ليبيا: أمريكا تنصح بتشكيل «حكومة تكنوقراطية مؤقتة» مهمتها الوحيدة الانتخابات

رشيد خشانة
حجم الخط
0

كان تصديق مجلس النواب على مسودة مشروعي قانوني الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، إنقاذا للحوار، على أمل أن يؤدي إلى التوقيع على اتفاق سلام والبدء في تطبيقه.

ما زال الحوار الليبي/ الليبي، الذي ترعاه الأمم المتحدة، بين أطراف الصراع، يصطدم بخلافات وانقسامات في أروقة كل من السلطتين الشرقية والغربية، بالإضافة لضغوط داخلية وخارجية، ربما تقود إلى إعادة المحادثات، المتواصلة منذ أشهر، إلى نقطة البداية. ولذا من الواضح أن بعثة الأمم المتحدة تخوض سباقا مع الزمن، من أجل التوصل إلى اتفاق، لأن عكس ذلك سيطيح برئيس البعثة وبالمحادثات أصلا. وكان تصديق مجلس النواب على مسودة مشروعي قانوني الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، إنقاذا للحوار، على أمل أن يؤدي إلى التوقيع على اتفاق سلام والبدء في تطبيقه. في غضون ذلك أعلنت النيابة العامة حبس رئيس مجلس إدارة شركة «أكاكوس» للخدمات النفطية، احتياطيا، بتهمة الفساد.
وأفاد بيان نشره مكتب النائب العام على شبكة «إكس» أن النيابة العامة اتخذت تدابير قضائية لمنع الفساد، من خلال التحقيق في وقائع فساد خالطت النشاط الموكل إلى رئيس مجلس إدارة شركة «أكاكوس». في المقابل دافعت الشركة عن رئيسها، مؤكدة أن الدعوى تعتمد على «مستندات مغلوطة ومُموهة» فيما هدد الموظفون بالتصعيد.
من جهة أخرى أحال مجلس النواب القانون رقم 8 للعام 2023 بشأن إعادة تنظيم جهاز المخابرات الليبية إلى رئيس الجهاز، مطالباً بضرورة التنفيذ. ونشرت الجريدة الرسمية القانون، الذي تنص المادة الأولى منه على أن الجهاز مدني نظامي يلحق برئيس الدولة، ويتكون من إدارات وأقسام ومكاتب، تُحدَّد اختصاصاتها بقرار من رئاسة الجهاز.
ويتولى الجهاز عدة مهمات، منها «حماية أسرار ليبيا ومقاومة نشاط المخابرات الأجنبية ومراقبة الجهات الأجنبية في البلاد ومتابعة النشاط المشبوه، والمعادي لأمن ليبيا والقيام بأعمال المخابرات المعاكسة والعمل على تأمين المصالح الليبية بالخارج». كما أرسل مقرر مجلس النواب صالح قلمة صورة من القانون إلى رئيس جهاز المخابرات الفريق أول حسين العائب.
وفي شأن ذي صلة، أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن عقد اجتماع في تونس لفريق العمل المعني بنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، شارك فيه مسؤولون ليبيون رئيسيون من الشرق والغرب. وقالت البعثة إن الاجتماع كان منصة لصياغة مقاربة منسجمة للمجتمع الدولي في دعم دور المؤسسات الليبية ذات الصلة، للمساهمة في عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وعلى نحوٍ أشمل في تعزيز التماسك الاجتماعي والسلم والاستقرار في ليبيا وفي المنطقة بشكل عام.
وأقر مجلس النواب هذا القانون بالأغلبية، في جلسة برئاسة النائب الأول لرئيس المجلس فوزي النويري، وبحضور النائب الثاني للرئيس عبدالهادي الصغير. وأثنى رئيس أركان قوات الجيش التابعة لحكومة الوحدة الوطنية الفريق أول محمد الحداد، على مجهودات اللجنة العسكرية 5+5 فيما قدّم عضو اللجنة العسكرية اللواء ركن الفيتوري غريبيل إحاطة حول الاجتماعات التي عقدت في تونس وطرابلس وبنغازي برعاية الأمم المتحدة.
وبقدر ما يُمثل هذا القانون، إذا ما طُبق، خطوة مهمة نحو إعادة بناء المؤسسات السيادية، فإن أجهزة الرقابة والشرطة الجزائية تبدو غير قادرة على رصد شبكات الفساد المتضخمة وتفكيكها. وأظهر تحقيق استقصائي أجرته منظمة «ذا سنتري» أن أنشطة تهريب الأسلحة حافظت على وتيرتها الثابتة في ليبيا، خلال السنوات القليلة الماضية. لكن التحقيق أشار إلى أن قطاع تهريب الوقود آخذ في الصعود بوتيرة سريعة خلال العامين الماضيين، خصوصًا في الشرق، إذ قدَّر التكلفة المالية الإجمالية لتهريب الوقود في ليبيا بـ720 مليون دولار سنويًا.
وتطرقت المنظمة المعنية بمكافحة الفساد، إلى ما وصفته بـ«انتهاكات في صادرات النفط الرسمية» إذ أشار التحقيق إلى زيادة كمية المنتجات النفطية المصدرة في العام 2022 بنسبة 19 في المئة، مقارنة بالعام 2021 ويُعزى ذلك في جزء كبير منه إلى تجارة الوقود غير المشروعة، ما يعني ارتفاع قيمة الدولار في أنشطة الإتجار بالوقود، على حساب الدينار الليبي.
في هذا الإطار أعلنت النيابة العامة، الأربعاء الماضي عن حبس رئيس لجنة إدارة شركة مبروك للعمليات النفطية، بسبب تعاقده مع شركة أجنبية، بالرغم من انتفاء الحاجة إلى التعاقد. وأفاد مكتب النائب العام، في منشور عبر صفحته على «فيسبوك» أن ممثل النيابة حقق في البلاغ، الذي انطوى على دلائل تشير إلى اختلال بشأن عقد أبرمته الشركة مع إحدى الشركات الأجنبية، المتخصصة في مجال تقديم الدعم الفني، حسب مصادر قضائية. وتوصل المحقق إلى أن المسؤول قد يكون تخلى عن توصية استشاري هندسة المكامن النفطية، بتعمده إبرام عقد دعم فني بقيمة مليوني دولار رغم علمه بتوصية المتخصصين، ما أَدى إلى ضررٍ لحق بالشركة، وانتهى إلى حبس المتهم احتياطيا، على ذمة القضية. وخلص التحقيق إلى أن هذه الأنشطة تُسبب أضرارًا جسيمة للاقتصاد الليبي، وضرب مثلا على ذلك بما حدث في العام 2022 فقد تجاوزت تكاليف دعم الوقود 12 مليار دولار، أي بزيادة قدرها 5 مليارات دولار عن العام السابق، وهي تعود في معظمها إلى التهريب. فبالرغم من استمرار انتعاش أنشطة تهريب الوقود في غرب ليبيا، فإن الدلائل تشير إلى أن الجزء الأكبر من الانتعاشة الأخيرة في تلك الأنشطة يقع في الشرق، بل وأصبحت مدينة بنغازي مركزًا لأنشطة تهريب الوقود، بشكل أكبر، مقارنة بالسنوات الماضية، حسب التحقيق الاستقصائي.

مفاجأة الدبيبة

ومع أن هيئات المجتمع المدني تُعتبر رديفا للأجهزة الأمنية والقضائية في عمليات محاربة الفساد، فاجأ رئيس الحكومة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة الجميع باتخاذ إجراءات جديدة لعرقلة نشاط تلك الجمعيات والمنظمات غير الحكومية وتجفيف مصادر تمويلها. وفي هذا الإطار دعا الدبيبة إلى اجتماع شاركت فيه وكالات الأمم المتحدة العاملة في ليبيا، والدول الأعضاء والمنظمات غير الحكومية الدولية. وخلص الاجتماع إلى توصيات مهمة، لكنها مُناقضة للنوايا المُعلنة، من بينها ضرورة إشراك قادة المجتمعات المحلية في منع الصراعات والوساطة وتجريد المناطق المكتظة بالسكان من السلاح. والأرجح أن البعثة الأممية هي التي فرضت إضافة هذه الفقرة إلى التوصيات.
وأفاد المبعوث الأممي عبدالله باتيلي أنه شارك مؤخرا في الجلسة الافتتاحية لاجتماع لجنة 5+5 في تونس، بحضور الرؤساء المشاركين في مجموعة العمل الأمنية، حيث جرى استعراض التطورات السياسية والأمنية الأخيرة في ليبيا. وتُعتبر الدعوة إلى تجريد المناطق المكتظة بالسكان من السلاح، وخاصة منه السلاح الثقيل، مسألة بالغة الأهمية في الوضع الليبي الراهن، إذ اندلعت نزاعات مسلحة بين أجسام عسكرية مختلفة منذ العام 2011 وكان استخدام السلاح الثقيل في كل مرة كارثة على السكان المدنيين، مثلما حصل لسكان عين زارة في الضواحي الجنوبية لطرابلس، عندما اقتحمت قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر العاصمة، بواسطة المدافع والمُسيرات في حرب 2019-2020.

حكومة تكنوقراطية مؤقتة

أما في الموضوع الشائك، المتعلق بطبيعة الحكومة التي ستُصرف الأعمال، إلى حين إجراء الانتخابات، فاقترح الأمريكيون، على لسان السفير الموفد الأمريكي الخاص إلى ليبيا، ريتشارد نورلاند، أن تكون حكومة تكنوقراطية مؤقتة، مهمتها الوحيدة قيادة البلد إلى انتخابات حرة وشفافة، إذ أن ما لا يريد أحدٌ رؤيته في ليبيا هو حكومة مؤقتة أخرى تستمر لسنوات. وتحدث نورلاند بوضوح، في حوار مع صحيفة «إندبندنت عربية» مُحذرا من أن غاية بعض الأطراف، التي لم يُسمها، هي إسقاط حكومة الوحدة الحالية، بينما تعتبر واشنطن أن وجودها «مهمٌ في كل عملية تفاوضية».

لا نريد حروبا أخرى

وكان نورلاند عبر عن تطابق في وجهات النظر بينه وبين المبعوث الأممي إلى ليبيا، حول ضرورة إقدام حكومة الوحدة على التفاوض مع مجلس النواب والدولة والرئاسي والجيش، من أجل الاتفاق على خريطة طريق للانتخابات، مُنتقدا «أشخاصا» لم يكشف عن هويتهم، قال إنهم جربوا إكراه حكومة الوحدة على الاستقالة «لكنهم فشلوا لأن الليبيين لا يريدون حروبا أخرى» مؤكدا في الوقت نفسه، أن جميع الأطراف الداخلية والخارجية باتت على قناعة بان «الانتخابات هي الطريق للاستقرار وألا حل عسكريا في ليبيا» على ما قال.

تبخُرُ صادرات النفط

وتحدث تحقيق «ذا سنتري» أيضا عن أشكال من الانتهاكات داخل المؤسسة الوطنية للنفط، أبرزها الصادرات النفطية غير المعلنة، مشيرا إلى «سرقة عدة مليارات من الدولارات سنويًّا من الشعب الليبي، من خلال صادرات النفط غير المعلن عنها». كما كشفت مصادر رقابية، أن ظاهرة فقدان عائدات تصدير النفط آخذة في النمو، في الموانئ النفطية بشرق البلاد وغربها على السواء. والأرجح أن يكون ذلك ناتجا عن شيوع الصفقات الغامضة بين الفصائل الليبية، بالتوازي مع تداخلات بعض الدول الأجنبية. ففي العام 2022 توسطت الإمارات في اتفاق بين عائلتي حفتر والدبيبة للموافقة على تغيير القيادة في المؤسسة الوطنية للنفط. وبعد هذا التغيير، الذي تولى بموجبه الرئيس الجديد فرحات بن قدارة زمام المؤسسة، في مكان مصطفى صنع الله، زعمت بعض وسائل الإعلام الليبية أن صدام حفتر قد يكون سحب كميات كبيرة من النقد من خزائن الشركات التابعة للمؤسسة.
كما أن هناك أسئلة عالقة حول تخصيص المصرف المركزي 34.3 مليار دينار، (6.8 مليار دولار) لمؤسسة النفط، من التمويل الاستثنائي في العام 2022. وإذا ما تأكدت هذه المخاوف، فإنها ستسلط الضوء، على الكيفية التي تتم بها الترتيبات داخل النخبة، مُشكلة تهديدًا وجوديًا للمؤسسة الاقتصادية الأكثر حيوية في ليبيا، والتي تشكل العامود الفقري للاقتصاد المحلي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية