ليبيا واطفال الايدز: الحي ابقي من الميت

حجم الخط
0

يحيي اليحياوي

في شهر حزيران (يونيو) من العام 1998، حقنت خمس ممرضات بلغاريات (بمساعدة وتواطؤ من طبيب فلسطيني زميل لهن) يعملن بأحد مستشفيات مدينة بنغازي الليبية، حقنت مجموعة من الاطفال، تتراوح اعمارهم بين ثلاثة اشهر وسنتين ونصف، بدم ملوث بفيروس الايدز، توفي بسببه العديد منهم (حوالي ستين طفلا لحد الساعة)، فيما لا يزال البعض الآخر معلقا بين الامل في العلاج، والرجاء في خلاص من السماء.

ليس من الاهمية في شيء التوقف من جديد عند الرواية الليبية، التي اكدت لها تقاريرها ان الحقن كان بسبق اصرار، ومن باب التعمد والقصد، ولا مناقشة مضمون التقارير المضادة، وضمنها تحديدا تقريرا لوك مونتانيي وكومانديني، اللذان يرجعان مصدر العدوي للوضعية المتردية للمستشفي، وللاهمال الكبير الذي يطاول مرافقه الصحية الحساسة.

ليس مهما كل ذلك، ما دامت المحكمة قد قضت بناء علي ما توفر لديها من حجج ثبوتية، فادانت المتهمين الستة بالقتل العمد، وحكمت عليهم جميعا بالاعدام رميا بالرصاص.

وازعم، بهذه النقطة، نقطة ادانة المحكمة للمتهمين، ان الادانة اياها انما هي ادانة جنائية بامتياز، علي الاقل من زاوية ان المدانين هم مواطنو دولة ليس لها مع الجماهيرية الليبية ثأر قديم لم تندمل آثاره، او نزاع حدود مشتد، او تنافس اقتصادي مستعر، او ما سوي ذلك. اي انه ليس ثمة بين البلدين ما من شانه اعمال احتمالية الابتزاز، او الضغط والمساومة. او لنقل تدقيقا، انه ليس ثمة بين بلغاريا وليبيا من حسابات سياسية خفية، تؤثر علي مجريات التحقيق، او تعمد الي تقييد راي القضاة، او تعمل علي توجيههم بما قد يكون من شانه ابعاد القضية عن مسارها الجنائي الخالص.

وهو بالتاكيد ما ادركته كافة مستويات التقاضي، سواء التي حكمت ابتدائيا، او التي قضت بدرجة الاستئناف، او التي (كما حال المحكمة العليا) اقرت الحكم نهائيا، واوشكت علي النحو به بناحية التنفيذ.

ليس ثمة اذن فيما نعتقد، من خلفية سياسية واضحة للاحكام الصادرة. لكن البعد السياسي كان، مقابل ذلك وعلي النقيض منه تماما، مصاحبا للاحكام اياها بالمضمر، ناظما لخيوطها واطوارها علي مستوي التداعيات، كما علي مستوي الترتيبات.

والواقع ان الضغوط الهائلة التي مورست علي ليبيا طيلة مراحل القضية، لم تكن ذات طبيعة قانونية صرفة، او من باب المزايدة علي قضائها (علي الرغم من ادعاء الممرضات بانهن اعترفن بالجريمة المنسوبة لهن تحت طائلة الضرب والتعذيب )، بقدر ما كانت (من لدن بلغاريا، كما من لدن الاتحاد الاوروبي، كما من لدن الولايات المتحدة الامريكية) ذات نبرة سياسية بدات بالاستعطاف اللين، واستتبعت بالابتزاز المبطن، لتنتهي بالتهديد المضمر في اللغة المستعملة، لكن المباشر في الادوات الملوح بها.

واستطيع القول هنا دون مواربة، بانه كائنة ما قد تكون مستويات المكابرة، الذي كان بامكان ليبيا ابداءها ازاء الضغوطات والابتزازات المتزايدة، فانها كانت ستتهاوي حتما بالمحصلة، علي الاقل بالقياس الي السياق الذي انفجرت فيه القضية وتطورت:

ـ فليبيا عانت ولعقود طويلة من الزمن، من حصار الغرب، ومن حصار ذوي القربي ايضا، وتراءي لها ان المكابرة والممانعة، فما بالك بالمقاومة، زمن القطب الاوحد، لم تعد ذات جدوي كبري تذكر، بل قد يكون من شان الالحاح في سلك سبيلها، تشديد الحصار عليها باشكال اخري، قد تبلغ مستوي الخنق الاقتصادي، والمحاصرة السياسية، تماما كما كان عليه الحال باعقاب حادثة لوكربي.

