منذ دخوله الحلبة السياسية وافيغدور ليبرمان يتوهج مع قدر لا بأس به من العدالة، مثل قيثارة لها نغمة عالية في السياسة الإسرائيلية. يعتبر عنيداً، محرضاً، عنصرياً وفاسداً. ويملك كل الصفات المطلوبة لمكانته الظلامية: مخادع ومتهكم وبارد المشاعر وعديم الرحمة. في الوسط ـ يسار يعتبرونه صيغة إسرائيلية للقوميين المتطرفين الظلاميين مثل جان ماري لوبين من فرنسا وفلادمير زيرونفسكي الروسي.
علاقته التكافلية والمعقدة مع بنيامين نتنياهو، التي تحولت من الحب إلى الكراهية ومن التقدير إلى استخفاف عميق، تصلح لتكون رواية روسية. في بداية طريق نتنياهو السياسية عمل ليبرمان مساعداً له وحتى كسائقه الشخصي. وفي المقابل تمت ترقيته إلى وظيفة مدير عام الليكود ومدير عام مكتب رئيس الحكومة الذي استخدمه كخشبة قفز إلى السياسة. لقد كان هو الذي يقرر من يخرج ويحضر. عازف البيانو الذي يروج لمحبي نتنياهو والبلطجي الذي يصفي خصومه. يعرف عن قرب نقاط قوة رئيس الحكومة، وأكثر من أي شخص آخر نقاط ضعفه. عند معرفة نتائج الانتخابات التي أجريت في 9 نيسان، كان واضحاً أن ليبرمان يمكنه أن يوفر للوسط ـ يسار القليل من العزاء والسرور الذي يمكن الحصول عليه من الخسارة اللاذعة. الحكمة المقبولة تقول وما زالت تقول إنه سيضغط على نتنياهو إلى درجة إزهاق روحه مستمتع بذلك هو وخصوم رئيس الحكومة. ولكن في اللحظة الأخيرة سيتم إرضاؤه وسيمنح خصمه الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومته. ولكن في الـ 48 ساعة الأخيرة ثمة شك يثور: قد يكون ليبرمان جدياً هذه المرة، اعترف المحللون. من جهة، ظهر أمس في الكنيست مصمماً. ومن جهة أخرى، يواصل إقامة قناة اتصال مباشرة مع رئيس الحكومة.
يدعى «ستالين إسرائيل»… عنصري ويكره العرب ويتهم اليساريين بأنهم عملاء للإرهاب
المتشككون يقولون إن ليبرمان يحافظ على الأوراق قرب صدره إلى أن تختفي أحياناً عن أنظاره، مثلما يفعل السياسي الذي تزيد الأمور الخفية لديه عن الأمور المعلنة في دوافعه، سلوكه يحتاج إلى تفسير ويثير الشكوك. يريد إسقاط نتنياهو، يقولون في الليكود، لقد عقد تحالفاً سرياً مع يئير لبيد، ويواصلون الحديث همساً. ويريد الظهور كمحارب شجاع ضد الحريديين ويراكم النقاط في أوساط جمهور الروس. هكذا يعتقد الخبراء بأثر رجعي. لقد توصل إلى استنتاج بأنه لن يظل حجر شطرنج لدى نتنياهو. ولكن أيضاً وفي جيل الستين ما زال يحلم بأن يكون ملكاً. الأمر الأخير الذي يمكن اتهام ليبرمان به هو التقدير لمحكمة العدل العليا وسلطة القانون، أو الاهتمام بحقوق الأقليات، لكن التاريخ دفن له فخاً واستخف به. ومهما كانت دوافعه فإن مستقبل دولة إسرائيل مرهون الآن بقرار: إذا أراد يمكنه تمهيد الطريق أمام استمرار حكم نتنياهو، كما هو متوقع. ولكن يمكنه إذا أراد أن يؤدي إلى إبعاده عن الساحة، وبذلك ينقذ الديمقراطية الإسرائيلية من الساعين إلى خرابها. في لحظة واحدة يمكنه التحول من قيثارة إلى منقذ.
المفارقة نفسها تبعث على الرعب: القادم من مولدوفا الذي كان يشتبه به دائماً بأنه غريب، والذي بدأ مسيرته في إسرائيل كحارس في المطار وحارس في ناد للطلاب، والسياسي المرعب الذي يحظى دائماً بأوصاف مثل «ستالين» و«راسبوتين»، وهو يؤيد الترحيل ويكره النواب العرب ويعتبر منظمات اليسار عملاء للإرهاب ويطلب التصريح بالولاء كشرط للمواطنة، هذا بالضبط يمكن أن يتحول إلى سور واق من شخص واحد يدافع عن الديمقراطية، وجبان ينقذ إسرائيل من نفسها. الوظائف الرفيعة التي تولاها والتي ترك فيها القليل من الانطباع على تاريخ الأمة، تعتبر ملغاة تماماً مقابل اللحظة المفاجئة هذه التي يمكن فيها أن يضع نفسه في مكان محترم في البنتيون الوطني وفي تاريخ الصهيونية. وسيكون أول من يضحك وأول من يعترف بأنه الحديث في هذه الظروف يدور عن اللامعقول المطلق.
حيمي شليف
هآرتس 28/5/2019