ليبيا عادت مرة أخرى إلى وضع النزاع بين الحكومتين وسط انشغال الخارج بغزو أوكرانيا

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

في ظل انشغال العالم بأحداث أوكرانيا غابت معظم القضايا الساخنة في المنطقة العربية عن ساحة الاهتمام، فعنوان المرحلة في الصحافة الغربية هو فلاديمير بوتين وكيفية هزيمته وإلا فنحن نقف على أبواب مرحلة ما بعد العصر الأمريكي كما كتب فريد زكريا في صحيفة «واشنطن بوست» (10/3/2022). ولكن المشاكل التي تواجه ليبيا من عودتها إلى مرحلة الحكومتين والخلاف بين طرابلس وطبرق غاب عن ساحة النقاش مع ان البلد يتأثر بما يحدث في روسيا وسط المخاوف المتزايدة من انقطاع سلاسل التوريد وزيادة أسعار المواد الغذائية. فروسيا وأكرانيا تعتبران سلة غذاء عالمية من ناحية إنتاج القمح والذرة والحنظة السوداء وزيت الذرة. وليبيا تحديدا اتفقت مع أوكرانيا عام 2009 لزراعة 100.000 هكتار للاستهلاك المحلي. وحذر الخبراء من امكانية إشعال زيادة الأسعار بسبب انقطاع القمح وزيادة أسعار الخبز الاحتجاجات الشعبية والتي شهدها العالم العربي منذ عقد ولا تزال ليبيا تعيش آثارها. وهناك ملمح آخر من آثار الغزو الروسي لأوكرانيا يتعلق بمحاولة روسيا تعميق وجودها وتأثيرها في القارة الأفريقية. وكما لاحظت مجلة «إيكونوميست» (12/3/2022) فالتأثير الروسي المتزايد في الدول المتهالكة من القارة نابع من الحنين للماضي عندما تبنت عدة دول في أفريقيا الأيديولوجية السوفييتية إضافة للسلاح حيث تعتبر روسيا من أهم المصدرين له لدول القارة، كما وأرسلت مرتزقتها إلى مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى إضافة إلى ليبيا والسودان، مقابل الحصول على امتيازات في مجال التعدين والتنقيب عن الذهب. والملاحظ أن علاقة روسيا التي تعتبرها بعض دول القارة وريثا للاتحاد السوفييتي تقوم اليوم على المصالح لا الأيديولوجيا. وتعد روسيا واحدا من المنافسين في الساحة وهي ليست لاعبا كبيرا مثل الصين والولايات المتحدة مثلا. ولكنها تحاول انتهاز أي فرصة تسنح لها لتعميق علاقاتها مع دول المنطقة. ولهذا تقبلت بعض الدول الرواية الروسية أو تعاطف سكانها مع الموقف الروسي من الحرب وحمل الناتو مسؤولية المأزق الحالي، كما ورد في عدد من دول القارة ورصدته صحيفة «الغارديان»(11/3/2022) و «واشنطن بوست»(10/3/2022). ونظر بعض المواطنين في الاقتصاديات الناشئة إلى أوكرانيا بشعور أن هذه المعركة لا تهمهم ولديهم مصالح قومية مقنعة ضد عزل روسيا. في وقت حاول بعض المحللين في هذه الأجزاء من العالم تقديم تحليلات رأوا فيها أن النزاع الحالي هو مجرد لعبة شد حبل ميكافيلية بين واشنطن وموسكو وليس معركة بين الخير والشر كما يصورها الغرب وإعلامه. وحاولت دول الجنوب تحويط رهاناتها ومارست ما رأته «حيادا» حتى حلفاء الولايات المتحدة، كما بدا من مواقف دول الخليج. وفي ليبيا شجبت حكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس الغزو ودعت إلى خفض التوتر. وكان الموقف من فتحي باشاغا، رئيس الوزراء المنتخب من قبل برلمان طبرق الموالي لأمير الحرب خليفة خفتر ورجل موسكو في الشرق هو تجنب ذكر روسيا بعد جلسة منح الثقة له في الأول من آذار/مارس ولكنه عاد بعد يوم ونشر عددا من التغريدات التي شجب فيها خرق روسيا للسيادة الأوكرانية، مع إن المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زخاروفا كانت أول من دعا إلى احترام قرار النواب في تعيين باشاغا رئيسا للوزراء. لكن منشورات باشاغا تظل أضعف من موقف الحكومة في طرابلس والتي يسعى لكي يحل محلها وسط توتر في البلاد.

مصالح طويلة

وتعود المصالح الروسية في ليبيا إلى عقود طويلة، ففي زيارة بوتين عام 2008 وقع اتفاقية بـ 3 مليارات دولار لبناء خط سكة حديد، وتحولت موسكو بعد الحرب الأهلية للاعب مهم في الشأن الليبي حيث وقفت مع حفتر ودعمته بالمرتزقة من شركة «فاغنر» التي قاتل عناصرها في الحملة العسكرية للسيطرة على العاصمة طرابلس عام 2019 ولا يزال مقاتلوها في ليبيا. ويعرف باشاغا ومجلس نواب طبرق أنهم بحاجة لروسيا في مجلس الأمن حيث من المقرر ان يناقش الوضع في ليبيا يوم 16 آذار/مارس المقبل. وهناك اتفاق بين روسيا وبقية أعضاء مجلس الأمن بما فيها الولايات المتحدة على أهمية تهدئة الأوضاع، مع أنها لم ترحب مثل موسكو بمنح البرلمان الثقة لباشاغا. وفي ورقة لمجموعة الأزمات الدولية ببروكسل (3/3/2022) قالت فيها إن الخلافات بين طرفي النزاع تعيد البلاد مرة ثانية لعهد الانقسام الذي حاول المجتمع الدولي حله من خلال الحكومة المؤقتة برئاسة دبيبة التي أنيط بها مهمة تحضير البلاد للانتخابات وإعداد دستور بنهاية العام الماضي. ونظرا لتأجيل الانتخابات والخلاف فإن المعسكر الجديد المكون من حفتر وعقيلة صالح وباشاغا يرى ان الدبيبة فقد صفته التنفيذية بنهاية العام الماضي ويجب تعيين حكومة جديدة، وهو ما لجأوا إليه عندما تم تكليف باشاغا بالمهمة ومنحه الثقة في بداية آذار/مارس. وفي الوقت نفسه رأى أنصار الدبيبة أن عملية التصويت مزورة وهددوا باستخدام القوة لمنع الحكومة المنافسة من دخول العاصمة.

نفاد الأفكار الجديدة

وتجد الأطراف الخارجية ذات المصلحة أنها في مواجهة لعبة الكراسي الموسيقية، ففي مقابلة مع صحيفة «الغارديان» (31/1/2022) دعت المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لليبيا، ستيفاني ويليامز النخبة الليبية بالتوقف عن «لعبة الكراسي الموسيقية والتركيز على الانتخابات» وقالت إن هوس الطبقة السياسية البقاء في السلطة وبقاء البلاد منقسمة يعني استعادة تنظيم الدولة نشاطه. وعبرت في حينه عن مخاوفها من «محاولة بعض الأشخاص المناورة لتأخير طويل. فمجلس النواب قائم بدون تفويض منح له قبل 3700 يوم. أي سبعة أعوام وسبعة أشهر منذ ذهب الليبيون إلى انتخابات وطنية. أما الغرفة الثانية، المجلس الأعلى للدولة فقد انتخب أعضاؤها قبل عشرة أعوام، وانتهت صلاحية عملهما. وهذه في النهاية معركة على الأرصدة والسلطة والمال وهي دافع للبقاء» كما قالت. ودعت مجلس النواب التقدم سريعا بعملية سياسية موثوقة تجيب على سؤال يسأله 3 ملايين ليبي: ماذا حدث لانتخاباتنا؟ والأمر يعود لمجلس النواب لإعادة الانتخابات إلى المسار وتنظيم العملية الانتخابية في حزيران/يونيو. ولكن المجلس على ما يبدو تجاهل الأمر وقرر بعد فترة تكليف باشاغا بالحكومة. ويرتبط حل المعضلة حاليا بالموقف الدولي، فرد منقسم قد يشجع على تأكيد الإنقسام والتعبئة العسكرية أما الإدانة الدولية ودعوة الليبيين للتوافق فإنه سيجنب البلاد المواجهة. ويعبر الخلاف الحالي حول من له الحق بالحكم على نفاد الأفكار من النخب المتصارعة، فلم يرض أي طرف بما قدمه الطرف الآخر من حلول للخروج من المأزق. وظل الحديث حول صلاحية حكومة الدبيبة، فالثلاثي عقيلة وحفتر وباشاغا ناقش بأن الحكومة المؤقتة انتهت صلاحيتها في 24 كانون الأول/ديسمبر. وطالبوا بتشكيل حكومة جديدة وتعديل مسودة للدستور قبل الانتخابات الجديدة. أما المجموعة الأخرى، التي تضم الكتل السياسية الرئيسية في غرب ليبيا، فتريد إبقاء الدبيبة في السلطة إلى أن يتم انتخاب هيئة تشريعية جديدة تستطيع اختيار سلطة تنفيذية جديدة. وحتى الشخص الذي يسعى للوصول إلى الرئاسة، سيف الإسلام القذافي ابن الديكتاتور السابق والذي كان على خلاف تاريخي مع معسكر طرابلس دعا للإبقاء على الدبيبة لحين الانتهاء من الانتخابات. وتعمق الخلاف بعد 10 شباط/فبراير عندما كلف مجلس النواب باشاغا لتشكيل الحكومة. وكان تعيينه إشارة عن تحول باشاغا الذي كان وزيرا للداخلية في حكومة الوفاق الوطني إلى معسكر عقيلة-حفتر. ودعم خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة تعيينه قبل ان يتراجع في نهاية شباط/فبراير. وربما بضغط من أعضاء المجلس الذي يترأسه.

مواقف الخارج

وانعكست الإنقسامات بين اللاعبين المحليين على مواقف الدول الخارجية ذات المصلحة في ليبيا. فكما لاحظنا باركت موسكو التحرك وتعيين باشاغا. وقد دعمت مصر منذ بداية عام 2022 تسوية سياسية بين المعسكرين. في المقابل وقفت تركيا التي حسمت الحرب عام 2020 مع الدبيبة رغم علاقتها الجيدة مع باشاغا ودعت إلى المضي في العملية الانتخابية وأنها أفضل وسيلة لتحقيق الإستقرار. وأظهرت الإمارات التي دعمت حفتر في السابق موقفا مشابها للموقف التركي فيما أجرت قطر التي دعمت طرابلس سابقا اتصالات حذرة مع باشاغا وواصلت في الوقت نفسه دعم حلفائها التقليديين المتحالفين مع الدبيبة. وإزاء التغيرات الطفيفة في المواقف الخليجية قررت الدول الغربية تبني موقف «الانتظار». ولم يصدر أي موقف معارض من الأمم المتحدة تجاه تغيير الحكومة مع أن ويليامز فرضت شروطا للقبول بالتحرك من «التوافق» بمشاركة المجلس الأعلى للدولة. بالإضافة للشفافية بمنح الثقة لباشاغا وهي شروط لم تتحقق. فطريقة التصويت من ناحية عدد النصاب ومن شارك ممن تبقى من البرلمانيين، بالإضافة لمن امتنع عن التصويت تحت التهديد أو لفظ كلمة «ثقة» من الحاضرين تثير أسئلة حول شرعية العملية، إلا أن باشاغا أكد على «شفافية ووضوح» العملية وتعهد بتشكيل الحكومة والإنتقال إلى طرابلس. لكن الدبيبة اعتبر كل ما جرى «انقلابا». مع أن باشاغا مضى في تشكيلته الحكومية وحصوله على أصوات 96 نائبا في البرلمان.
لا جديد في محاولات باشاغا وصالح الوصول إلى السلطة، بعد محاولة التحكم بمداولات الحوار الوطني التي بدأت عام 2020 لكن الحملة الأخيرة تحتاج لعدد من عوامل النجاح، فهي بحاجة لشرعية أفضل من تلك التي حصلت عليها حكومة الوحدة الوطنية وإلى دعم عسكري لجعل السيطرة أمرا واقعا وحل مشكلة الانتخابات المعلقة. ورآى طارق المجريسي، الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في مقال نشره في 17/2/2022 أن الفشل في بناء الشرعية والدعم العسكري قد يفشل خطة صالح- باشاغا، فرغم شبكة التضليل التي مارسها الداعمون لهما إلا أن الطريق الحقيقي لإخراج الليبيين من دوامة الصراع السياسي هو خريطة طريق للانتخابات يقبلها المتنازعون، ذلك أن كل واحد منهم يقدم نفسه على أنه المرشح الحقيقي عن شعب لا علاقة له به. ولا شك فالنزاع الجديد سيكسر فترة الهدوء التي عاشها الليبيون منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر عام 2020 وبالضرورة سيقضي على آمال العودة للحياة الطبيعية وإعادة إصلاح الاقتصاد والإعمار. ولأن كل طرف في المواجهة الأخيرة بات يعتمد بشكل أكبر على الولاءات العسكرية وحملات التضليل التي لم تنج منها مبعوثة الأمين العام للأمم المتحدة نفسها فإن قرار المواجهة معلق بما سيقرره اللاعبون وبخاصة الشرق الذي بات باشاغا متحالفا معه وخسر بسبب ذلك الكثير من شعبيته. وكون ليبيا منذ انهيار القذافي باتت تعمل من خلال الولاءات الجهوية فالنزاع الحالي بين رجلين من مصراتة التي ظهرت بمقاتليها ودورها الاقتصادي كقوة مهمة في الحياة السياسة، فإن هناك مخاطر تأثر وضع المدينة.

متغيرات

ويأتي النزاع على السلطة وسط عدد من المتغيرات الجيوسياسية والعلاقة القلقة بين تركيا وروسيا، حيث اختارت دول مقايضة مصالحها مع روسيا بشأن الحرب في أوكرانيا، كما فعلت الإمارات عندما امتنعت عن التصويت في قرار بمجلس الأمن يشجب العدوان الروسي، لتحظى بعد ذلك بدعم روسي لقرار يعتبر حركة الحوثيين جماعة إرهابية. أما إسرائيل التي تتحرك طائراتها بحرية لشن غارات في سوريا، فقد أصبح رئيس وزرائها وسيط سلام في الحرب، لأن الطيران الإسرائيلي بحاجة لإذن من روسيا. وبهذه المثابة فقد تجد تركيا نفسها أمام موقف لاختيار مواقف في الحرب. فهي وإن حاولت الاحتفاظ بموقف المحايد وأكد رئيسها رجب طيب اردوغان على أن بلاده لا تستطيع التخلي عن روسيا أو أوكرانيا إلا أن تطور الأحداث قد يدفعه لتحديد مواقف. مما سيؤثر على التوازن الهش في ليبيا. فأنقرة تدعم حكومة طرابلس أما روسيا فقد نشرت مقاتلات عسكرية ومتعهدين أمنيين من شركة فاغنر. ورغم نقلها بعضا من أرصدتها العسكرية، إلى مناطق أخرى، فهي لا تزال ملتزمة بدعم حفتر. ولو طال أمد الصراع في أوكرانيا، فهناك مخاطر من أن يمتد الصراع إلى ليبيا وتحولها إلى ساحة حرب بالوكالة. وفي النهاية فعودة العنف ليست في صالح أي طرف داخلي وخارجي. ويجب على الأطراف المعنية ضبط النفس والامتناع عن استخدام العنف والاتفاق على آلية تقود إلى الانتخابات لأنها هي التي ستمنح الشرعية لأي حكومة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية