ليبيا: التدخل الأجنبي ومستقبل التغيير

حجم الخط
0

الثورة الليبية التي انطلقت من بنغازي وامتدت الى أكثر من منطقة، بدأت من نبض الشارع الذي يعاني الأمرين من حكم القذافي، وقامت على أكتاف شباب يتوقون للتغيير على غرار ثورتي مصر وتونس، إلا أن واقع الحال في ليبيا بعد تدخل حلف الناتو وتوجيه ضربات جوية لتدمير البنية العسكرية التحتية وربما تتبعها المدنية، خلق واقعا مغايرا، وأصبحت حركة الشعب الليبي وثورته على المحك، ولا نغالي إذا قلنا، أن التدخل الأمريكي والأوروبي لا يريد لتلك الثورة النجاح خاصة وأنها أخذت الطابع المسلح. الخوف الأمريكي والاوروبي من الثورة الليبية، يكمن في عدم تكهن استخبارات الدول العظمى عن ماهيتها، خاصة وان دول الغرب لا زالت بحالة ترقب عملية التغيير الديمقراطي بمصر وتونس. فوجهة نظر الغرب تتعلق بالتغيير المتحكم به، كما أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، بخصوص ثورتي تونس ومصر، وما تبعها من حركات مشابهة بأكثر من قطر عربي.

فرغم تكاثر الكرزايات وأشباه المالكي والجلبي الذين ينسقون مع قوات التحالف لحجز مقعد، حتى في بنغازي معقل الثورة، إلا أن هناك عدم ثقة من مستقبل التغيير الحاصل في العالم العربي والذي تريده أمريكا على مقاساتها.

السيناريو الغربي الذي بدأ مع اتخاذ القرار 1973، عقب التفويض العربي لمجلس الأمن، ورغم إعلان ليبيا وقف إطلاق النار، لا يختلف عن السيناريو الأمريكي ضد العراق عام 1991م و2003. وربما يتبع ذلك النفط مقابل الغذاء، وإحكام الحصار البحري حول ليبيا إذا ما استمر القذافي بالحكم وهو المتوقع في ظل انقلاب المعادلة داخل ليبيا حاليا لصالح النظام، وذلك بفضل أمريكا التي استعجلت التغيير، فخلقت واقعا مغايرا ليس في ليبيا، بل بين شعوب البلدان العربية التي لا تثق بأمريكا ولا بأوروبا. التدخل الأمريكي والأوروبي وضع الثورة المسلحة بمأزق، فالشعب الليبي وقبائله لا يمكن أن يقبلوا ثورة أو معارضة يقودها ساركوزي وكاميرون واوباما، فهو شعب غير طائفي وعريق بحرب الاستعمار، لذلك تكون أمريكا قد أفادت نظام العقيد أكثر مما أضرته، رغم كل السيناريوهات القادمة على المنطقة. لا أظن أن أحدا بالعالم يصدق أن أمريكا تحمل الديمقراطية على ظهر بوارجها، وتتباكى على الشعب الذي يذبح من نظام العقيد، فعملية تطبيق الديمقراطية بالعراق كلفت مليون قتيل وتجويع الشعب العراقي ونهب ثرواته. فكل ما تريده أمريكا من ليبيا، هو خلق كيان تابع ضعيف ومريض يعمل بالريموت كونترول من السفارة الأمريكية في طرابلس ويحمل تناقضات سياسية داخل ليبيا كما هو واقع الحال في العراق وأفغانستان.

ويؤمن تدفق النفط الرخيص تحت وصاية الشركات الاستثمارية التي يملكها المحافظون الجدد. وإذا فشل سيناريو إسقاط النظام فالبدائل جاهزة لخلق نظام موال في بنغازي يكون قاعدة أمريكية على شواطئ المتوسط، ومتناقض مع طرابلس بالطبع، وهذا السيناريو المرجح بالمستقبل.

الحالة الليبية كما هو معروف، استثناء كنظام العقيد نفسه، وهذا الذي يمنع أمريكا والغرب من التدخل البري بالوقت الحالي على الأقل، فأمريكا تحسب ألف حساب أن ينقلب السحر على الساحر، وتجد نفسها تغوص بالرمال الليبية، وربما يكون دخول العراق وأفغانستان نزهة غير مكلفة مقارنة بالوضع الليبي.

فهناك بالقارة الافريقية وخاصة شمالها انتشار واسع للحركات السلفية الجهادية والتي كانت شريانا حيويا للإمداد البشري لأفغانستان ومن بعد ذلك العراق. وباعتقادي أن هناك من يتحرق شوقا لدخول أمريكا بدلا من البحث عنها بأماكن بعيدة. ناهيك عن العمق المسلم بوسط القارة الإفريقية والذي سيشكل نقاط إمداد ضد التدخل الغربي. الأفضل للشعب الليبي أن يتصالح مع نفسه والجلوس على كرسي الحوار لخلق واقع سياسي جديد بعيدا عن السيناريو المعد لليبيا، والذي سيدخل الجميع بدوامة غير محمودة النتائج. فالمصلحة الوطنية ومستقبل الشعب الليبي وبنيته التحتية وثرواته أكثر أهمية من مواقف سياسية سوف يدفع الشعب الليبي ثمنها غاليا، وسيجد الجميع أنفسهم يعيشون الخسارة التي ذاقها شعبا العراق وأفغانستان. رأفت العيص – فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية