ما يقارب السنتين منذ اندلاع الثورة، تقريبا سبعة عشر شهرا منذ سقوط العاصمة طرابلس وصدور الإعلان الدستوري ببنغازي، خمسة عشر أشهر منذ إعلان التحرير وبداية العهد الجديد لليبيا. قد لا تكون هذه الأرقام كبيرة في صناعة تاريخ الشعوب، ولكن التاريخ أيضا يصنع بقوة الأحداث وأثارها على الدول. إن حالة الاستقرار والأمن المفقودين في البلاد بعد التحرير، أصبح هاجسا وكابوسا مخيفا انعكس على الواقع الذي يعيشه الليبيين من حذر وترقب والخوف على ضياع ليبيا، ضياع قد نكون نحن وبايدينا السبب الحاسم فية لأقدر الله، بعد ان كانت نفس هذه الايادي السبب الحاسم في الاطاحة بالنظام السابق! ان اشد واكثر ما يأسف علية المرء بعد الأرواح التي زهقت والضحايا الذين كانت دمائهم ثمن لهذه الثورة، هو عدم استفادتنا من ما سخرة الله لنا من موارد طبيعية متعددة وما تملكه بلادنا من موارد بشرية ذات قدرات عالية، لم نستطع حتى ألان إعادة ترتيب البيت الليبي رغم اتفاق الجميع على سرعة البدء في بناء ليبيا الجديدة . ما الذي نريده بعد مرور كل هذه الفترة؟! ولماذا لم تنعم البلاد ولا العباد بالأمن والاستقرار الموعود؟ الكل يقول انه حريص على ليبيا، وما يقومون به ما هو الا لأجل حماية ليبيا والدفاع عنها. وترى الجميع ينادي بدولة الدستور والقانون والمؤسسات ويريدون دولة قوية تفرض سيادتها على كامل التراب، فأصبح الكل يعلن عن راية وهذا مبدأ حضاري وسليم، ولكن الغالبية منهم لا يستمع الا لنفسه ولا بهمه ما يقول الأخر لأنه يرى نفسه هو الثائر والراعي وحتى احيانا الليبي الوحيد من دون الاخرين.. وضاعت بيننا البلاد. ان الواقع المرير والحقائق المؤسفة التي لا نريدها ان تكون هو ما نعيشه الان من تشتت وضعف لا يبشر بالمستقبل المزدهرالموعود.. ليبيا اصبحت برقة، مصراتة، بني وليد، ترهونة، طرابلس، سوق الجمعة، تاجوراء، الزنتان، جبل نفوسة، الكفره، سبها، مرزق، التبو، التوارق، الامازيغ.. هل أصبحت ليبيا جهويه ام قبلية ام فدرالية؟! الجميع شعارهم حماية الثورة والدفاع عنها، ولكن السؤال الحماية والقتال ضد من؟ اذا كان الجميع ثوار وشارك وقاتل من اجل هذه الوطن لماذا التشكيك في وطنية الاخر؟ ان لغة السلاح والقوة بين المناطق هي السائدة.. وتجارب المنازعات في هذه المرحلة واضحة ولا تحتاج الي تعليق. وكأن حلفاء الأمس أصبحوا أعداء اليوم. ان البقاء على هذه الأوضاع والتي يمكن تسميتها بـ ‘الفدرالية الصامتة’ حتى ان لم تعلن هذه الأقاليم او المدن بأنها فدرالية الا ان سلوك وتصرف هذه المناطق ومجالسها المحلية في التعامل وعدم الامتثال لتعليمات وتوجيهات الحكومة ما هو إلا تجسيد للفدرالية، الدولة او الحكومة ليس لها سيطرة فعلية على هذه المناطق ووجودها في بعض تلك الأقاليم والمدن صوريا. ان الذين لم ينضموا تحت مظلة الدولة يمكن اختزالهم في نوعين من المستفيدين على حساب الوطن، الأول ذوي المصالح الشخصية نتيجة تقلدهم مناصب لا يستحقوها او حصولهم على منافع خاصة من الوضع الراهن في البلاد، والثاني المطلوبين قانونيا والمحكومين بقضايا في النظام السابق ولا يروق لهم قيام دولة السيادة والقانون والنوعين يرتدي زيي الثوار، فهم الوحيدين المستفيدين من استمرار بقاء البلاد في حالة مأساوية من تشتت وعدم امن واستقرار.. ان ضعف الدولة الذي يحلو للبعض التغني به ما هو الا درعية لهؤلاء المستفيدين الذين لا يريدون إن ينطوا تحت شرعية الدولة، ان الدولة او الحكومة ليست منزلة علينا من عالم أخر انها افراد من قبائلنا ومناطقنا فان انطوينا تحت شرعيتها سنساهم في قوة الدولة التي ننشدها. ان هؤلاء المستفدين هم من يساهمون في إضعاف أجهزة الدولة الأمنية والسيادية وهم انفسهم من يحدون من فرض سيادة الدولة على المناطق. ان اهم ما يجب ان ندركة نحن الليبيين في هذه المرحلة هو ان الرجوع للماضي مستحيل وان لغة السلاح قد ولت وانتهت لانه لا يمكن لأي منطقة ان تفرض نفسها بقوة السلاح على الاخرين او البلاد. الحوار بيننا وتفهمنا لاراء بعضنا ومتطلبات البلاد في هذه الرحلة الصعبة اساسيات لبناء دولة القانون والمؤسسات. ان قوة الدولة تأتي من قوة ايماننا بحب الوطن والتضحية من اجله وليس التعصب لافراد او للقبيلة او المنطقة على حساب الوطن. لماذا لا نجعل الوطنية والتحلي بخلق ديننا العظيم هما القاعدة والمرجعية لنا في تفسيرنا ومفهومنا للثائر والراعي والليبي؟ ان إجماعنا على حب الوطن يجب ان يكون لنا دافع للحمة الوطنية، ونبذ مبداء الاناء وحب الذات على حساب الوطن. ان حب الوطن وتطلعنا لمستقبل مزدهر وابتعادنا عن الافكار المصلحية والشخصية وتجاوزنا للماضي باحتكامنا وثقتنا بالقضاء هي المفاتيح والارضية التي يجب ان ننطلق منها لعبور هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها وطننا الغالي . سليم الساهبو [email protected]