ليبيا علي مشارف عهد جديد.. والقذافي حسم الصراع بين الاصلاحيين والحرس القديم

حجم الخط
0

هل نسف القذافي الأب مبادرة الابن؟

لندن ـ قدس برس ـ سليمان دوغة:

اعتاد الليبيون ومعهم جمهور الرأي العام العربي، في كل عام، ومع اقتراب الأول في شهر أيلول (سبتمبر)، أن يطل عليهم الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي، عبر شاشات التلفاز، بخطاب يفجر فيه مفاجآت علي الصعيدين الداخلي والخارجي، ليس شرطا أن يتطابق مضمونه مع ما في عقول مشاهديه، ولكنه حتما سيحمل في طياته كثيرا من التعليقات الساخنة والساخرة في آن واحد.

الزعيم الليبي في هذا العام، وعلي حين فجأة اختار مدينة البيضاء، التي تقع في قلب الجبل الأخضر، شرق البلاد، والتي كانت معقلا رئيسا للملك الراحل ادريس السنوسي، كمكانة مدينة سرت بالنسبة للعقيد القذافي اليوم، كما أنها معقل الحركة السنوسية، وحركة الجهاد الليبي ضد الاحتلال الايطالي.

وليس من باب الصدفة، كما يري محللون، اختيار الزعيم الليبي، لتلك المدينة، التي لا تزال تختزن ولاء شديدا للملك السنوسي، ولا يزال سكانها يسمونه بـ سيدي ادريس، ويترحمون عليه كلما جاء ذكره علي لسان أحدهم، ولم تنجح كثيرا محـــاولات الثــــــورة في اختراق نسيجها الاجتماعي، وتحويلهــــا الي صفها، علي الرغم من انتشــــار ما تعـــــرف بـ المثابات الثورية فـــوق أراضـــــي البيضاء.

وتوجه العقيد القذافي، بخطابه ليلة الفاتح من سبتمبر، الي من يعرفون بـ الفعاليات الثورية، والمكونة حسب الوصف الرسمي من حركة الضباط الأحرار، ورفاق القائد، وأعضاء حركة اللجان الثورية. ولاحظ المعلقون غياب نجل العقيد القذافي سيف الاسلام، وحضور أحد أبنائه العسكريين (معتصم). وعند دخول القذافي، تعالت الهتافات من قبل أنصاره ومؤيديه، الذين تكدسوا في داخل خيمة لا تختلف عن تلك التي نصبت قبل أسبوع لنجله سيف الاسلام في سرت، رافعين أعلاما خضراء صغيرة، يرفرفون بها علي طريقة الحزب الشيوعي، يقودهم ابن عم العقيد القذافي، وأحد أهم قادة ما يعرفون بـ الحرس القديم في ليبيا، (أحمد ابراهيم)، الذي يتولي منصب نائب رئيس البرلمان الليبي.

ومن أبرز المفاجآت التي فجرها القذافي خلال خطابه هذا العام، قوله ان الانقلاب الذي نفذه في 1/9/1969، لم يكن يهدف الي قلب النظام الملكي بالدرجة الأولي، وانما كان من أجل تحرير ليبيا المحتلة! والتي قال انها كانت محتلة احتلالا كاملا من قبل الأمريكيين والبريطانيين والايطاليين. ويقول القذافي، انه كان يخطط هو وعدد من رفاقه، لشن عمليات مقاومة، وهجوم فدائي، ضد القواعد العسكرية الأجنبية، وأنه لم يكن ليدخل الجيش، ولا ليقود انقلابا عسكريا، لو أن ليبيا لم تكن محتلة حسب وصفه.

وجاء خطاب القذافي، الي مؤيديه، بعد عشرة أيام من خطاب ساخن أطلقه نجله سيف الاسلام في 20 آب/أغسطس الماضي، نسف فيه جميع شعارات الثوريين، التي تتحدث علي أن ليبيا أصبحت بفضل الثورة الجماهيرية السعيدة و الفردوس الأرضي. وقال انها تحولت الي دولة الفوضي التي نهبتها المافيات والقطط السمينة، كما انتقد بشدة فشل الديمقراطية المباشرة وتحدث عن انتهاكات واسعة قال انها ارتكبت باسم الشعب والديمقراطية المباشرة والشعب منها بريء. ما وراء الخطابيعتقد أغلب المراقبين أن القذافي لم ينسف مبادرة نجله، علي العكس، فان الخطاب وحشد الثوريين بالآلاف دخل خيمة ضخمة، انما جاء تدشينا لمرحلة جديدة، أراد منها القذافي حسم الخلاف الذي ظل طوال السنوات الماضية سرا، وبدأ يظهر للعلن شيئا فشيئا، بين الاصلاحيين بزعامة نجله (سيف الاسلام)، والحرس القديم بزعامة ابن عمه (أحمد ابراهيم)، باعلان مصالحة داخلية بين الجناحين، تمهد الطريق نحو عهد جديد، سيكون فيه سيف الاسلام الرجل الأول في ليبيا. وبحسب مطلعين، فان مرحلة المصالحة الداخلية بين جناحي الاصلاح والحرس القديم، تقوم علي أسس، ظهرت جلية في خطاب القذافي الأخير، أساسه الدعم والتأييد الكاملين لمبادرة سيف الاسلام، ما يعني دعمه من قبل الحرس القديم وعدم الوقوف أمامه مستقبلا، بل ذهبت حركة اللجان الثورية في بيانها الي أكثر من ذلك عندما تحدثت عن تبنيها للمبادرة، الأمر الذي فسره مراقبون ضمنا بتأييد استلام سيف الاسلام القيادة الليبية، في حال رحيل والده في أي لحظة.

وبدا العقيد القذافي، حريصا في لقائه بمؤيديه، الذين شكرهم بحرارة علي حمايتهم للثورة، علي نزع تأييدهم بشكل علني لنجله سيف الاسلام، وعكس ذلك ما جاء علي لسان، الرجل الأول (أحمد ابراهيم) الذي أكد هذا التأييد بالقول: يا قائد، سنحاول وسنبذل جهدنا كما كنا دائما لأن ننفذ هذا البرنامج الجديد. نستأذنك في أن ننفذ برنامج مبادرة الشباب (معا من أجل ليبيا الغد) بعد أن يعرض علي مجلس التخطيط وأنت أمرت بأن مجلس التخطيط يتولي هذه الخطة وأن ينفذها. كما أعلن الضباط الوحدويون الأحرار ورفاق القذافي وحركة اللجان الثورية تأييدهم لمبادرة مؤسسة القذافي للتنمية التي طرحها رئيسها سيف الاسلام القذافي الأسبوع الماضي.

وفي مقابل دعم الثوريين لانتقال القيادة الليبية الي سيف الاسلام بشكل سلس، كان العقيد القذافي حريصا علي اتمام هذه المصالحة الداخلية بين الجناحين، باعترافه بالفضل للقوي الثورية في حماية الثورة، وسحق الأعداء في الداخل، وهم قطعا المقصود منهم معارضي النظام، علي الرغم من أن القذافي نفسه قد حمل بشدة وفي أكثر من مناسبة علي تجاوزات اللجان الثورية، ووصف بعض أعضائها بـ اللصوص، وبتشويه الثورة، وأمر باعادة تأهيل أعضاء الحركة حتي يكونوا أشخاصا صالحين في المجتمع.

شهور التوبة الأربعة!

بل ان العقيد القذافي، وفي رد واضح علي أي محاولة لاستغلال المعارضة الليبية، خطاب نجله سيف الاسلام، وقطع الطريق عليهم في الخارج، أمر لجانه الثورية بـ سحق الأعداء اذا ظهروا مرة أخري، وذلك في اشارة الي أهمية استمرار دور أعضاء هذه اللجان، التي توجه لها انتقادات عنيفة من قبل منظمات حقوق الانسان، وتوصف بأنها ميليشيات النظام الحاكم.

ويري معلقون أن القذافي ذهب أبعد من شكر الثوريين، الي العفو عن جميع تجاوزاتهم السابقة ودعوتهم الي التوبة علي الطريقة الكنسية، وقال ما نصه: الآن سأقترح عليكم أن عندنا أربعة شهور قبل بداية السنة القادمة.. هذه شهور التوبة. هذه شهور مراجعة ذاتية. لا نريد السرقة، لا نريد الظلم، لا نريد التطاول، لا نريد التزوير، لا نريد أن تمد يدك الي حاجة أخري تأتي بها. هذه ان شاء الله في الأربعة شهور سوف تستقيم الأمور. وفي هذه رسالة، كما يري مراقبون، بعدم محاكمتهم وفتح ملفاتهم السابقة، التي يلوح بها نجله سيف الاسلام في كل مرة، يتناول فيها ضرورة القضاء علي القطط السمان والمافيا والمحاكم الثورية. القائد الأب لقد بدا واضحا من خطاب العقيد القذافي الذي كان مرتاحا طوال حديثه لمدة ساعتين، أنه كمن يقوم باسترضاء أنصاره، وأخذ دور الأب الحريص علي عدم تشتت أسرته وعلي عدم دب الخلاف بين أفرادها. وأبدي القذافي تخوفه من أن وصف القوي الثورية بـ السرقة والنهب، سوف يؤدي في النهاية الي انهيار ثورته، وقال ما نصه: الطعن في هذه القافلة في هذه الحركة من الرفاق الي الضباط الأحرار الي اللجان الثورية، التي هي حركة واحدة في النهاية.. الحركة التاريخية للشعب الليبي.. هذا يشوهها ويؤدي الي الطعن فيها ويخلق حتي ضغينة فيما بينها وتسوس هي من الداخل وتتفكك وتتخلخل وتضعف، وهذا يستفيد منه العدو.. وبالتالي لكي نهزم العدو ولكي نكون أقوياء وجبهتنا قوية متراصة لا نسمح بالسوس أن ينخر فيها.

لقد بدا واضحا دور القائد الأب، الذي يحاول وهو يدخل عامه الخامس والستين، في التقريب بين أجنحة نظامه غير المتفقة في رؤيتها لمستقبل البلاد، كما بدا واضحا أن القذافي لم يعد يريد ظهور أي انقسامات داخلية في الرؤي مستقبلا، وحسم مسألة القيادة من بعده، الي نجله سيف الاسلام.

واذا كان العقيد القذافي قد اختار الأول من أيلول/سبتمبر عام 2006، شعارا لـ المراجعة والتصحيح والنقد الذاتي، فان ما لم يصرح به القذافي وكشفته نبرته الحزينة وهو يطلق دعواته بالرحمة ويستمطر شآبيب الرحمة علي رفاقه الضباط الذين بدأ الموت يخطفهم واحدا تلو الآخر، تقول ان خطاب الزعيم الليبي دشن عهدا جديدا، واختار لليبيا قائدا جديدا، ضمن له دعم وتأييد الحرس القديم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية