ليبيا تغرق أكثر فأكثر في مستنقع الوصاية الدولية والحلُ في تمديد الفترة الانتقالية

رشيد خشانة
حجم الخط
0

كانت “حرب طرابلس” التي طوت شهرها الثاني الثلاثاء الماضي، المحور الرئيس في الاجتماع الذي عقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأربعاء الماضي مع المستشارة الألمانية انغيلا ميركل، بمدينة بورتسموث الانكليزية، بعدما حضر مراسم الاحتفال بالذكرى الخامسة والسبعين ليوم الإنزال، في نهاية الحرب العالمية الثانية. هل هذا مؤشرٌ على إرادة دولية بإنهاء الأزمة في ليبيا في وقت قريب؟ وهل القوى الدولية معنية أصلا بتسوية الأزمة سلميا؟ وهل هي قادرة أيضا على تطويقها، بعد ثماني سنوات من الفوضى العارمة؟ الجواب على هذه الأسئلة أتى بصيغة مقتضبة جدا، بعد لقاء ترامب-ميركل، مفادها أن “أي قرار أو ترتيب (يجب أن) يمر عبر المنظمة الأممية”. وهذا يدلُ على رغبة في منح الدور المركزي للأمم المتحدة في هذه المرحلة، أولا لتأمين غطاء شرعي للأدوار التي تلعبها قوى دولية كثيرة في الصراع الليبي-الليبي، وأيضا لأن الهاجس الأكبر الذي يشغل تلك القوى هو الهاجس الأمني. ويمكن أن نستشف ذلك من العبارة المقتضبة التي صرحت بها سارة ساندرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، بعد لقاء ترامب-ميركل، حين قالت إن الرئيس والمستشارة “بحثا الأوضاع في ليبيا وغرب أفريقيا” وهي أمارة على الترابط بين الوضع هنا وهناك.

“عمليات جراحية”

في ضوء العناوين الكبرى للسياسة الأمريكية تجاه ليبيا، في السنوات السبع الأخيرة، يمكن التقاط سمتين بارزتين، أولاهما الانسحاب (المؤقت؟) من الساحة الليبية، منذ اغتيال السفير الأسبق ستيفنز في بنغازي العام 2012، وثانيا الاقتصار على الأعمال العسكرية الدقيقة، المُندرجة في إطار الحرب على الإرهاب، اعتمادا على ضربات جوية توصف بـ”العمليات الجراحية” وتستهدف أشخاصا يشتبه بضلوعهم في شبكات إرهابية. ولا تقتصر تلك العمليات على ليبيا، وتحديدا الجنوب، وإنما تشمل أيضا منطقة الساحل والصحراء، التي أشارت إليها المتحدثة باسم البيت الأبيض بعبارة “غرب أفريقيا”. وتشكل القيادة المركزية لأفريقيا، المعروفة باسم “أفريكوم” الذراع الطويلة للولايات المتحدة، التي تُسدد بها الضربة تلو الضربة، لمن ترشحهم المخابرات للتصفية أو الاعتقال (مصطفى الإمام، أحمد أبو ختالة…). بهذا المعنى لا يريد الأمريكيون أن تكون ليبيا أفغانستانا ثانية أو عراقا آخر، وهم يكتفون بالتنسيق مع الدول الأكثر تأثيرا في الوضع الليبي، وتحديدا فرنسا وإيطاليا. غير أن هذين الغريمين عرقلا بعضهما البعض، إذ نجح كل منهما في إحباط أية مبادرة يتخذها الآخر، ما جعل قبضة الوصاية الأممية تشتد على ليبيا أكثر فأكثر.

على هذه الخلفية، فشلت اللقاءات التي دعا لها الفرنسيون (باريس/ مايو 2018) والإيطاليون (باليرمو/ نوفمبر 2018) لكن باتت منافستهما العنيفة تُدارُ بلا أقنعة، وبالاعتماد على حلفاء محليين لا يقبلون بأي نوع من الحلول السياسية، ولا يبحثون عن توافق مع خصومهم من أجل العيش المشترك.

