تلجأ الدول النفطية في العادة إلى استخدام سلاح النفط لتحقيق مصالحها، وليس لضرب هذه المصالح. لكن حالة الصراع السياسي في ليبيا التي اشتعلت مع الفشل في إجراء الانتخابات التي كانت مقررة في الأسبوع الأخير من العام الماضي، انتقلت إلى القطاع النفطي بصورة هزلية، حيث لجأت الميليشيات والقبائل إلى تعطيل الإنتاج والتصدير، بما أدى إلى خسائر كبيرة، تزداد يوما بعد يوم مع ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية. متوسط إنتاج ليبيا في العام الماضي بلغ حوالي 1.2 مليون برميل يوميا. لكنه مع اشتعال الأزمة السياسية هبط في كانون الأول/ديسمبر إلى حوالي 1.1 مليون برميل، ثم إلى 1.07 وواصل الانخفاض في شباط/فبراير ليهبط إلى ما دون المليون برميل يوميا، ويقدر حاليا بنحو 900 ألف برميل يوميا، وهو ما يعني خسارة 300 ألف برميل تعادل 36 مليون دولار يوميا بحساب سعر النفط على أساس 120 دولارا للبرميل، أي ما يتجاوز 13 مليار دولار كان يمكن إضافتها إلى موارد الميزانية الليبية. هذه الخسارة تصيب كل الليبيين، ولا تصب في مصلحة أي طرف من الأطراف، وتشكل تكلفة على الاقتصاد الوطني مع ارتفاع تكاليف استيراد السلع الأخرى بما فيها السلع الغذائية المستوردة. النتيجة إذن هي أن محاولة حسم الصراع السياسي باستخدام سلاح النفط، عن طريق تعطيل الإنتاج والتصدير يمثل سياسة خاطئة يجب أن تقلع عنها الأطراف السياسية المتصارعة، لأنه يسبب خسارة صافية لليبيا كلها شعبا وحكومة وميليشيات.
توزيع القوة السياسية يتبع خريطة النفط
وترسم خريطة توزيع حقول النفط مجالا واضحا لتوزيع القوة بين شرق ليبيا وغربها. وعلى الصعيد التقني والاقتصادي فإن توزيع مناطق الإنتاج يشمل ترابطا بين الحقول ومنظومة خطوط الأنابيب، وموانئ التصدير. وهناك ما يمكن وصفه بالقطاع النفطي لشرق ليبيا يتمثل في منطقة الهلال النفطي في خليج وحوض سرت، كما يوجد أيضا القطاع النفطي في غرب طرابلس وجنوبها، وبه أهم حقلين هما الشرارة والفيل. وتنتج ليبيا من حقول حوض سرت ما يعادل ثلث إنتاجها، في حين أن حقل الشرارة وحده في الغرب ينتج هذا المقدار. وترتبط الحقول المنتجة بشبكات خطوط الأنابيب التي توصل النفط الخام إلى موائى التصدير الرئيسية. وتنقسم هذه الموانئ إلى مجموعتين، الأولى في الشرق تضم السدرة ورأس لانوف وسرت وبرقة والزويتينة وطبرق. ثم مجموعة أخرى في الغرب تشمل ميناء الزاوية وميلليه. كما يوجد في ليبيا حقول للغاز الطبيعي أهمها حقل الوفاء البري وحقل السلام البحري، اللذين يتم تصدير إنتاجهما عبر خط أنابيب «غرين ستريم» إلى إيطاليا. وتعتمد تلك الدولة الأوروبية إلى حد كبير عن النفط والغاز المستورد من ليبيا، ولذلك فإنها أكثر الدول في العالم تضررا من انقطاع أو ارتباك الإمدادات الليبية.
وتعكس المرآة الجيوسياسية في ليبيا حقائق الجغرافيا الاقتصادية لتوزيع النفط. ففي شرق ليبيا يسيطر الجيش الوطني الذي يقوده خليفة حفتر على مناطق حقول الإنتاج وشبكات الأنابيب وموانئ التصدير، كما يوجد البرلمان وهو الهيئة الوحيدة المنتخبة الموجودة في ليبيا في الوقت الحاضر. أما في الغرب، حيث يوجد المقر الرسمي للحكومة، فإن القوات الحكومية وقوات الميليشيات والقبائل هي التي تتحكم في مصير الثروة النفطية. ومن الملاحظ أن تواتر انقطاع الإمدادات في غرب ليبيا أكثر منه في الشرق، وهو ما يتسبب في خسائر كبيرة للقطاع النفطي الليبي ككل نتيجة لأن حقل الشرارة وحده ينتج ما يعادل ثلث الإنتاج الليبي. هذه العلاقة بين الحقائق «الجيونفطية» و«الجيوسياسية» تغري أطراف الصراع المختلفة، بما فيها الجماعات غير المنظمة مثل القبائل والميليشيات باستخدام النفط كسلاح سياسي للضغط على الآخرين بغرض تحقيق مكاسب، أو حتى لمجرد الاحتجاج على إجراءات تتعارض مع مصالحهم. فيكفي على سبيل المثال أن تقوم إحدى القبائل القريبة من خطوط الأنابيب بإغلاق محابس تدفق النفط، فيؤدي ذلك إلى أن تسارع الشركة المنتجة بوقف الإنتاج في حقل ربما يبعد بمسافة كبيرة عن مضارب القبيلة. ويكفي أيضا أن تتجه قوة عسكرية متمردة إلى أحد الموانئ النفطية واحتلاله، لكي تتوقف عمليات شحن الخام من الميناء، ووقف الإنتاج إذا لم تتوفر سعة تخزينية. وهكذا فإن الظاهرة العادية لطبيعة الإمدادات النفطية من ليبيا إلى العالم تتميز بالاضطراب والانقطاع وليس بالاستقرار، وهو ما أسقط ليبيا تقريبا من حسابات عملائها السابقين.
المأزق الحالي
تبدو الصورة ضبابية في غرب ليبيا، خصوصا في طرابلس ومصراتة، حيث تتوزع الولاءات بين عبد الحميد الدبيبة رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، الذي يرفض تسليم مقار الحكم، وبين فتحي باشاغا رئيس الوزراء المكلف من البرلمان الذي حلف اليمين فعلا وحازت حكومته على الثقة، لكنه لم يتسلم مقار الحكم في طرابلس حتى وقت كتابة هذه السطور. ويضيف موقف الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ستيفاني وليامز إلى ضبابية الموقف، حيث أعلنت خريطة طريق تتعارض مع تلك التي تبناها مجلس النواب.
وكان من المفترض إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في الأسبوع الأخير من العام الماضي طبقا لخريطة الطريق التي نتجت عن مؤتمر برلين ومفاوضات جنيف التي ترعاها الأمم المتحدة، التي تهدف إلى إعادة البناء السياسي والاقتصادي وإحلال الاستقرار في ليبيا. لكن خريطة الطريق تلك ثبت أنها كانت غير عملية، وأن الأطراف الحاكمة على الأرض تظاهرت بقبولها من أجل إرضاء الأطراف الخارجية. ومن ثم فإن الانتخابات تأجلت فعليا على غير إرادة الأمم المتحدة، التي بالغت كثيرا في طموحاتها بالنسبة للتسوية السياسية هناك. ومع تأجيل الانتخابات ثارت مشكلة قانونية بشأن شرعية حكومة عبد الحميد الدبيبة. ونظرا لأن مصدر الشرعية الوحيد المتبقي حاليا هو البرلمان الليبي المنتخب في عام 2014 برئاسة عقيلة صالح، فقد قرر البرلمان وضع خريطة طريق جديدة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بعد 14 شهرا، وتشكيل حكومة جديدة للبلاد تم التوافق على أن يرأسها وزير الداخلية الأسبق فتحي باشاغا. وقد خلفت هذه التطورات السياسية حالة من الارتباك الشديد في القطاع النفطي الذي يشهد بالفعل منذ أكثر من عام خلافات حادة بين وزير النفط محمد عون، وبين رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله. ومع رفض الدبيبة قرارات مجلس النواب، فقد وجد حلفاؤه مصلحة لهم في استخدام سلاح النفط من أجل زيادة المشهد السياسي ارتباكا، وإصابة مؤسسة النفط والبنك المركزي بالمزيد من الخسائر الناتجة عن اضطراب الإمدادات والتصدير والايرادات التي تمثل المصدر الرئيسي لتمويل احتياجات الحكومة ودفع رواتب الجيش والموظفين. ومع ان مصطفى صنع الله كان يطمح إلى زيادة الاستثمارات في القطاع النفطي ككل بهدف زيادة الإنتاج إلى حوالي مليوني برميل يوميا في العام الحالي، فإن مخصصات الاستثمار توقفت تقريبا، كما زادت الأعطال في قطاع النفط على كل المستويات. وبدلا من أن يزيد الإنتاج بمقدار 800 ألف برميل يوميا ليحقق 2 مليون فإنه انخفض بحوالي 300 ألف برميل يوميا ليهبط إلى أقل من 900 ألف برميل.