ليبيا ادركت اذن، في اعقاب تسوية لوكربي وتسليم الامريكان ما توفر لديها من مشاريع تسلح محذورة، ادركت ان الواقعية زمن القطب الامريكي المتعالي، هي الطريق الاسلم سياسيا، والانجع اقتصاديا، والاضمن، فضلا عن ذلك، للحيلولة دون اذي النظام العالمي الجديد، ذي الاتجاه الواحد.

ـ وليبيا، ببراغماتية واضحة، و فقه نفعي بائن، ادركت ان خطب ود الغرب، هو من خطب ود مستثمريه وخبرائه ورجال اعماله، وادركت انه ان غضب عليها غضب عليها هؤلاء، وان رضي عنها رضوا عنها ايضا، هي التي يتطلع اقتصادها للاستثمار الاجنبي، وللخبرات والمعارف الغربية، وللاسواق حيث لا سبيل لتصدير نفطها وغازها، الا سبيل اسواقها وشركاتها ومستهلكيها.

والدليل علي ذلك، ان من زار ليبيا بالسنوات والشهور الاخيرة، من رؤساء حكومات ووزراء خارجية غربيين، غالبا ما وعدوها بـ النعم القادمة، لكنهم لمحوا بالآن ذاته، الي قضية الممرضات البلغاريات، باعتبارها المنفذ الاساس لبلوغ ذات النعم، حاضرا كما بالمستقبل.

ـ وليبيا، فضلا عن كل ما سبق، تاكدت بالتجربة القاطعة، بانه من الوهم الصرف حقا معاودة المراهنة علي محيط عربي متهاو، مستلب، تابع، غبنها طيلة حصار (حصار التسعينات) حتي كادت تختنق، ولم يعاضدها (اللهم الا بالقول المحتشم)، وهي تواجه الضغط والابتزاز في قضية ايدز بنغازي.

وبقدر اقتناعنا بان سياقات الماضي القريب، وسياق الحاضر وظروفه ايضا، هي التي تحكمت في مرونة الموقف الليبي (وان علي مضض، قياسا الي قيادة تحتكم الي مبادئ وقيم)، فانه لا يمكن الا ان نعترف بالآن ذاته، بان الموقف اياه كان محكوما، في شكله كما في مضمونه، بماثورة شائعة (ماثورة الحي ابقي من الميت ) استرشدت بها مؤسسة القذافي في مفاوضتها للبلغار، كما في اقناع الليبيين ضحايا وجماهير، للقبول بالتعويض.

واتصور انه علي اساس الماثورة اياها، تم اعتماد مبدأ الدية، وتم الايعاز للمجلس الاعلي للهيئات القضائية، بتحويل الاعدام الي حكم مؤبد، بعدما تنازلت اسر ضحايا الاطفال (الموتي منهم كما الاحياء) عن الدعوي، مقابل مليون دولار لكل عائلة منكوبة.

لم يقتصر منطوق الاتفاق علي الدية مقابل اطلاق سراح البلغاريات، بل طاولت التسوية الغاء ديون بلغاريا علي ليبيا (وهي بضعة ملايين من الدولارات)، و ضمانات لعلاج الاطفال، وتاهيل مستشفي بنغازي ومساعدات طبية، وضمان الشروط الليبية لتطبيع العلاقات مع الاتحاد الاوروبي… وبلغاريا عضو به كامل العضوية.

واذا سلم المرء بان ليبيا بغير حاجة الي مساعدات طبية (فما بالك بالغاء دين تافه)، وهي التي تقدر احتياطاتها من العملة الصعبة بعشرات الملايير من الدولارات، فانه سيسلم بان جانب التطبيع مع اوروبا كان هو الثمن المقابل دون شك، ولنقل تحديدا هو الذي كان الترتيب له قائما منذ دخلت محاكمة الممرضات اطوارها النهائية، وعزم الرئيس الفرنسي وزوجته زيارة ليبيا، بعدما تبلغا ان فك اسر الممرضات قد بات في حكم المؤكد.

بالمقابل، فاذا كانت ليبيا قد اعتبرت ان لا رد لمصير اطفال ظلموا، ولا سبيل للاعتراض علي ماساة آباء واولياء، كتبت عليهم قضاء وقدرا، فانها قد اعتبرت بالآن ذاته، ان اعدام الممرضات (بظل تلويح الغرب بالعقاب الآتي) لن يفيد الاحياء في شيء، فما بالك بالموتي، بل سيلحق بهم اضرارا اضافية، بالامكان الحؤول دونها، بإعمال لغة العقل والمصلحة. قيس الامر اذن بمقياس البراغماتية، فتبين ان الربح المباشر في اطلاق سراح الممرضات اثقل بالميزان، قياسا لحجم الخسارة القائمة او القادمة.

قد يحاول المرء التجرد من ذاتيته ومن عاطفته، ليتفهم خلفيات اطلاق ليبيا لسراح ممرضات، ارتكبن جرما شنيعا، وتمت ادانتهن وحكم عليهن بالقصاص الاقصي، لكنهن حررن لاعتبارات تجاوزت علي طبيعة الجرم المرتكب، بظل حسابات لن يكون من شانها تهوين ما وقع للاطفال، ولا التخفيف عما اصاب ذويهم من آلام وعذابات.

كل ذلك قد يتفهمه المرء، او يكابر في القبول به واستساغته، لكن الذي لا يستطيع ذات المرء استساغته، ولا ثنيه عن الغضب والانتفاض، انما عفو الرئيس البلغاري عن الممرضات الخمس (وعلي الفلسطيني المجنس ) بمجرد نزولهن من سلم الطائرة… هن اللواتي (وفق منطوق اتفاق قضائي ليبي/بلغاري بالعام 1984، ولربما بموجب الاتفاق الحالي ايضا) من المفروض ان يقضين ببلدهن، العقوبة المحكوم عليهن بها.

قد يقول قائل: ان العفو الرئاسي، لربما كان ضمن حيثيات غير مدونة بالاتفاق. اذا كان الامر كذلك، فما القول في غضب الليبيين، ومطالبتهم الدول الساهرة علي الاتفاق، الضامنة له (والرئيس الفرنسي تحديدا) بالتدخل لدي بلغاريا لايداعهن السجن؟ وما القول في مطالبة الليبيين للجامعة العربية، بقطع علاقاتها مع بلغاريا؟ بل ما القول في مطالبتهم مؤسسة الانتربول الدولية، بـ القاء القبض علي الممرضات، وتسليمهن لليبيا؟

وقد يقول آخر: ان كل ما جري تحت مسمي الاتفاق بين ليبيا وبلغاريا (والغرب عموما)، انما كان مكيدة محبوكة الخيوط نصبت لليبيا، لتطلق سراح البلغاريات، حتي اذا ما عدن محررات لبلدهن، تم العفو عنهن بمرسوم رئاسي غير قابل للطعن.

قد يكون بكل ما قيل، بعض من عناصر الحقيقة والصواب، سيما لو استحضر المرء فرضية انه ما كان للرئيس البلغاري ان يعفو عن الممرضات، لولا استشارة حلفائه بالاتحاد الاوروبي (وبالولايات المتحدة حتما)، وبمقدمتهم الرئيس الفرنسي، المهندس الاخير لعملية الافراج.

قد يجوز ذلك، وقد يجوز بعض منه. لكن المؤكد فيما نزعم، ان بلغاريا لم تستهن بالاتفاق المبرم فحسب، بل استهانت ايضا باتفاق قضائي ابرمته مع ليبيا اواسط ثمانينات القرن الماضي، ولربما تمت الاشارة اليه بحالة الممرضات قبل تسليمهن.

بهذا الجانب، ازعم انه ما كان لبلغاريا ان تستهين بالقضاء الليبي، لو كانت تعلم ان لذات القضاء حرمة تذكر… بالتالي، فلما هان عليها امر الاستهانة برمزية القضاء وسمو مقامه، فقد هان عليها بتحصيل حاصل، امر الاستهانة باتفاق حمل منذ اليوم الاول، خاصيات المعاملة بالمقايضة.

من الطبيعي، والحالة هاته، ان تكون الاستهانة هنا علي قدر الاهانة… اهانة ليبيا شعبا وحكومة، ناهيك عن اهانة ضحايا الايدز المباشرين، الموتي منهم كما الاحياء سواء بسواء.

ہ باحث واكاديمي من المغربmailto : [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية