يخولها له وضعه من الشعب المصري في صندوق الانتخابات الى جانب اتهام الحزب وجماعة الاخوان بالاستحواذ على السلطة و ترديد مسألة تدخل الاخوان أو حتى محاولة تدخلهم في أمور الرئاسة. وسوف أضرب أمثلة لجنوح هذه الوجوه المتكررة بين هذه القناة أو تلك الى الهجوم على شخصيات اسلامية وهو هجوم وصل الى حد التجريح والتشكيك في المصداقية أو الاهلية فموضوع جنسية والدة الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل اتخذ ذريعة للتشكيك في مرشح رئاسة، وقيام حزب الحرية والعدالة بالاعلان عن فوز مرشحه الدكتور محمد مرسي مبكرا اتخذ وسيلة للتشكيك في نزاهة الانتخابات الرئاسية ناهيك عن مطالبة أحد الكتاب الضيوف بأن يتخلى ابنا الرئيس مرسي عن جنسيـــتهما الامريكية، متجاهلا حقيقة أنهما حصلا عليها بالميلاد في أمريكا وأن القانون المصري يحيز التجنس بجنسية أخرى الى جانب الجنسية المصرية.
وبمجرد الاعلان الرسمي عن فوز الرئيس مرسي بالرئاسة رأيت أربع قنوات خاصة تتوعده بأجندة المائة يوم التي عليه أن يقدم بعدها كشف حسابه للحكم على مدى توفيقه في ادارة دفة الامور.
ثم ان بعضا من هذه القنوات أخذ في بث كليبات أو أصوات الغرض منها تشويه أصحاب اللحى والمتدينين وقيل من جانب بعض المتابعين ان الا تصال بهذه القنوات انما يجري من نفس استوديو البرنامج الذي بذاع على الهواء واني وغيري من أبناء الشعب المصري لنتساءل:
ما الذي يجعل الليبرالية ضد الثورة؟! أن الليبرالية كما عرفتها مصر ظهرت اثر تشكل حزب الوفد تزامنا مع ثورة 1919 بزعامة سعد زغلول وواكبت مسيرة النضال من أجل تحرير البلاد من الاستعمارونادى التيار الليبرالي بكفالة حرية الرأي للجميع وبضرورة المساواة بين المواطنين وضمان حقوق الانسان وحرية التدين لكن هذا التيار، أصبح يفصل في العقود الاخيرة بين الدين والسياسة وهو في هذا يختلف مع مفهوم الليبراليين الغربيين الذين يجعلون السياسة جزءا من الدين (راجع مقالة توني بلير السياسي البريطاني عن مصر في صحيفة الايفننج ستاندرد البريطانية يوم الاربعاء 27 من يونيو2012 بعنوان: لايمكننا تجاهل تعطش الشرق الاوسط الى التغيير). ان محاولة الفصل بين السياسة والدين باسم الديموقراطية أو التقدمية أمر ترفضه جموع الشعب المصري التي منحت الليبراليين في انتخابات مجلس الشعب في 28 أبريل 12 نسبة 25 ‘ فقط من الاصوات، فأي ديموقراطية هذه التي تبيح للاقلية الغلبة على من فازوا بالاكثرية؟
ان نظرة الى ماآلت اليه الامور الآن في تركيا التي قام أتاتورك فيها بفصل الدين عن السياسة فيها تظهر انتصار الشعب التركي لمنطق الاكثرية التي عارضت هذا الفصلوانتخبت أردوغان وحزبه ديموقراطيا كي يعيد الامور الى نصابها.
وباستثناء مسألة الفصل بــــين الدين والـــدولة والسياسة فإن الليبراليين يتفقون مع أعتى خصومــهم وهم الاخوان في أفكارهم وأهدافهم مثل التطبيق الديموقراطي، وحرية التدين، وكفالة حرية التعبير والرأي للجميع واحترام حقوق الانسان، والملكية الخاصة، وعدم التفريق بين المصريين بحسب اتجاهاتهم السياسية.. ومن جهة أخرى فإن الليبراليين ليسوا سواء في أفكارهم فهناك في حزب الوفد نفر لايقرون هذه البلبلة وذلك التشويش الذي يرمي الى الوقيعة أو خلق حالة من التشرذم الفكري والنفسي ومن هؤلاء من سعى الى لم شمل القوى الوطنية وتوحيد صفوفها عند الاختلاف على رؤى معينة.
اذن فلماذا هذه الحملةالتي تجاهر بالعداء للتيار الديني وتريد المساس بالمادة الثانية العريقة من الدستور؟
في رأيي يحتاج هذا الموقف الغريب الى اعادة النظر فيه في وقت تكون فيه مصر في حاجة ماسة الى التوحد خلف مشروعها الرئاسي الجديد.
من جهة أخرى وعلى الصعيد الاعلامي أقترح قيام عدد من الاعلاميين المشهود لهم بالحيدة والنزاهة بتأسيس سلطة التليفزيون وهي هيئة مستقلة تختص بمتابعة ماتبثه من برامج حية وغير حية وتحقق شؤونها القانونية في شكاوى المواطنين المتلقين حول انحرافات هذه القنوات، ويكون للهيئة في قراراتها النهائية حق سحب تراخيص البث أو وقف البرامج المنحرفة كما يكون لها اثابة القنوات الملتزمة بالخط وبالمطلب الثوري بجوائز تقديرية.
وفي حالة الثورة المصرية وبرغم التصريح من زعامتها بألا يقصف قلم فان هذا لاينبغي أن تفهمه ركائز الانحراف وأبواقه على أنه اطلاق لحرية العبث بالاستقرار النفسي للمواطنين من خلال برامج تليفزيونية لاتتحرى المصداقية ولاتناقش هـــموم الوطن والمواطن ولاتضيف سبقا اعلاميا من شأنه رفعة مصر وانتصار مسارها (الجــــديموقراطي) الجديد وعودتها الى مقعــــدها الحضاري الريادي بين أولى الامم. ‘ اعلامي مصري مقيم في بريطانيا