يُعزى الاخفاق في كسب معركة طرابلس إلى ارتكاب حفتر وكبار ضباطه ستة أخطاء استراتيجية، كانت قاتلة للمشروع الرامي إحكام قبضتهم على طرابلس.
الخطأ الأول تمثل في المراهنة على صراعات الجماعات المسلحة في المنطقة الغربية، بعضها مع بعض، إذ كان حفتر يعتقد أن غياب قيادة عسكرية مركزية سيُضعف المقاومة في طرابلس، خاصة أن الهجوم اتسم بالمباغتة. لكن الذي حدث هو العكس، إذ تركت الجماعات خلافاتها جانبا، وواجهت القوات المهاجمة، الآتية من الشرق، مُتحدة.
تمثل الخطأ الثاني في كون حفتر لم يقرأ حسابا في خطته لقوات “البنيان المرصوص” (مصراتة) التي استطاعت امتصاص الصدمة في اليومين الأولين من الهجوم على طرابلس، وهي الصدمة التي كان حفتر يُعول عليها، متجاهلا أن تلك القوات على خبرة عالية، من خلال قتالها لعناصر “تنظيم الدولة” في سرت، وصولا إلى طردها من المدينة. كما لم يقرأ حفتر حسابا لسلاح الجو المرابط في قاعدة مصراتة الجوية ولا لقاعدة سرت، إلا في وقت متأخر جدا. وحتى بعد بدء عمليات القصف الجوي الأخيرة لقاعدة مصراتة الجوية (200 كلم شرق طرابلس)، لم يكن ضباطه يتوقعون أن ترد قوات الوفاق الفعل بقصف قاعدة الجفرة بشكل مكثف، وهي البوابة التي يعتمد عليها حفتر بشكل كلي لتعزيز وجوده غربا.
قبل تلك الغارات المتبادلة، كانت معركة غريان مرآة انعكست على صفحتها أخطاءٌ تكتيكية عدة ارتكبتها قيادات جيش حفتر، أولها التعويل على موالاة عناصر متعاطفة معها داخل المدينة، إذ اتضح أن هذه مجرد مقامرة لا سند لها، وثانيها عدم قدرتها على القيام بانسحاب تكتيكي عند الاقتضاء، إذ فرت القوات المهزومة في حالة ارتباك شديدة، تاركة خلفها أسلحة أمريكية كانت أهدتها فرنسا لحفتر، ما شكل إحراجا كبيرا لهاتين الدولتين الحليفتين.
في المحصلة، بقيت في قبضة جيش حفتر مدينة ترهونة، وفيها عناصر آتية من الشرق، وتحديدا من مدينة أجدابيا، إضافة إلى مرتزقة مُجندين من السودان (الجنجويد)، وهو ما سيحفز قوات “الوفاق” على السعي للسيطرة عليها. كما انهزمت قوات حفتر في مدينة الزاوية (45 كلم غرب العاصمة)، التي تضم مصفاة النفط الوحيدة في المنطقة الغربية، والتي لعبت دورا مهما في مقاومة كتائب القذافي إبان ثورة 17 شباط/فبراير 2011.
أما الخطأ الثالث فيتعلق بطول خطوط التموين والإمداد الوعرة، إذ اعتمد جيش حفتر على قاعدة الجفرة (650 كلم جنوب طرابلس) بوابة لاستقبال السلاح والعتاد والمُجندين، مُتفاديا الخط الساحلي السريع، لأنه سيصطدم بقوات مصراتة وسرت. ولذا كانت عمليات الدعم والإمداد صعبة ومُكلفة، فلجأ إلى شراء عناصر من غريان، مُتخذا منها قاعدة متقدمة، لمحاصرة طرابلس من الجنوب، بالإضافة إلى جناحين لمعاودة الانطلاق نحو العاصمة، وهما صبراتة-صُرمان في أقصى الغرب، وترهونة ذات الموقع الاستراتيجي، شرق طرابلس. في المقابل كانت خطوط الإمداد لقوات “الوفاق” المرابطة بين طرابلس ومصراتة، على الطريق الساحلي، قصيرة وسالكة في غالب الأوقات، إضافة لاستخدامها مطار قاعدة بني وليد أيضا.
