لا يمكن التكهن بمآلات الحرب الضارية التي تدور رحاها في جنوب العاصمة الليبية طرابلس، فالطرفان المتحاربان جمعا في الأسابيع الأخيرة من الأسلحة المتطورة والمقاتلين غير الليبيين ما لم يفعلاه في الماضي. وإذا كان الصراع لم يُحسم في الأسابيع الأولى من إطلاق اللواء المتقاعد خليفة حفتر، حملته العسكرية على طرابلس في نيسان/ابريل الماضي، فلأن كفَتي الميزان العسكري كانتا متقاربتين، مما حول المواجهة إلى حرب مواقع على مدى ثمانية أشهر. أكثر من ذلك، تمكنت القوات الموالية لحكومة الوفاق، برئاسة فايز السراج، من استعادة مدينة غريان الجبلية (80 كلم جنوب طرابلس)، التي كانت القاعدة المتقدمة لقوات حفتر.
ما غيَر المعادلة هما مستجدان بارزان أولهما حصول حفتر على أسلحة متطورة، من بينها منظومة الدفاع الجوي الروسية “بانتسير أس1” التي مكنته من تحقيق تفوق جوي ساحق. أما العنصر الثاني فتمثل في استقدام حفتر آلاف المقاتلين من روسيا والسودان لتعزيز صفوفه. وكشف تقرير أعدته لجنة شكلتها الأمم المتحدة أن قوات الشرق اشترت أسلحة مختلفة، بالرغم من حظر مجلس الأمن تصدير السلاح إلى ليبيا، من بينها خافرة سواحل من شركة هولندية كانت اقتنتها، بدورها، من الحكومة الإيرلندية.
روس وسودانيون
لهذا السبب اعتبرت اللجنة الأممية أن الحظر لم يكن فعالا، وأن الخروق لا يمكن إحصاؤها، بالنظر لحجم الأسلحة التي يتم نقلها إلى ليبيا عبر القنوات البرية والجوية. وصرح رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة في الإطار نفسه بأن “الأسلحة ما انفكت تتدفق على ليبيا من كل الجهات”.
من جهة أخرى أفاد التقرير الأممي أن أكثر من ألف مقاتل من “قوات الدعم السريع” السودانية التحقت بقوات حفتر، وانتشرت في الجبهات الليبية منذ 25 تموز/يوليو الماضي، بإشراف قائدها اللواء محمد حمدان دقلو. وأتى إرسال تلك الميليشيات إلى ليبيا، بحسب التقرير الأممي، بناء على اتفاق وقع عليه كل من اللواء دقلو باسم المجلس العسكري الانتقالي ومندوب شركة “ديكنز أند مادسن” الكندية يوم 7 أيار/مايو الماضي في الخرطوم. وتعهدت الشركة بتأمين أموال من قيادة قوات الشرق الليبي لحساب “|المجلس العسكري الانتقالي” في السودان، في مقابل تقديم دعم بشري لقوات حفتر، بحسب ما جاء في أحد ملاحق التقرير الأممي. وأوضح محررو التقرير الأممي أنهم مازالوا يُدققون في العلاقة بين الشركة الكندية ونشر الميليشيات السودانية في ليبيا. وحذروا من “أن تورُط أطراف إقليمية ودولية، حكومية وخاصة، في الصراع الليبي مستمرٌ وهو في تزايد” على ما قالوا في التقرير. بالمقابل أرسلت تركيا إلى قوات “الوفاق” أكثر من خمسين مدرعة، بالإضافة إلى الطائرات المُسيرة من طراز “بيرقتار” وأسلحة ومعدات أخرى.
تسارع التداخلات الدولية
وفي خط مُواز أرسلت موسكو فرقة من كتيبة “واغنر” مؤلفة من1400 من المرتزقة الروس، المدربين تدريبا جيدا على استخدام أنظمة أسلحة حديثة، سلمتها الإمارات والأردن ومصر إلى جيش اللواء حفتر. وبدأ دخول الروس بتغيير مسار الحرب لصالح الأخير، بحسب خبراء عسكريين أكدوا أن التكنولوجيا التي وهبتها الإمارات، قدمت مساعدة ثمينة لمنع طائرات “بيرقتار” التركية المُسيرة، من السيطرة على الأجواء الليبية.
ولم يُخف المبعوث الأممي غسان سلامة استغرابه من تسارع التداخلات الدولية والإقليمية في الأزمة الليبية، إذ خرج عن تحفظه المعهود، وأشار بالإصبع إلى ما دعاه “نشاط مرتزقة يدعمون طرفي الحرب” مُوضحا أن مرتزقة من جنسيات متعددة، بمن فيهم الروس، يأتون لدعم قوات حفتر في طرابلس. كما أن هناك أيضا تقارير تتحدث عن مجموعات ناطقة باللغة العربية، من المحتمل أن تكون أتت من سوريا، لدعم حكومة الوفاق، بالإضافة إلى وصول عدة طائرات من سوريا إلى مطار بنغازي، من دون الكشف عن طبيعة حمولاتها.
كان من الواضح أن هذا السباق يُمهد لمعركة جديدة تحاول قوات حفتر من خلالها السيطرة على طرابلس، بعد إخفاق المحاولات السابقة. ويقول الدكتور علي الحوات، أستاذ علم الاجتماع بجامعة طرابلس لـ”القدس الأسبوعي” إن “ليبيا لم تعرف في تاريخها صراعا مسلحا بالطريقة التي تتم بها الآن، وخاصة منذ 2014، فمن الصعب تصنيف الصراع في قاموس الحروب والصراعات، لأنه يرتدي عدة مظاهر وأساليب مختلفة، إضافة إلى كونه مُدعَما ومُخططا له من الخارج، بحيث يمكن القول إنه صراع إقليمي ودولي على الأراضي الليبية، أو ما يُعرف بالحرب بالوكالة”. واعتبر الحوات أن “الليبيين يحاربون بعضهم البعض، من أجل مصالح غيرهم إقليميا ودوليا. ولتبرير هذه الحرب يُغلفونها بشعارات مقبولة من جماعات سياسية أو أيديولوجية تتعدى أهدافُها ليبيا ومصالحها في الاستقرار والبناء”.
قوة عسكرية اقليمية
من هنا بحثت حكومة الوفاق عن حليف قوي لتعديل الكفة بشكل سريع، بُغية قطع الطريق أمام تحقيق قوات حفتر مكاسب على الأرض. والتفتت إلى الحليف الأكبر تركيا بوصفها القوة العسكرية الاقليمية التي تستطيع أن تُحدث التوازن مع القوى الداعمة لحفتر، فتم الوصول إلى الاتفاقين الأخيرين بين الرئيس التركي اردوغان ورئيس حكومة الوفاق فائز السراج. ويجيز أحد الاتفاقين إرسال قوات تركية إلى ليبيا. ثم صدق البرلمان التركي الخميس على الاتفاق، لكن الأرجح أن أنقرة ستتريث في إرسال قواتها إلى ليبيا، وستُراقب تطور الأوضاع العسكرية هناك، فإذا ما تقدمت ميليشيات حفتر في محاور رئيسة، أو انتزعت مواقع حساسة من قوات “الوفاق” في طرابلس، ستتحرك القوات التركية إلى ليبيا. ومن المؤكد أنها جاهزة للطيران في وقت سريع. أما إذا ما استمرت حرب المواقع، مع تقدم هنا وتراجع هناك، من دون تغيير استراتيجي في الأوضاع، فإن الأتراك سيميلون إلى التريث والمراقبة. ومردُ ذلك إلى أنهم لا يرغبون بإثارة أزمة مع بلدان الاتحاد الأوروبي حاليا، ولا بتصعيد الخلاف مع المعارضة التركية في الداخل، التي صوت 184 من نوابها في البرلمان التركي ضد نشر قوات في ليبيا. ويرى بعض الدبلوماسيين الغربيين أن المفاوضات، إذا تمت، ستشبه صيغة أستانا بشأن سوريا، التي بقيت فيها الدول الغربية بعيدة عن مراكز القرار، في حين أن بوتين واردوغان أوجدا حقائق على الأرض مع إيران.
حرب الطائرات المسيرة
ويقول خصوم حكومة “الوفاق” إنها تعتمد على قوات تشادية، كما ذكروا أن مقاتلين سوريين، تدعمهم تركيا، وصلوا فعلا إلى العاصمة طرابلس للمشاركة في الحرب الأهلية، لكن لم تؤكد ذلك حتى يوم أمس مصادر موثوق بها. وكيفما كان الحال، فإن ليبيا باتت حقلا واسعا لاختبار التكنولوجيا التركية وفحص أحدث الأسلحة التي تملكها، مثل الطائرات بدون طيار. ومن هنا فإن الصراع الجاري في ليبيا يشكل أكبر حرب استخدمت فيها الطائرات المسيرة بهذا الشكل الواسع.
على هذه الخلفية يعتبر الدكتور علي الحوات أنه “يمكن النظر إلى الصراع الدائر في ليبيا من زوايا مختلفة، بينها الصراع السياسي، إذ يحمل كل طرف من أطراف الصراع رؤيته الخاصة للدولة وإدارتها ومرجعيتها الأيديولوجية، وهي رؤى لا تخص ليبيا، بل لها امتدادات في الخارج العربي والدولي”. وهناك أيضا صراع عسكري يعتمد على الكتائب المسلحة أو الميليشيات، التي لم تكن في الأصل جزءا من القوات المسلحة الليبية النظامية، لكنها حصلت بشكل أو آخر على شرعية عسكرية رسمية، من هذا الطرف أو ذاك، في منظومة السيادة الليبية.
استقرار تدريجي في الجوار
وإذا لم تُحسم حرب طرابلس عسكريا في الأسابيع المقبلة، من المُرجح أن تُمنح فرصة لدول الجوار كي تبحث عن مخرج سياسي من الأزمة، يتعزز لاحقا بتزكية أممية، خاصة بعدما صارت هناك حكومة مستقرة في كل من الجزائر وتونس، الجارين الرئيسيين لليبيا من الناحية الغربية. ومن المؤشرات البارزة على ذلك تأكيد الحكومة التونسية الجديدة أن الملف الليبي “سيكون ضمن أولوياتها” بعدما انضمت إلى مجلس الأمن اعتبارا من الأول من كانون الثاني/يناير الجاري، بوصفها عضوا غير دائم لمدة عامين. وتُبصر الجزائر اتجاها مماثلا نحو الاستقرار التدريجي، مع تشكيل حكومة جراد، التي أكدت أنها ستقدم عدة مبادرات، “في اتجاه الحل السلمي للأزمة في ليبيا”، خلال الأيام المقبلة، مع تشبث الجزائر برفض وجود أية قوة أجنبية، مهما كانت، على الأراضي الليبية.
وبالرغم من البيانات الصاخبة في القاهرة ضد الدور التركي في ليبيا، ليس مستبعدا أن يتم إحياء المبادرة الثلاثية بين مصر والجزائر وتونس، من أجل دفع الفرقاء الليبيين إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى مائدة المفاوضات، بغطاء أممي، وهو ما تسعى إليه كل من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، ظاهريا على الأقل. وفي هذا النطاق أجرى وزير الخارجية الإيطالي لويجي دي مايو، سلسلة من المكالمات الهاتفية، مع نظيره الأمريكي مايك بومبيو، ونظرائه الأوروبيين والمغاربيين “لبحث الوضع الحساس على الأرض في ليبيا” بحسب وكالة “أكي” الايطالية.
مكاسب استراتيجية
لكن الأرجح أن “ديبلوماسية الهاتف” هذه لن توقف الحرب المندلعة في التخوم الجنوبية لطرابلس، لأن الصراع مُتجهٌ أكثر فأكثر نحو التعقيد، وخاصة لأن الأوروبيين فقدوا دورهم عمليا بعدما صارت اللعبة روسية-تركية. واستطرادا سيكون اللقاء الحاسم في هذا الإطار هو الاجتماع المقرر لوقت لاحق من هذا الشهر بين اردوغان وبوتين. وفي ضوء نتائج هذا الاجتماع سيتحدد مصير مؤتمر برلين ومخرجاته، إذ لن يكون في مقدور الأوروبيين، فضلا عن دول الجوار، أن يتخذوا أي قرار جاد ما لم يُعط الروس والأتراك موافقتهم عليه. واللافت هنا أن تركيا ستتعاطى مع الأزمة الليبية اعتمادا على خبرتها في إدارة الأزمة السورية، ما سيجعلها أكثر قدرة على حصد مكاسب استراتيجية واقتصادية من وراء دورها في ليبيا، التي تفوق سوريا من حيث الثروات، وهي من أعطى تركيا، بموجب الاتفاق الأخير مع السراج، أحقية الوصول إلى منابع الغاز في شرق المتوسط. وفي السياق رأى بعض الدبلوماسيين الغربيين أن المفاوضات في شأن إنهاء الحرب في ليبيا، ستكون شبيهة بصيغة أستانا بشأن سوريا، التي بقيت فيها الدول الغربية بعيدة عن مراكز القرار، في حين أن بوتين واردوغان أوجدا حقائق على الأرض مع إيران.