زينب محمودتتعالى بعض الأصوات من حين لآخر، لسحب جنسية البلد الثاني من ذوي الجنسيتين، في حال اعتلاء منصب رئيس الدولة أو حتى ما دون ذلك، الأمر الذي أجده غير منطقي ولا يخدم ظروف البلد في هذه المرحلة الحرجة. إذ يقصي ذلك المواطن الليبي المهاجر لظروف متباينة وقهرية، وأخص منها السياسية، عن بلده ويجعل ردود فعله سلبية تجاه العزف على وتيرة الولاء، التي يعتقد بعضهم أنه لربما يكون تجاه البلد الثاني، الذي قضوا به بعض الوقت أو جله، مما يؤثر في مواقفه الوطنية تجاه بلده الأول عند اتخاذ أي قرار يهم هذا البلد، خاصة في حالة نشوب حرب بين البلدين، فيغلب عليه الولاء لذلك البلد ولعله يصبح مرتزقاً له. هذه النغمة في اعتقادي تؤلم كل مهاجر، خاصة، التي جنت عليه ظروف القمع والاضطهاد، فأجبر على اللجوء.
نقول إن المزايدة على الوطنية والطعن فيها أحياناً، والاجتهاد في خلق الحساسيات بين أبناء الوطن الواحد، هي أمور لا تسمن ولا تغني من جوع، بل تفاقم الفرقة، التي حاول تعزيزها النظام السابق على الصعيد الداخلي والخارجي، وتؤدي إلى عزوف البعض عن العودة للوطن فتحرمه مساهمة أبنائه فيه.
الإحساس بالوطن متجذر بداخلنا أينما كنا، ولا نسمح بالمزايدة عليه، ومما يعزز قولي هذا، إن بعضاَ من مهاجرينا من قام بأداء واجبه الوطني وعلى أكمل وجه، سواء بدفع حياته على الجبهة أو بالمشاركة بأعمال ثورية وإنسانية، وإن بعض من بالداخل أساءوا ولا يزالون لهذه الوطنية، ويضعون وطنهم في المزاد العلني سواء لقوى داخلية أو خارجية. هذا إلى جانب ما يحمله المهاجر من مشاعر فياضة نحو هذا الوطن وهو هدفه ومرماه والكثير يرنو إلى العودة فيجتهد ويكد ويطلب العلا ليجني وطنه ثمار عمله وعلمه. والمغتربون جلهم لن يكونوا عالة على الوطن بل هم مكسب وعضد له. هم قوة مهاجرة تمتلك كفاءات وقدرات علمية وتحصيلاً دراسياً عالياً، والأجدى احتضانهم، ودعمهم مادياً ومعنوياً. والخطوة التي قامت بها الحكومة الانتقالية بتبني الدارسين على حسابهم من ذوي الدراسات العليا في المهجر خطوة بناءة، والمزيد من هكذا التفاتات للمهاجرين وأبنائهم سينعكس إيجابياً ويزيد جرعة الولاء للوطن وحب العودة إليه واستثمار قدراتهم فيه.
ونحن هنا لا نزايد على مواطنينا بالداخل أو نطعن في كفاءتهم، وإنما كوارث الإهمال التي حلت بقطاعات عدة، أهمها قطاع الصحة، منها تمثل، وهنا شر البلية ما يضحك، في مفارقة التقاط جرثومة من المستشفى أدت إلى القضاء على بعضهم وهو القطاع المنوط به الوقاية والملجأ الآمن للذين يرتادونه، ناهيك عن الفوضى الإدارية التي أدت إلى نتائج وخيمة خاصة التي شاهدناها في عهد القذافي وشهور الثورة وممارساته المشينة والمتوحشة للجرحى من الثوار في المستشفيات.
أما ما يحز في النفس ويقمعها، مشاهدة ملحوظات غير مسؤولة وعنصرية بين أبناء الوطن الواحد حتى على (الفيس بوك) كعبارة تطلق على القادمين من مواطنيهم بالغزو الصليبي، وكأنهم قادمون للإستيلاء على المناصب الهامة والثروة وحرمان الداخل منها، وانتقادات وتساؤلات من قبيل، أين كانوا عند ما كان الداخل يعاني من ممارسات القذافي؟ وكأن المغتربين المجبورين على البقاء في الغربة ويعانون من تبعاتها والحنين إلي وطنهم، سلموا من بطشه، وغاب عن بالهم تلك الملاحقات والتصفيات الجسدية التي طالتهم بالخارج.
ومن بين الانتقادات؛ تلك التي أحاطت بوزيرة الصحة العائدة، بعذر أن المغتربين لا يتوفرون على الخبرة بالأوضاع في هذا القطاع حتى لو كانوا على دراية وذوي كفاءة تؤهلهم لهذا المنصب والاضطلاع به، فيستفيد منهم هذا القطاع التعيس بإمكاناته الضئيلة، وما يعتريه من نقص شديد في الكوادر، وتصحيح الممارسات الخاطئة، التي ألحقت الضرر به، ليصبح قطاعاً مؤهلاً صالحاً للمواطن لاستخدامه. فهي أو من في كفاءتها، توظف خبرتها للنهوض بهذا المرفق وتضعه على الطريق الصحيح خاصة أنها فترة موقتة. كما أن هناك من يرى بأن التشبع بثقافة الآخر سيجلب نوعاً من المفسدة، فهو لديه نظرة تنطوي على اتهامات غير مباشرة للمغتربين بأنهم لا ينفصلون عن أولئك الغربيين المتهمين دائماً بالتفسخ الأخلاقي، إذ أنهم بشكل أو بآخر لا بد وأنهم امتصوا ما في الغرب وتشربوه، وكأن كل ماهو في الغرب فاسد، وأن الداخل خالٍ من مظاهر الفساد، التي تمثلت في تعاطي المخدرات والاغتصاب إلى غير ذلك من الموبقات قبل الثورة وأثنائها، والتي شهدها كل العالم. والبعض يغفل أن أكثر المهاجرين هم ملتزمون، ومنهم من يجند نفسه كممثل شرعي للهوية السابقة ويسد كل أبواب التعاطي مع الهوية الجديدة ويدينها ويطرحها لابنائه بشكل مشوه ليتشبثوا بهويتهم بما يحملونه في الذاكرة من عادات وتقاليد والتأكيد عليها حتى وإن كان بعضها غير سديد، مما أحدث إرباكاً في حياتهم وقصوراً في فهم ثقافة الآخر، والتأقلم وبالتالي التعامل بشكل عقلاني مع المعطيات الجديدة، فأخفقوا في إحداث التناسق المطلوب الذي يحقق التفاعل المتوازن بين الهويتين على اختلافهما، مما أنتج أجيالاً ممزقة ومنشطرة ومنقسمة على نفسها على أكثر من صعيد. بينما اجتازت شريحة من المغتربين بعض العقبات وأفلحت في التعاطي مع الواقع ولم تتجاهل نقاط الاتفاق التي من شأنها أن تقربها من المجتمع التي وجدت فيه ملاذاً ولم تنس هويتها الأصلية، فانعكس على أبنائها إيجابياً وهذا ليس بالأمر الهيّن. إن دور الإعلام في هذا الصدد دور حاسم وضروري، لفرد مساحة كبيرة لطرح هذه الأمور الهامة، والتي لا تقل خطورتها عن ما كان يبذره القذافي وأزلامه ويرسخه في أذهان الناس ليشوه سمعة هؤلاء المهاجرين، خاصة معارضيه، مما أحدث نفوراً ممن خارج الوطن إلى درجة السخط عليهم، ولربما عدم تقبلهم أو حتى تصنيفهم من الدرجة الثانية. المهاجرون الذين عانوا الغربة بأقسى حالاتها. آباء مدفوعون للحياة في مجتمع غربي لا يستطيعون الرجوع إلى بلدانهم وبيئاتهم الأصلية نتيجة لظروف يتعلق أغلبها بأسباب سياسية. فليس كل مغترب يحظى بحياة مرفهة، وهاجس الوطن دائماً يقض مضجعه. معاناة لا يشعر بها إلا من خاض هذه التجربة بإيجابياتها وسلبياتها. ناهيك عن ما يلاقيه بعض المهاجرين من إهمال في بعض مجتمعات الغرب باعتبارهم ذوي خصائص مغايرة ومطالب خاصة، ولعل تنامي الثقافة الاصولية في صفوف المهاجرين نتيجة مباشرة لهذه الأوضاع.
وسنكون جاحدين إذا لم يكن لدينا امتنان للبلد المستضيف الذي لم يهضم حقوق المهاجرين ووفر لهم الأمان والرعاية الصحية والمعاملة الإنسانية التي لم يتمتعوا بها في بلدهم الأصلي، بل اضطهدوا وأُمعِن في حرمانهم من وطنهم وأهليهم. ولكن الانتماء والولاء لا منازع في أنهما للوطن الأم، والحصول على جنسية البلد الثاني وبالتالي جواز السفر لا يضير، بل سهّل ولا يزال الحياة لهؤلاء المهاجرين. وبالتالي سيكون حلقة وصل كبيرة ووثيقة وذا جدوى في ميادين شتى من شأنها سد الهوّة، التي تقلق الطرفين والتقريب من وجهات النظر بمحاولة التقليل من تكريس نظرتنا إلى الغرب بوصفه المستعمر الدائم ونظرته بأن العالم الثالث متخلف ويصدّر الإرهاب. كل ذلك يتم إذا أحسنّا وأفلحنا في التعامل مع هذا الأمر مع الحيطة والحذر. وكما يقول المثل (المال السايب يعلم الهبش) ونحن لم نتوانَ في التسيب. الأجدى بنا إذاً والأنجع تهيئة الأرضية لاحتواء المهاجرين وتوفير الوسائل المريحة والمشجعة على العودة، والاستفادة بقدراتهم وخبراتهم وتفعيلها في مجالاتها لتسريع عملية البناء والمساهمة في الرقي بالوطن بكل جدارة. والمنافسة الشريفة البناءة للجميع من أجل هذا الوطن بتفعيل طاقاتنا وقدراتنا والعطاء المتبادل لا تفسد للود والوطن قضية.’ إعلامية ليبية