الخطأ الرابع جسدته الغارات المتكررة على أهداف مدنية، ومنها الغارة الليلية على مركز احتجاز المهاجرين غير الشرعيين في تاجوراء، التي دانتها الأمم المتحدة والدول المعنية بالصراع في ليبيا، بأقصى الشدة، بالرغم من اعتراض الولايات المتحدة على إصدار بيان إدانة من مجلس الأمن. وكانت تلك الغارة الاستهداف الثاني الذي يتعرض له مركز الإيواء التابع لوزارة الداخلية في حكومة الوفاق. والأرجح أن قوات حفتر كانت تستهدف معسكر الضمان في تاجوراء، القريب من مركز تجميع اللاجئين، وهو يحتوي على أسلحة وذخائر، إلا أنها وقعت في مقلب بعد استدراجها إلى هدف مدني. وهكذا باتت الغارة، التي كان يُراد من ورائها الانتقام من هزيمة غريان، عبئا سياسيا وأخلاقيا تنوء به صورة حفتر وجيشه في الإعلام الدولي.
استهداف المستشفيات
كأنَ تلك العملية الوحشية لم تكن كافية، فأردفها ضباط حفتر بغارة أخرى استهدفت مستشفى ميدانيا في جنوب طرابلس، على طريق المطار، يوم 27 تموز/يوليو الماضي، ما أدى إلى قتل خمسة أطباء وجرح ثمانية أشخاص. وسبقتها غارتان على مستشفى في منطقة السواني (25 كلم جنوب طرابلس)، ما حمل منظمة الصحة العالمية إلى دعوة القوى المتحاربة إلى النأي عن استهداف المستشفيات والمراكز الطبية.
وتلت تلك الضربات غارة جوية على حي القلعة في مدينة مُرزُق (جنوب)، أوقعت أكثر من 42 قتيلا، ما زاد من تأليب الرأي العام في الداخل والخارج ضد حفتر وجيشه. من هنا يجوز القول إنه خسر الحرب المعنوية، مثلما خسر المعركة العسكرية، بتوقف قواته عند التخوم الجنوبية للعاصمة.
لكنه حقق هدفا سياسيا مهما بقطع الطريق أمام مشروع الملتقى الوطني، الذي كان مُقررا عقدُهُ في غدامس بين 14 و16 نيسان/أبريل الماضي، واستطرادا فقد أجهض أيضا مبادرة رمت لتوحيد المؤسسة العسكرية، باعتبارها جزءا من مشروع غدامس. وتعود هذه المبادرة إلى 2016 بمشاركة عسكريين من المنطقتين الشرقية والغربية. وفي إطارها وُضع مشروع تضمن المبادئ الحاكمة للمؤسسة العسكرية، بما في ذلك البنية التنظيمية، وتشكلت لجنتان للاتصال بالعسكريين في داخل ليبيا وخارجها كي ينضموا إلى المبادرة، لكنها قُبرت في المهد.
أما الخطأ الخامس فهو الإخفاق الإعلامي، الذي ترتب على التصريحات المتضاربة للقادة العسكريين الموالين لحفتر، الذين أكدوا أكثر من مرة أنهم على بعد 10 كيلومترات من وسط طرابلس، مستخدمين خطابا يُؤجج النعرات القبلية والمناطقية. ومن الأمثلة على الخطاب الإعلامي الفاشل الكلمة المُتلفزة التي ألقاها حفتر يوم 24 الشهر الماضي، وأعلن فيها أن “الجيش سيرفع راية النصر في قلب العاصمة طرابلس قريبا”. متى “قريبا”؟ لم يُحدد حفتر إن كان الأمر يستغرق أياما أم أسابيع أم، ربما، أشهرا… غير أن المؤكد هو أن قصف الأحياء السكنية بالمدفعية الثقيلة والطائرات، وشن غارات جوية على مطار معيتيقة، المنفذ الجوي الوحيد لسكان العاصمة، حتى أن بعض القذائف كانت على قاب قوسين من إصابة طائرة مدنية، أثناء هبوطها في المطار، كلُ ذلك ليس من شأنه أن يُحسن صورة حفتر وقواته لدى سكان العاصمة والمنطقة الشرقية على السواء.
الخطأ السادس له علاقة بطبيعة أنموذج الحكم الأسري الذي كرسه حفتر في المنطقة الشرقية، والذي يُلوحُ بتطبيقه “من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب” إذا ما استولى على طرابلس. إلى ذلك المشروع الاستبدادي يعتزم اللواء المتقاعد توريث الحكم إلى أحد أبنائه، مما يُعيد ليبيا إلى حقبة أسوأ من حقبة معمر القذافي (1969-2011). وإذ يُبرر أنصار حفتر سياسة القبضة الحديدية بمقتضيات مكافحة الإرهاب، يلحظ المراقبون أن انتهاك الحريات وتكميم الأفواه، في بنغازي ومدن الشرق عموما، لا يطالان سوى النشطاء المدنيين من محامين ومهندسين وإعلاميين وأكاديميين. بالمقابل يعتمد جيش حفتر على المداخلة، (أنصار السعودي ربيع المدخلي) المعروفين بغلوهم الديني وتشددهم السياسي، مرجعية فكرية وعقيدة رسمية لقواته.
خمس سنوات من الاستبداد
على مدى السنوات الخمس الأخيرة، استطاع حفتر أن يقضي على أنفاس القوى المدنية، إن كانت صحفا ومحطات إذاعية وتلفزيونية خاصة، أم جمعيات مدنية أم أحزابا سياسية. وتم استهداف النساء الناشطات بشكل خاص، بوسائل الترهيب والابتزاز والسجن. وبينما يُثني مناصروه على دوره في فرض الأمن في المنطقة الشرقية، تتكرر عمليات اختطاف شخصيات عامة من أجل نقدها للنظام السياسي الذي فرضه، وآخرها المحامية وعضو مجلس النواب عن مدينة بنغازي، سهام سرقيوه، التي “خُطفت” بعد ساعات من وصولها المدينة في 18 تموز/يوليو الماضي. كما تعرض زوجها الذي كان يُرافقها إلى الاعتداء وأصيب بطلق ناري في ساقه. وكل بنغازي على علم بأن النائب مختطفة لدى عناصر “الأمن الداخلي” وهو الجهاز الذي يأتمر بأوامر حفتر، وأن ذنبها الوحيد هو تصريحات أدلت بها لإحدى القنوات الموالية لحفتر إبان عودتها من القاهرة إلى بنغازي.
من هنا يبدو النظام الذي شيده حفتر في إقليم برقة، متناغما مع استراتيجيات قوى دولية وإقليمية تخشى من انتشار موجة الحراك السياسي والاجتماعي، الداعي إلى الإصلاح والحريات في العالم العربي. ففرنسا على سبيل المثال تخشى على أمن الأنظمة القائمة في مستعمراتها السابقة، في منطقة الساحل والصحراء. ولذلك تقف باريس خلف حفتر، لفرض قبضة حديدية، تمنع قيام ديمقراطية في ليبيا، مثلما يخشى الفرنسيون أيضا من تداعيات انتصار الثورة السلمية في الجزائر. بهذه الخلفية تقدم تلك الدول والقوى الإقليمية والدولية السلاح والعتاد والتدريب لقوات حفتر كي تقوم حاجزا يحتوي تمدُد رياح التغيير من تونس والجزائر نحو الشرق والخليج.
وفي هذا السياق أكد الموفد الأممي إلى ليبيا غسان سلامة، في إفادته يوم 28 الماضي، أمام مجلس الأمن أن “الدعم الخارجي كان عاملا أساسيا في زيادة الضربات الجوية وتأجيج الصراع داخل ليبيا”. وأوضح في الإفادة نفسها أن “السلاح المستورد الذي دخل البلاد، رافقهُ مقاتلون وطيارون وفنيون أجانب”. أكثر من ذلك، خلص التقرير الذي قدمته هيئة خبراء الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن الدولي، في الشهر الماضي، إلى أن الحكومة القائمة في الشرق والموالية لحفتر تعمل على بيع النفط الخام لحسابها، ما يجعلها تنضم إلى نادي المهربين، وتدخل تحت طائلة العقوبات الأممية. وإذا كانت الحكومة تتصرف بهذه الطريقة الخارجة عن القانون، فكيف ستكون تصرفات الجيش العامل تحت إمرتها؟