وتوجد في الوقت الحاضر ثلاثة محركات تغذي مأزق القطاع النفطي، الأول هو النزاع السياسي بين حكومتين، واحدة حصلت على ثقة مجلس النواب، وثانية ترفض تسليم السلطة، تساندها جزئيا قوات من الجيش الرسمي وميليشيات القبائل وميليشيات مصراته. والثاني هو النزاع الإداري الممتد بين رئيس المؤسسة الوطنية للنفط وبين الوزير المختص بقطاع النفط والغاز. والثالث هو كثرة الأعطال الفنية نتيجة تقادم خطوط الأنابيب ومعدات تشغيل حقول الإنتاج. وتؤدي كثرة الأعطال إلى اضطراب الإمدادات بصرف النظر عن الظروف السياسية أو ظروف الأحوال الجوية. وما تزال هناك الكثير من القضايا المعلقة التي لم يتم حسمها خلال السنوات الماضية تتعلق بتسوية مدفوعات الصادرات النفطية، وكيفية توزيع حصيلة الصادرات على أقاليم الشرق والغرب. وسوف تزداد حدة الخلافات بشأن هذه القضايا، خصوصا مع الاتهامات الموجهة إلى رئيس الوزراء المنتهية صلاحيته عبد الحميد الدبيبة، بإهدار مليارات الدولارات، وفساد الإدارة، والتربح هو وأقاربه من فترة رئاسته للحكومة عن طريق إرساء مشروعات مبالغ في قيمتها على أقاربه ومحاسيبه الموالين له.
وعلى الرغم من زيادة احتياج أوروبا إلى النفط والغاز من ليبيا، بغرض تخفيف اعتمادها على إمدادات الطاقة الروسية، فإن استمرار الأزمة السياسية الليبية يحول دون حصول أوروبا على هذه الإمدادات بشكل منتظم. وبدلا من أن تسهم ليبيا في زيادة الإمدادات العالمية خلال هذه الفترة الحرجة بما يحقق قدرا من الاستقرار في الأسعار، فإنها تقف مكتوفة الأيدي في انتظار حل مشاكلها أولا قبل أن تحاول الاشتراك في حل مشاكل الآخرين. ولا تلوح في الأفق حتى الآن علامات تشير إلى الطريق الذي يمكن أن تسير فيه الأزمة الليبية بعد فشل خريطة الطريق التي وضعتها الأمم المتحدة، وبوادر نزاع بين مشروعين. ومن المثير للاستغراب أن المبعوثة الخاص للأمم المتحدة ستيفاني ويليامز ما تزال تعتبر حكومة عبد الحميد الدبيبة هي الحكومة الشرعية للبلاد، وهو ما سيعقِّد إمكانات تصدير النفط الليبي وتسوية مدفوعاته، ويزيد من المأزق الذي يواجهه القطاع النفطي، ويزيد أيضا من تشبث الدبيبة بعدم تسليم المقرات الحكومية سلميا للحكومة الجديدة التي يرأسها باشاغا.