ليبيا‭: ‬الآمال‭ ‬بعقد‭ ‬مؤتمر‭ ‬وطني‭ ‬تتبدد‭ ‬والاستفتاء‭ ‬على‭ ‬الدستور‭ ‬بعيد‭ ‬المنال

حجم الخط
0

رشيد‭ ‬خشانة‭: ‬مضى‭ ‬يوم‭ ‬16‭ ‬أيلول‭/‬سبتمبر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يُستفتى‭ ‬الليبيون‭ ‬في‭ ‬دستور‭ ‬جديد،‭ ‬مثلما‭ ‬كانوا‭ ‬يأملون‭. ‬والأرجح‭ ‬أن‭ ‬يوم‭ ‬10‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭/‬ديسمبر‭ ‬المقبل‭ ‬سيمضي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إجراء‭ ‬الانتخابات‭ ‬الموعودة‭. ‬لا‭ ‬بل‭ ‬إنهم‭ ‬تكبدوا‭ ‬خسائر‭ ‬بشرية‭ ‬ومادية‭ ‬كبيرة‭ ‬جراء‭ ‬المعارك‭ ‬بين‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬العاصمة‭ ‬طرابلس،‭ ‬التي‭ ‬يقطنها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭. ‬لكن‭ ‬الخسائر‭ ‬السياسية‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بكثير‭. ‬فقد‭ ‬تبددت‭ ‬الآمال‭ ‬بعقد‭ ‬مؤتمر‭ ‬وطني‭ ‬جامع،‭ ‬وصار‭ ‬الاستفتاء‭ ‬على‭ ‬الدستور‭ ‬بعيد‭ ‬المنال،‭ ‬واستطرادا‭ ‬بات‭ ‬مؤكدا‭ ‬أن‭ ‬إجراء‭ ‬انتخابات‭ ‬رئاسية‭ ‬وبرلمانية‭ ‬غير‭ ‬ممكن‭. ‬

عدا‭ ‬عن‭ ‬غلق‭ ‬مطار‭ ‬معيتيقة‭ ‬شرق‭ ‬العاصمة‭ ‬طرابلس،‭ ‬وهدم‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المباني،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬بنايات‭ ‬داخل‭ ‬أحياء‭ ‬سكنية،‭ ‬حذر‭ ‬رئيس‭ ‬المؤسسة‭ ‬الوطنية‭ ‬للنفط‭ ‬مصطفى‭ ‬صنع‭ ‬الله‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الخسائر‭ ‬المادية‭ ‬ستكون‭ ‬هائلة‭ ‬جدًّا‮»‬‭ ‬بسبب‭ ‬استمرار‭ ‬الاشتباكات‭ ‬العنيفة‭ ‬بين‭ ‬الفصائل‭ ‬المسلحة،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إعطاء‭ ‬تقديرات‭ ‬دقيقة‭. ‬واشتعل‭ ‬أحد‭ ‬خزانات‭ ‬الوقود‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬المطار‭ ‬بعد‭ ‬إصابته‭ ‬بقذائف،‭ ‬كما‭ ‬أصيب‭ ‬خزان‭ ‬المياه‭ ‬الرئيسي‭ ‬المخصص‭ ‬لإطفاء‭ ‬الحرائق‭. ‬ولم‭ ‬يكف‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬أن‭ ‬مطار‭ ‬طرابلس‭ ‬الدولي‭ ‬أغلق‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬2014‭ ‬جراء‭ ‬المعارك‭ ‬بين‭ ‬أنصار‭ ‬‮«‬عملية‭ ‬الكرامة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭ ‬خليفة‭ ‬حفتر‭ ‬والجماعات‭ ‬الأصولية‭ ‬المنضوية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬‮«‬فجر‭ ‬ليبيا‮»‬،‭ ‬فنـقــلت‭ ‬المعارك‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬طريق‭ ‬المطار‭.‬

ودفع‭ ‬المدنيون‭ ‬فاتورة‭ ‬المعارك‭ ‬بين‭ ‬اللواء‭ ‬السابع‭ ‬مشاة‭ ‬ترهونة‭ ‬والقوات‭ ‬النظامية‭ ‬التابعة‭ ‬لحكومة‭ ‬فائز‭ ‬السراج،‭ ‬إذ‭ ‬نزح‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬أحيائهم‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬إلى‭ ‬بلدات‭ ‬مجاورة،‭ ‬عدا‭ ‬عن‭ ‬سقوط‭ ‬عشرات‭ ‬القتلى‭ ‬والجرحى،‭ ‬الذين‭ ‬أكدت‭ ‬وزارة‭ ‬الصحة‭ ‬أن‭ ‬غالبيتهم‭ ‬من‭ ‬المدنيين‭. ‬ومن‭ ‬أشد‭ ‬الأوضاع‭ ‬مأسوية‭ ‬حال‭ ‬الأسر‭ ‬التي‭ ‬رفضت‭ ‬مغادرة‭ ‬بيوتها،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬انقطاعات‭ ‬الكهرباء‭ ‬والماء،‭ ‬خشية‭ ‬تعرُضها‭ ‬للنهب‭.‬

سياسيا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الإيطاليين‭ ‬حققوا‭ ‬هدفهم‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬قطع‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬تنفيذ‭ ‬خريطة‭ ‬الطريق‭ ‬التي‭ ‬صاغها‭ ‬الفرنسيون‭ ‬وجعلوا‭ ‬أهم‭ ‬أربعة‭ ‬صُناع‭ ‬قرار‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬يُصدقون‭ ‬عليها،‭ ‬وهم‭ ‬رئيس‭ ‬حكومة‭ ‬الوفاق‭ ‬فائز‭ ‬السراج‭ ‬ورئيس‭ ‬البرلمان‭ ‬المنتهية‭ ‬ولايته‭ ‬عقيلة‭ ‬صالح‭ ‬والقائد‭ ‬العسكري‭ ‬خليفة‭ ‬حفتر‭ ‬ورئيس‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للدولة‭ ‬خالد‭ ‬المشري‭. ‬وتُعتبر‭ ‬ايطاليا‭ ‬وفرنسا،‭ ‬اللتين‭ ‬سبق‭ ‬لجيوشهما‭ ‬أن‭ ‬احتلت‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬ليبيا‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬القوتين‭ ‬الرئيستين‭ ‬المتصارعتين‭ ‬على‭ ‬ثروات‭ ‬ليبيا‭. ‬وتحظى‭ ‬روما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السباق‭ ‬بدعم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬المُتحفظة‭ ‬على‭ ‬السماح‭ ‬للفرنسيين‭ ‬بالاستحواذ‭ ‬على‭ ‬ليبيا‭. ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬اتهم‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬الايطالي‭ ‬ماتيو‭ ‬سالفيني‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬بتشجيع‭ ‬الفصائل‭ ‬المدعومة‭ ‬من‭ ‬خليفة‭ ‬حفتر‭ ‬على‭ ‬خوض‭ ‬معركة‭ ‬طرابلس‭. ‬وتدعم‭ ‬فرنسا‭ ‬القائد‭ ‬العسكري‭ ‬حفتر‭ ‬بالأسلحة‭ ‬والخبراء،‭ ‬فيما‭ ‬أرسلت‭ ‬ايطاليا‭ ‬قوات‭ ‬عسكرية‭ ‬إلى‭ ‬طرابلس‭ ‬لحماية‭ ‬بعثتها‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬وكذلك‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬مصراتة‭ (‬غرب‭) ‬حيث‭ ‬تتمركز‭ ‬جماعات‭ ‬أصولية‭ ‬متحالفة‭ ‬معها،‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬تحرير‭ ‬مدينة‭ ‬سرت‭ ‬من‭ ‬عناصر‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭. ‬كما‭ ‬أرسل‭ ‬الايطاليون‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬بحرية‭ ‬لسواحل‭ ‬ليبيا‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الخطة‭ ‬الأوروبية‭ ‬لمقاومة‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭.‬

مشروع‭ ‬قانون‭ ‬الاستفتاء

ويجوز‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬التجاذبات‭ ‬انعكست‭ ‬على‭ ‬صفحة‭ ‬العلاقات‭ ‬المتوترة‭ ‬بين‭ ‬نواب‭ ‬المنطقتين‭ ‬الشرقية‭ ‬والغربية‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬الليبي،‭ ‬إذ‭ ‬أجاز‭ ‬ثلاثون‭ ‬من‭ ‬نواب‭ ‬المنطقة‭ ‬الغربية‭ (‬التي‭ ‬تشمل‭ ‬العاصمة‭ ‬طرابلس‭) ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬الاستفتاء،‭ ‬فيما‭ ‬اعترض‭ ‬عليه‭ ‬نواب‭ ‬المنطقة‭ ‬الشرقية،‭ ‬الواقعون‭ ‬تحت‭ ‬ضغوط‭ ‬خليفة‭ ‬حفتر،‭ ‬بحجة‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬مواد‭ ‬مشروع‭ ‬الدستور‭ ‬مخالفة‭ ‬للإعلان‭ ‬الدستوري‭ ‬الصادر‭ ‬في‭ ‬2011،‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الإطاحة‭ ‬بمعمر‭ ‬القذافي‭. ‬ويشكل‭ ‬تصديق‭ ‬غالبية‭ ‬أعضاء‭ ‬البرلمان‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬قانون‭ ‬الاستفتاء‭ ‬إجراء‭ ‬ضروريا‭ ‬لتنظيم‭ ‬استفتاء‭ ‬عام‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬الدستور،‭ ‬تمهيدا‭ ‬لإجراء‭ ‬انتخابات‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬السنة‭ ‬الحالية‭.‬

ويُعتبر‭ ‬انقسام‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬إلى‭ ‬كتل‭ ‬متصارعة‭ ‬صدى‭ ‬للنزاعات‭ ‬القائمة‭ ‬منذ‭ ‬2014‭ ‬بين‭ ‬فريقين‭ ‬كبيرين‭ ‬يقود‭ ‬حفتر‭ ‬أحدهما‭ ‬فيما‭ ‬يرمز‭ ‬السراج‭ ‬للفريق‭ ‬الثاني،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حدا‭ ‬برئاسة‭ ‬المجلس‭ ‬إلى‭ ‬نقل‭ ‬مقرة‭ ‬مؤقتا‭ ‬من‭ ‬طرابلس‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬طبرق‭ (‬شرق‭) ‬وجعل‭ ‬نواب‭ ‬المنطقة‭ ‬الغربية‭ ‬يُقاطعون‭ ‬الجلسات‭ ‬خشية‭ ‬تعرضهم‭ ‬لاعتداءات‭.‬

جماعات‭… ‬جماعات

وفي‭ ‬مقدم‭ ‬الأخطاء‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬عجز‭ ‬المجلس‭ ‬الرئاسي‭ ‬وحكومة‭ ‬الوفاق‭ ‬عن‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الأوضاع‭ ‬اليوم،‭ ‬أنهما‭ ‬تلكآ‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬أحد‭ ‬البنود‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬اتفاق‭ ‬الصخيرات‭ (‬2015‭) ‬المتعلق‭ ‬بتشكيل‭ ‬جيش‭ ‬أو‭ ‬قوات‭ ‬أمنية‭ ‬نظامية‭ ‬فعالة‭. ‬ومضت‭ ‬اليوم‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬منذ‭ ‬تشكلت‭ ‬الحكومة‭ ‬التي‭ ‬يرأسها‭ ‬فائز‭ ‬السراج‭ ‬في‭ ‬2016،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تقطع‭ ‬خطوة‭ ‬جادة‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬جيش‭ ‬نظامي‭ ‬احترافي‭ ‬يتبنى‭ ‬عقيدة‭ ‬وطنية،‭ ‬ويدافع‭ ‬عن‭ ‬الحكومة‭ ‬ويضمن‭ ‬استتباب‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬بوصفها‭ ‬مركز‭ ‬السيادة‭. ‬وفي‭ ‬النتيجة‭ ‬سلم‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للدولة‭ ‬مهمة‭ ‬حمايته‭ ‬إلى‭ ‬الأجسام‭ ‬العسكرية،‭ ‬مع‭ ‬تأمين‭ ‬رواتب‭ ‬ثابتة‭ ‬لعناصرها،‭ ‬بُغية‭ ‬اتقاء‭ ‬شرها‭.‬

الغريب‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬حكومة‭ ‬الوفاق‭ ‬السراج‭ ‬كلف‭ ‬أخيرا‭ ‬العميد‭ ‬وجدي‭ ‬فرج‭ ‬الشريف‭ ‬برئاسة‭ ‬قوة‭ ‬العمليات‭ ‬الخاصة،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الانتشار‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬ووضع‭ ‬حد‭ ‬للمواجهات‭ ‬بين‭ ‬الجماعات‭ ‬المتصارعة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المكلف‭ ‬بهذه‭ ‬المهمة‭ ‬اتضح‭ ‬أنه‭ ‬يتبع‭ ‬كتيبة‭ ‬‮«‬النواصي‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬جسم‭ ‬عسكري‭ ‬خارجٌ‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭ ‬تم‭ ‬ضمُهُ‭ ‬لوزارة‭ ‬الداخلية‭. ‬كما‭ ‬اتضح‭ ‬أن‭ ‬زعيم‭ ‬الكتيبة‭ ‬مصطفى‭ ‬قدور،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬اقترح‭ ‬اسم‭ ‬الشريف‭ ‬على‭ ‬المجلس‭ ‬الرئاسي‭ ‬ليتولى‭ ‬هذه‭ ‬المهمة‭. ‬وتلك‭ ‬صورة‭ ‬من‭ ‬التداخل‭ ‬بين‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ووزارتي‭ ‬الداخلية‭ ‬والدفاع‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ثانية،‭ ‬المُعتمدتين‭ ‬أساسا‭ ‬على‭ ‬أفراد‭ ‬الكيانات‭ ‬شبه‭ ‬العسكرية،‭ ‬وكأن‭ ‬الحكومة‭ ‬تعمل‭ ‬بقاعدة‭ ‬‮«‬وداوني‭ ‬بالتي‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬الداء‮»‬‭.‬

واختزل‭ ‬تقرير‭ ‬عُرض‭ ‬على‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي،‭ ‬في‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬أيلول‭/‬سبتمبر‭ ‬الجاري،‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬بقوله‭ ‬‮«‬إن‭ ‬المجموعات‭ ‬المسلحة‭ ‬تُمارس‭ ‬نفوذاً‭ ‬يزداد‭ ‬وضوحاً‭ ‬على‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬الليبية،‭ ‬وهي‭ ‬تضع‭ ‬مصالحها‭ ‬في‭ ‬المقدمة‮»‬‭. ‬وجاء‭ ‬في‭ ‬التقرير‭ ‬أيضا‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬يوجد‭ ‬عدد‭ ‬لا‭ ‬حصر‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬الجماعات‭ ‬الجهادية‭ ‬والفصائل‭ ‬المسلحة‭ ‬التي‭ ‬تُغير‭ ‬ولاءها‭ ‬وفقاً‭ ‬لمصالحها‮»‬‭.‬

وأضاف‭ ‬تقرير‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬‮«‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬العنف‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬البنى‭ ‬التحتية‭ ‬والمؤسسات‭ ‬العامة‭ ‬والتهديدات‭ ‬والهجمات‭ ‬ضد‭ ‬الموظفين‭ ‬شائعة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ (‬العاصمة‭) ‬طرابلس‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬رمزُ‭ ‬السيادة‭ ‬ومقرُ‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭.‬

فرنسا‭ ‬وإيطاليا

وإزاء‭ ‬هذا‭ ‬التعقيد‭ ‬تتباعد‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬الفرنسية‭ ‬والايطالية،‭ ‬فباريس‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تعتبر‭ ‬إجراء‭ ‬انتخابات‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬العاشر‭ ‬من‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭/‬ديسمبر‭ ‬المقبل‭ ‬ضرورة‭ ‬قصوى،‭ ‬مع‭ ‬استكمال‭ ‬جميع‭ ‬الخطوات‭ ‬التمهيدية‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬الفترة‭ ‬المقبلة‭. ‬أما‭ ‬الايطاليون‭ ‬فمع‭ ‬إقرارهم‭ ‬بأن‭ ‬المسار‭ ‬السياسي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يمضي‭ ‬إلى‭ ‬نهايته،‭ ‬يولون‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬لإيجاد‭ ‬ما‭ ‬يُسميه‭ ‬وزير‭ ‬خارجيتهم‭ ‬أنزو‭ ‬ميلانيزي‭ ‬‮«‬الظروف‭ ‬الأمنية‭ ‬الملائمة‭ ‬لتنظيم‭ ‬انتخابات‭ ‬حرة‭ ‬وعادلة‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬ظروف‭ ‬من‭ ‬الصعب،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬توافرها‭ ‬في‭ ‬الوضع‭ ‬المعقد‭ ‬الراهن‭. ‬ولذا‭ ‬يعمل‭ ‬الايطاليون‭ ‬حاليا‭ ‬لعقد‭ ‬مؤتمر‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬صقلية‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭/‬نوفمبر‭ ‬المقبل،‭ ‬بمشاركة‭ ‬أطياف‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬الليبي،‭ ‬في‭ ‬رد‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬مؤتمر‭ ‬باريس‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬سمعة‭ ‬الايطاليين‭ ‬تراجعت‭ ‬أخيرا‭ ‬بعد‭ ‬اندلاع‭ ‬مظاهرات‭ ‬مناهضة‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الشرقية‭ (‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬حفتر‭) ‬على‭ ‬إثر‭ ‬تصريحات‭ ‬إعلامية‭ ‬أدلى‭ ‬بها‭ ‬السفير‭ ‬الايطالي‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬جوزيبي‭ ‬بيروني‭ ‬في‭ ‬شأن‭ ‬شروط‭ ‬الانتخابات‭ ‬المرتقبة،‭ ‬واعتُبرت‭ ‬تدخلا‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬للبلد‭. ‬وقررت‭ ‬الحكومة‭ ‬الايطالية‭ ‬استبقاء‭ ‬سفيرها،‭ ‬الذي‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬روما‭ ‬في‭ ‬بلده،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬مكاتب‭ ‬السفارة‭ ‬مفتوحة‭ ‬في‭ ‬طرابلس،‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬تعرضه‭ ‬لخطر‭.‬

بارقة‭ ‬أمل

مع‭ ‬ذلك‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬رغم‭ ‬تراجع‭ ‬حجمه‭ ‬وتقلص‭ ‬تأثيره،‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬القوة‭ ‬الوحيدة‭ ‬تقريبا‭ ‬الساعية‭ ‬لرأب‭ ‬الصدع‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬والدفع‭ ‬نحو‭ ‬منطقة‭ ‬مشتركة‭ ‬تؤسس‭ ‬لعودة‭ ‬السلم‭ ‬الأهلي‭. ‬وفي‭ ‬مقدم‭ ‬تلك‭ ‬المبادرات،‭ ‬محاولة‭ ‬عمدة‭ ‬بنغازي‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬العبار،‭ ‬المعروف‭ ‬بالاعتدال‭ ‬والتوازن،‭ ‬إقامة‭ ‬مؤتمر‭ ‬في‭ ‬بنغازي‭ ‬الشهر‭ ‬المقبل‭ ‬يحمل‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬السلم‭ ‬الأهلي‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون‮»‬‭. ‬ويرمي‭ ‬المؤتمر‭ ‬لتثبيت‭ ‬التزام‭ ‬الجميع‭ ‬بمبادئ‭ ‬أساسية‭ ‬منها‭ ‬نبذ‭ ‬العنف‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬للسلم‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ومنع‭ ‬أعمال‭ ‬الثأر‭ ‬والاحتكام‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬القضائية‭ ‬والأمنية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬مظاهر‭ ‬انتشار‭ ‬السلاح‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬ورفع‭ ‬الغطاء‭ ‬عن‭ ‬الخارجين‭ ‬عن‭ ‬القانون‭.‬

ومن‭ ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬ركز‭ ‬عليها‭ ‬العبَار‭ ‬تأمين‭ ‬الظروف‭ ‬الملائمة‭ ‬لعودة‭ ‬المهاجرين‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬بنغازي،‭ ‬ثاني‭ ‬مدن‭ ‬ليبيا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الوزن‭ ‬السكاني،‭ ‬والتي‭ ‬غادروها‭ ‬بسبب‭ ‬المعارك‭ ‬بين‭ ‬قوات‭ ‬حفتر‭ ‬وجماعات‭ ‬‮«‬تنظيم‭ ‬الدولة‮»‬‭ ‬و«القاعدة‮»‬‭ ‬و«أنصار‭ ‬الشريعة‮»‬‭. ‬كما‭ ‬يرمي‭ ‬المؤتمر‭ ‬المنوي‭ ‬عقدُه‭ ‬إلى‭ ‬تفعيل‭ ‬دور‭ ‬مجالس‭ ‬الحكماء‭ ‬والأحياء‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬ثقافة‭ ‬التسامح‭ ‬ونبذ‭ ‬العنف،‭ ‬مع‭ ‬إيلاء‭ ‬اهتمام‭ ‬خاص‭ ‬لوسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬والمنابر‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬ذهنية‭ ‬السلم‭ ‬الأهلي‭.‬

يبقى‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬قوة‭ ‬داخلية‭ ‬مُهابة‭ ‬الجانب‭ ‬أو‭ ‬جهة‭ ‬محايدة‭ ‬تحظى‭ ‬بثقة‭ ‬جميع‭ ‬الفرقاء،‭ ‬هو‭ ‬العائق‭ ‬أمام‭ ‬توحيد‭ ‬كلمة‭ ‬الليبيين‭ ‬حول‭ ‬مصلحة‭ ‬البلد‭ ‬ومعاودة‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬ومؤسساتها،‭ ‬خصوصا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التشويش‭ ‬الذي‭ ‬تمارسه‭ ‬القوى‭ ‬الخارجية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إصرارها‭ ‬على‭ ‬تغذية‭ ‬الصراع‭ ‬الداخلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية