ليبيا: مداولات مجلس الأمن تكشف أجندات قُوى إقليمية ودولية

رشيد خشانة
حجم الخط
0

في ليبيا قواعد عسكرية يملك الروس مفاتيحها، من بينها قاعدة الجفرة، التي يتمركز فيها عناصر «فاغنر». من هنا يُطرحُ بكل إلحاح موضوع إخراج القوات الأجنبية من ليبيا.

ستكون للرحيل المفاجئ لزعيم مجموعة «فاغنر» يفغيني بريغوجين ونائبه ديمتري أوتكين، تداعيات كبرى، ليس فقط على التنظيم شبه العسكري، واحتمالات إدماجه في الجيش الروسي، وإنما أيضا على مجمل الاستراتيجيا العسكرية الروسية. والأرجح أن فلاديمير بوتين هو من دبر عملية التخلص من زعيم «فاغنر» على طريقة الانتقام البارد، من الذي قاد التمرد ضده في حزيران/يونيو الماضي. وجوابا على تساؤل طرحته قناة «سي.أن.أن» حول سرّ إبقاء بوتين لبريغوجين حراً ومن دون معاقبة، طيلة الأشهر الماضية، يمكن الجواب بأن سيد الكرملين، حريص على إبعاد شبهة تصفية صديقه وحليفه قائد «فاغنر» ولذا لم يتسرع في تنفيذ الحكم الذي يبدو أنه أصدره على الرجل المتمرد، بعدما تحداه.
وفي مسيرة بوتين عملياتٌ معروفة للتخلص من خصومه وغرمائه. لكن بريغوجين قصةٌ أخرى، فقد كان يدعم بقوة الجيش الروسي في الحرب على أوكرانيا، وجند الكثير من المقاتلين، من بلدان مثل سوريا ومالي وتشاد، لإنشاء قوة عسكرية تساعده على التدخل في ساحات صراع مختلفة، وبصفة خاصة في القارة الأفريقية، التي يعتبرها الروس بوابة التوسُع الأهم المُتاحة في الوقت الراهن. ومن هنا أتت مشاركة بضعة آلاف من عناصر «فاغنر» في الحرب التي شنها القائد العسكري للمنطقة الشرقية في ليبيا اللواء المتقاعد خليفة حفتر في العام 2019-2020 والتي كادت تسيطر على العاصمة طرابلس، لولا التدخل التركي القوي، بواسطة مُسيرات متطورة، ما أجبر قوات «فاغنر» المُهاجمة على الانسحاب من محيط طرابلس، في صفوف مُبعثرة. وبالرغم من إنكار الجانب الروسي لأي وجود عسكري روسي في ليبيا، فإن وزير الخارجية سيرغي لافروف، أقرّ في تصريحات إعلامية في أيار/مايو 2022 بوجود فاغنر في ليبيا على أساس تجاري، وبشراكة أمنية خاصة مع السلطات في طبرق، في إشارة الى مجلس النواب، الذي يوجد مقره الوقتي في تلك المدينة.
وفيما عبّرت عواصم أوروبية إلى جانب واشنطن، في عديد المناسبات، عن قلقها من توغل موسكو في ليبيا، وآخرها تصنيف واشنطن فاغنر، في كانون الثاني/يناير الماضي، بوصفها «منظمة إجرامية دولية» فإن ملف فاغنر في ليبيا برز بشكل أكثر إثارة للجدل، بمناسبة الحرب الأهلية في السودان، والمخاوف من انتقال الفوضى المسلحة من هناك إلى الجنوب الليبي، لكونه مجالاً متصلاً بالسودان، عبر فاغنر وأيضا عبر حركات التمرد السودانية.
والمؤكد أن رحيل بريغوجين، سيُلقي ظلالا كثيفة على الدور الحقيقي الذي تلعبه تلك القوات، وعلى خططها للتوسع في المجال الإقليمي. ومن بين البلدان الأفريقية التي سهلت اكتساح «فاغنر» للقارة، دولةُ أفريقيا الوسطى، التي لا يُخفي رئيسها فوستان تواديرا، أنه دعم الوجود العسكري الروسي باستمرار، منذ العام 2017. وقد استثمر الروس الانسحاب العسكري الفرنسي من أفريقيا الوسطى، ليستحوذوا على مواقع مهمة، في البلد من خلال «فاغنر». وشرح تواديرا في حوارات صحافية، أسباب تقاربه مع الشركة العسكرية الروسية «الخاصة» قائلا في تصريحات إعلامية: «طلبنا أسلحة من الفرنسيين، لكي نقاتل الجماعات الإرهابية، فرفضوا، ولذلك لجأنا إلى التوقيع على اتفاق للتعاون العسكري مع روسيا، يُسمح بموجبه للقوات الروسية بالمرابطة في أفريقيا الوسطى. ومن مهام تلك القوات الحراسة الشخصية للرئيس تواديرا، الذي لم يعد واثقا من إخلاص أبناء البلد له» على ما قال. ومنذ ذلك الحين باتت أفريقيا الوسطى قاعدة مهمة لنشاطات روسيا في أفريقيا.
أكثر من ذلك صرح الرئيس تواديرا بأن بلده لم يعد يخشى الانقلابات بعد التوقيع على اتفاق التعاون العسكري مع موسكو، لأن الأخيرة «ستحمينا من القوى الغربية». أما بريغوجين فلم يُخف سعادته بالانقلاب الذي نفذه قائد الأمن الرئاسي في النيجر ضد الرئيس المنتخب ديمقراطيا محمد بازوم، وأشاد بالانقلاب واصفا إياه بكونه نبأٌ سارٌ، وعارضا خدمات مجموعته لفرض النظام هناك. وعلى الرغم من أن بريغوجين لم يُشر، في الرسالة الصوتية التي بثتها قنوات تابعة لـ«»فاغنر» على تطبيق «تليغرام، يوم 29 تموز/يوليو الماضي، إلى أي تورط للمجموعة في الانقلاب، فإن بصماته واضحة أثناء عملية الإطاحة ببازوم، وخاصة بعدها.