وصاية أممية

ما من شك بأن هناك عناصر ذاتية ساهمت إلى حد كبير في إحكام قبضة الوصاية الخارجية على البلد، ومنها الصراع الشديد بين الأصولية الاسلامية والليبراليين، وبين دعاة الفدرالية والمتمسكين بوحدة ليبيا، وبين المدافعين عن معاودة بناء مؤسسات الدولة ومن يشجعون الأجسام المسلحة التي تشكل تهديدا للدولة. وتتغذى هذه الانقسامات من التعارض القائم بين أقاليم ليبيا الثلاثة، الشرق والغرب والجنوب، إذ يقول سكان برقة (شرق) إن 80 في المئة من ثروات البلد النفطية والغازية موجودة على أراضيهم، فيما تُحول إيرادات تصدير تلك الثروات إلى مؤسسة النفط الوطنية ومصرف ليبيا المركزي الموجودين في طرابلس (غرب).

 بالمقابل، يستدل الطرابلسيون على أحقيتهم بالثروة بأن المنطقة الغربية، وخاصة طرابلس، تضم ثلثي السكان. يُضاف إلى ذلك تعارضٌ آخر، يتعلق ببنية الدولة المنشودة، بين غالبية الطرابلسيين والمصراتيين، المدافعين عن وحدة الدولة الليبية من جهة، وغالبية البرقاويين الساعين إلى إقامة دولة فدرالية يعتبرونها الضامن الوحيد لحماية مصالحهم. وإلى جانب هذا الاستقطاب البارز، تشق المشهد الليبي نزعات ثقافية وقبلية أخرى، من بينها الأمازيغية والطوارقية. وساهمت هذه العناصر الذاتية، إلى جانب التأثيرات الخارجية، في تعطيل مسار الانتقال الديمقراطي في ليبيا منذ ما لا يقلُ عن سبع سنوات.

يتماهى الموقف المصري من الصراع في ليبيا مع الموقف الروسي، فالقاسم المشترك بينهما هو القائد العسكري للمنطقة الشرقية خليفة حفتر. وتراهن القاهرة وموسكو على قدرته المفترضة على تجميع أوسع ما يمكن من السلطات بين يديه بالقوة، بما فيها الزحف على طرابلس، في إطار ما دعاها “عملية طوفان الكرامة”. ويُبرر المؤيدون لحفتر موقفهم بتعلة أنه الوحيد القادر على معاودة بناء دولة قوية في ليبيا وجيش نظامي كفيل بإنهاء الفوضى وضبط الجماعات المسلحة.

مبادرات الحلحلة

إلا أن مسار العملية السياسية، منذ الإعلان الرسمي عن “تحرير ليبيا” في 23 تشرين الأول/اكتوبر 2012، بعد ثلاثة أيام من مقتل الزعيم الراحل معمر القذافي، أظهر أن اللواء المتقاعد حفتر شكل عقبة أمام المبادرات الرامية لحلحلة الأزمة الليبية، ووضعها على سكة الحل السياسي. وفي أعقاب انتخاب أعضاء المؤتمر الوطني العام (برلمان انتقالي) في تموز/يوليو 2012، تعددت الاستقطابات والانقسامات التي قادت إلى صراع عنيف في 2014، مع انتخاب أعضاء مجلس النواب (200 عضو) وتعرُضه لشلل شبه تام.

في المحصلة، تعترف القوى الدولية، التي باتت تمارس وصاية واضحة على ليبيا، بسلطتين تعتبرهما شرعيتين، هما مجلس النواب برئاسة عقيلة صالح، والمجلس الرئاسي برئاسة فائز السراج، المُنبثق من اتفاق الصخيرات سنة 2015. إلا أن ما تحتاجه ليبيا اليوم هو فترة انتقالية إضافية تبدأ بمؤتمر يضم جميع القوى الرافضة للعنف، يُعقد داخل ليبيا، بدور فعال للمجتمع المدني، وخاصة البلديات، وبإشراك القيادات القبلية وعناصر النظام السابق التي لم تتورط في أعمال قمع أو فساد، كي لا يبقى أحدٌ خارج الوفاق، بمن في ذلك دعاة العودة إلى الملكية. ولابد أن يترافق هذا المسار مع توحيد المؤسسات السيادية، وخاصة الجيش والأمن والمؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي.

لكن في الواقع، تعترف القوى الدولية بسلطتين، تعتبرهما شرعيتين، هما مجلس النواب برئاسة عقيلة صالح، والمجلس الرئاسي برئاسة فائز السراج، المُنبثق من اتفاق الصخيرات سنة 2015، وباتت تلك القوى الكبرى تمارس وصاية واضحة على ليبيا. من هنا تأتي أهمية استرداد الليبيين قرارهم ومصيرهم، على أن تبدأ الفترة الانتقالية الإضافية، بمؤتمر يضم جميع القوى الرافضة للعنف، يُعقد داخل ليبيا، بدور فعال للمجتمع المدني، وخاصة البلديات، وبإشراك القيادات القبلية وعناصر النظام السابق، التي لم تتورط في أعمال قمع أو فساد، كي لا يبقى أحدٌ خارج الوفاق، بمن في ذلك دعاة العودة إلى الملكية.

حكومة تكنوقراط

على هذا الأساس لابد من تمديد الفترة الانتقالية، وتشكيل حكومة تكنوقراط تدير المرحلة، يُراقبها مجلس يتألف من القيادات المدنية والقبلية والسياسية، للعمل على إعادة بناء مؤسسات الدولة وإبعاد الأجسام المسلحة عن المدن وتجميع الأسلحة. وتستطيع هكذا حكومة، إذا ما حظيت باعتراف دولي ودعم من غالبية القوى الداخلية، أن تُشرف على إجراء استفتاء على مشروع الدستور ووضع خطة لإنعاش الاقتصاد، واستطرادا إجراء انتخابات حرة وشفافة. لكن هل يمكن أن يتم كل ذلك في ظل وجود حفتر، وفي ضوء خططه الرامية للقبض على مفاتيح السلطة في طرابلس؟ طبعا الأمر في غاية الصعوبة، غير أن أوروبا، التي تقول إنها تتطلع إلى أنظمة ديمقراطية في الضفة الجنوبية للمتوسط، لتكون شريكة لها وتبسط الأمن في المنطقة، تملك أوراقا كثيرة لممارسة ضغط كاف من أجل دفع أطراف النزاع إلى العودة إلى مائدة الحوار، في أفق حل سياسي يحقن الدماء، ويُنهي المرحلة الانتقالية بأقل الخسائر الممكنة.

وفي غياب مثل هذا الحل، ستكون الأسلحة المتدفقة على الفريقين برميل بارود لن يستطيع أحد تطويقه وامتصاصه، كما ستكون طعاما لحرب أهلية شاملة لم تشهد ليبيا مثيلا لها، بتداعياتها الاقليمية والدولية المدمرة. ومن بين تلك التداعيات، يُقدر خبراء استراتيجيون عدد البلدان التي تتأثر سلبا بانزلاق ليبيا نحو حرب أهلية بـ14 بلدا من بلدان الجوار، القريب والبعيد. وبالرغم من هزيمة تنظيمات مثل “داعش” و”القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” فإن مراكز التدريب الحالية في ليبيا ما زالت تُخرج الإرهابيين، الذين يتسللون إلى بلدان أخرى، وأساسا بلدان الساحل والصحراء، لتنفيذ عمليات استعراضية. كما يشير الخبراء إلى أن 80 في المئة من المتدربين في معسكرات ليبيا ليسوا من الليبيين.

قُصارى القول إن المسؤولية الأولى تعود لليبيين أنفسهم للبحث عن مربع مشترك يُقربُ بينهم ويدرأ عنهم لظى الضغوط الدولية الخانقة، على نحو يحدُ من التأثيرات السلبية لانقسام المواقف الدولية من الأزمة، ويمنح مواطنيهم بصيصا من الأمل، بعد ثماني سنوات من القتل والدمار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية