بدأت السلطات الليبية في اتخاذ خطوات متسارعة لتغيير هيكلية البلاد، وتحويلها من النظام الثوري الذي كانت عليه طوال السنوات الثلاثين الماضية علي الأقل الي صيغة الدولة العصرية القائمة علي المؤسسات الحديثة والادارة الهرمية.
فبعد تحرير الاقتصاد، وخصخصة النظام المصرفي، وفتح الصناعة النفطية للمنافسة، وتشجيع القطاع الخاص مع تقليص هيمنة القطاع العام في الوقت نفسه، والتركيز علي مصادر الدخل البديلة او الموازية، جاء الآن دور تنظيم العمالة الوافدة، وخاصة من دول الجوار الافريقي.
بالأمس صدرت تعليمات رسمية الي وزارات الخارجية والأمن العام والقوي العاملة لاتخاذ اجراءات فورية لترحيل العمال الاجانب المقيمين في البلاد بصورة غير شرعية ولا يملكون وثائق قانونية تسمح لهم بالاقامة والعمل.
الخطوة الليبية هذه جاءت متأخرة بعض الشيء، ولكنها ضرورية في جميع الاحوال، لان وضع العمالة الاجنبية في ليبيا الراهن بات يشكل خطرا امنيا واجتماعيا في الوقت نفسه، دون ان يكون مفيدا للنهوض باقتصاد البلاد.
فالبلاد تزدحم حاليا بأكثر من مليون ونصف المليون عامل اجنبي، معظمهم من الافارقة، دخلوا البلاد بصورة غير شرعية، ونشروا فيها امراضا لم يعرفها الليبيون من قبل مثل الدعارة والمخدرات والجريمة المسلحة. ويعود ذلك الي ان الغالبية الساحقة من هؤلاء لا يحملون اي مؤهلات، ولا يحترفون ايا من المهن اللازمة في بلد مثل ليبيا يريد اللحاق بركب التطور، ولذلك افترشوا ارصفة الشوارع، او عاشوا في احياء فقيرة متكدسين في غرف ضيقة رطبة دون اي رعاية صحية.
وكان من الطبيعي ان يشكل هذا العدد الضخم من العمالة الاجنبية عبئا ضخما علي قطاع الخدمات والمرافق العامة في البلاد، خاصة ان هذه المرافق هزيلة اساسا، وتفتقر الي الكوادر اللازمة المؤهلة، ولا تلبي حاجات الليبيين من عناية صحية ومؤسسات تعليمية وخدمية.
ليبيا تحتاج الي العمالة الوافدة، فدخلها السنوي من النفط يقترب من اربعين مليار دولار سنويا، وسياسة الانفتاح الاقتصادي، وما سيترتب عليها من مشاريع اسكانية وسياحية ضخمة، تحتاج الي عمالة خبيرة مدربة لا يستطيع القطاع العمالي المحلي الوطني تلبيتها، الأمر الذي يجعل اللجوء الي الاسواق العمالية المجاورة لسد الثغرات امرا حتميا.
ومن المؤسف ان الغالبية الساحقة من العمالة الاجنبية والمحلية الموجودة حاليا في ليبيا لا تصلح للمرحلة الجديدة من الانفتاح الاقتصادي والشركات التي ستتدفق علي البلاد للاستفادة منه، والتشريعات الجديدة التي تنظمه، وتلغي ثلاثين عاما من احتكار القطاع العام والقوانين الاشتراكية. ولهذا يجب التخلص منها وبالسرعة الكافية لافساح المجال للعمالة المدربة والكفوءة.
وهناك نقطة اخري لا بد ان يتم التوقف عندها، وهي ان وجود هذه العمالة بالشكل الفوضوي الذي نراه حاليا، واستخدام بعضها البلاد كنقطة انطلاق لهجرة غير قانونية الي اوروبا باتا يشكلان مصدر توتير لعلاقات ليبيا مع القارة الاوروبية، ويمنعان قيام علاقات طبيعية معها، بما يتلاءم مع طموحات السلطات الليبية في الاندماج في المجتمع الدولي علي اسس جديدة.
ليبيا بحاجة الي نهضة عصرية في مختلف المجالات، وتبني ادارة علمية حديثة تعجل بنقلها الي المكانة التي تستحق، وتوفر الرخاء للشعب الليبي بعد سنوات من الحرمان، بحيث يستمتع بثرواته من خلال مؤسسات حديثة، ومرافق خدمية متطورة، واقتصاد ناشط يوفر فرص الاستثمار والوظائف المجزية.