تخفيض سقف المطالب

الظاهر أن غاية بريغوجين، حين تمرد على معلمه بوتين، لم تكن الإطاحة به أو الاستيلاء على الكرملين بالقوة. ولا أدل على ذلك من أن حركة التمرد توقفت بعد ست وثلاثين ساعة فقط من إطلاقها، وأن قائد التمرد رضي بخفض سقف مطالبه بشكل غير متوقع. ومن الواضح أن تلك الحركة التي قادها بريغوجين، تندرج في إطار «صراع الأجنحة» داخل السراي، وفي الدائرة الضيقة المحيطة ببوتين. وارتدى هذا الصراع بين أقطاب الكرملين صورة العداء المستحكم بين وزير الدفاع شويغو وزعيم «فاغنر» الذي يُحمل الأول المسؤولية المباشرة عن الخسائر البشرية والمادية الفادحة التي تكبدها الجيش الأحمر في الحرب على أوكرانيا.
بالمقابل، يعتبر شويغو أن مقاتلي «فاغنر» عصابات تُشوش على الجيش النظامي، بالاعتماد على مجرمين مسجونين مدفوعي الأجور. ومن هنا بات الصدام بينهما أمرا محتوما، خاصة بعد توالي البيانات العسكرية التي تصدرها «فاغنر» مُعلنة عن انتصارات نسبتها إلى قواتها، من دون إثباتات. وفي غياب بريغوجين ستستعيد وزارة الدفاع الروسية زمام المبادرة وتضع علاقات التعاون العسكري في إطار مؤسسات الدولة.
ويصدُقُ هذا أيضا على مالي التي تستخدمها «فاغنر» منصة لإرسال السلاح والذخيرة إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كما أن ليبيا تشكل قاعدة مهمة للقوات الجوية والبرية الروسية، النظامية منها وغير النظامية على السواء. ومن المستبعد أن تفك «فاغنر» الارتباط مع الدولة الروسية، أو أن ترفع موسكو الغطاء عنها، لأن الاثنتين بحاجة لبعضهما البعض. تكفي الإشارة إلى أن رُبع السلاح في منطقة جنوب الساحل والصحراء مصدره روسيا، فهي المزود الأول بالأسلحة، ما يُسهل استخدام تلك الأسلحة عندما يُعاد إرسالها إلى روسيا. وقد تكون هذه المسألة إحدى القضايا المهمة التي طرحها وفد روسي رفيع المستوى، حل ببنغازي الثلاثاء الماضي، بقيادة نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكوروف. وأجرى الوفد محادثات مع اللواء حفتر وضباطه لم يُكشف عن فحواها.
وتوجد حاليا في ليبيا قواعد عسكرية يملك الروس مفاتيحها، من بينها قاعدة الجفرة، التي تمركز فيها عناصر «فاغنر» بعد طردهم من طرابلس. من هنا يُطرحُ بكل إلحاح في كل الاجتماعات، موضوع إخراج المرتزقة وكافة القوات الأجنبية من ليبيا. وتجدد الطلبُ في الاجتماع الأخير لمجلس الأمن الدولي حول الوضع في ليبيا، والذي كان من أخطر الاجتماعات، إن لم يكن أخطرها. وأظهرت المداولات أن مفتاح الحل السياسي يبقى في أيدي الأمم المتحدة، التي لا يستطيع أحدٌ أن يُنكر وصايتها على الملف الليبي. وتُذكرنا ملابسات الدور الأممي، في المسار السياسي الراهن، بقرار الأمم المتحدة، الخاص بإعلان الدستور الليبي في العام 1951، ثم دورها في إعلان الاستقلال يوم 24 كانون الثاني/يناير من السنة الموالية.

مؤتمر جامعٌ؟

واختار الموفد الأممي الخاص عبد الله باثيلي، تجاوز العقبات التي تُعطل إجراء الانتخابات، بدعوة «الأطراف الرئيسية والقادة الليبيين» إلى الاجتماع قريبا، من دون تسمية تلك الأطراف. وتُكمل هذه المساعي الأعمالُ التمهيدية لـ«المؤتمر الجامع للمصالحة الوطنية» التي انطلقت يوم 21 تموز/يوليو، في العاصمة الكونغولية برازافيل، وفي حضور رئيس الكونغو دنيس ساسو انغيسو، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فقيه، وبمشاركة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة باثيلي. وأعلنت اللجنة في ختام اجتماعاتها أنها ستستأنف أعمالها من داخل ليبيا، بمشاركة الأطراف السياسية والاجتماعية كافة، لوضع الترتيبات اللازمة لعقد المؤتمر الجامع.
وهناك مراهنة متضافرة، ليبية وأممية، على «المؤتمر الجامع للمصالحة الوطنية» خصوصا أن أعمال اللجنة التحضيرية ستستمر في مدينة البيضاء (شرق) اليوم الأحد، بحضور ممثلين عن الاتحاد الأفريقي. لكن من يقرأ مداولات اجتماع مجلس الأمن حول ليبيا الثلاثاء الماضي، يدرك أن هناك أجندا خاصة لدى كل طرف من الأطراف الدولية والإقليمية، المتداخلة في الصراع الليبي. فقد طرح الأمريكيون رؤيتهم التي تقوم على اعتبار تشكيل حكومة تصريف أعمال مسألة أولوية لتسريع المسار الانتخابي. وأعلنت المندوبة الأمريكية أن حكومتها مستعدة لدعم تلك الحكومة، إذا ما تشكلت، بشرط أن تكون «مهمتها قيادة ليبيا إلى الانتخابات». وفي اقتراح يتعلق بالمسائل الخلافية في قوانين الانتخابات، دعت أمريكا باثيلي إلى البناء على أعمال لجنة 5+5. ويمكن اعتبار هذا الموقف تخليا عن رئيس الحكومة الحالي عبد الحميد الدبيبة. ويبدو أن هذا الخيار هو الأكثر ملاءمة للوضع الراهن، إذ أن المطلوب هو تشكيل حكومة مصغرة من التكنوقراط، الذين لا يترشحون للانتخابات، وإذا ما ترشحوا يُعزلون من مناصبهم الوزارية. وكانت بريطانيا العضو الوحيد في مجلس الأمن الذي لوح بوضوح بسلاح التصنيف ضمن نظام العقوبات في وجه «كل من يُهدد الأمن والاستقرار في ليبيا» وهو الموقف الذي تبناه مجلس الأمن في ختام مداولاته.
أما فرنسا فنظرت للملف الليبي من منظار مصالحها الجيوستراتيجية في منطقة الساحل والصحراء إذ شددت على ضرورة ترحيل جميع المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا، فباريس لا تريد أن ترى عناصر «فاغنر» في ليبيا، وفي مستعمراتها السابقة، مع أنهم يدعمون حليفها في المنطقة الشرقية خليفة حفتر. وفي هذا الإطار شدد المندوب الروسي على ضرورة مضاعفة الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية في ظل الفوضى (السائدة) في دول الجوار الليبي. وبما أن روسيا كانت المصدر الرئيسي للتسلُح، في عهد معمر القذافي، فإن الموقف الروسي يُخفي رغبة بالعودة إلى السوق الليبية صيانة وتجديدا للأسلحة والتجهيزات والمعدات. والمؤكد أن الأمم المتحدة، ومن ورائها قوى عظمى وأخرى إقليمية، استثمرت في المسارات السياسية السابقة، سواء في مؤتمري برلين 1 و2 أم في جنيف وتونس وبوزنيقة، من أجل تحريك قطار السلام، لن تقبل بإجهاض هذا المسار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية