ما زالت أزمة المصرف المركزي الليبي تلقي بظلالها الكثيفة على مجمل الاقتصاد، ليس فقط داخليا، وإنما أيضا على الثروة الليبية في الخارج. وأتت تلك التداعيات السلبية، في أعقاب الإقالة المفاجئة لمحافظ المصرف الصديق الكبير بقرار من رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة. ويُعد المصرف المركزي من المؤسسات السيادية البارزة في ليبيا، ما جعل جميع الأطراف السياسية تسعى إلى موطئ قدم، يُتيح لها بسط سيطرتها عليه، لتعزيز نفوذها السياسي.
وليست هذه الإقالة من منصب المحافظ الأولى من نوعها، فقد أقال مجلس النواب المحافظ الصديق الكبير في 14 أيلول/سبتمبر 2014 وأحاله إلى النائب العام للتحقيق. إلا أنه لم يمتثل للقرار ما استوجب من مجلس النواب تسمية علي الحبري محافظا لفرع مواز في مدينة البيضاء شرقي البلاد، فصار هناك مصرف مركزي في طرابلس معترف به دوليا، برئاسة صديق الكبير، يتبع حكومة الوفاق الوطني آنذاك، برئاسة فايز السراج، ومصرف مركزي في الشرق برئاسة علي الحبري، يقع تحت نفوذ خليفة حفتر. على أن مجلس النواب عاد وأقال الحبري واختار مرعي مفتاح رحيل في مكانه.
تراجع ملحوظ
ونتيجة لهذا الاستقطاب الحاد، باتت أسعار النفط العالمية خاضعة في صعودها وهبوطها، إلى مآلات أزمة المصرف المركزي الليبي وفرص الوصول إلى اتفاق بين الأطراف المعنية من عدمها. كما سُجل من جهة أخرى تراجع ملحوظ في سعر صرف الدولار واليورو والاسترليني، أمام الدينار في السوق الموازية.
وتزامنت تلك التداعيات السلبية مع إقدام محتجين في مدينة أوباري الجنوبية، على غلق حقل الشرارة النفطي، مطالبين بمنح إقليم فزان حقوقه في التنمية. ونحوا باللائمة، في بيان من داخل الحقل، على المؤسسة الوطنية للنفط والحكومة، وحملوهما مسؤولية ما يترتب على تلك العملية من نتائج سلبية. كما شكا المحتجون أيضا من حكومتي الدبيبة وحماد، بسبب تقصيرهما في الاستجابة لمطالبهم بتأمين الخدمات والتنمية في الجنوب، بما في ذلك الوقود ومشتقاته، على ما قالوا.
ويضخ الحقلان النفطيان الشرارة والفيل أكثر من 360 ألف برميل في اليوم من المنتوج الخام، فيما تصل ذروة إنتاج حقل الشرارة، وهو من أكبر الحقول النفطية في ليبيا 240 الف برميل في اليوم.
والملاحظ أن درجة الصراع بين الكبير وغرمائه جعلته غير مطمئن على حياته وحياة بعض المسؤولين الكبار في «المركزي» فانتقل معهم إلى اسطنبول. وقال بكلام صريح إنه يخشى من قوات مسلحة تابعة للمجلس الرئاسي وأخرى لحكومة الدبيبة، وهو اتهام لم تفنده الجهات المعنية. أما من الزاوية القضائية، فقضت محكمة بنغازي بعدم شرعية «الانقلاب» الذي أطاح بالكبير. غير أن تنفيذ القرار أمرٌ مشكوك فيه، لاعتبارات لم يشرحها، لكنها معروفة.
مع ذلك، حذر الكبير من أن محاولة الاستيلاء على «المركزي» هي جزءً من مخطط أوسع لزيادة النفوذ السياسي للحكومة في طرابلس، بعد فقدانها أحد حلفائها الرئيسيين في المجلس الأعلى للدولة، على ما قال. كما رفع الكبير أيضا دعوى قضائية ضد من اقتحموا وحدة المعلومات المالية، في المصرف المركزي، لم يُعرف مآلها.
وعلى الرغم من توصل نائبة رئيس بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا ستيفاني خوري إلى جمع الفرقاء للبحث عن مخرج جماعي من الأزمة الراهنة، فشل الاجتماع الأول، وتم الاتفاق على موعد آخر.
تبلوُر الانقسام
يمكن القول إن المواقف تبلورت في أثناء ذلك، إذ بدا أن هناك انقساما بين طرفين الأول ممثل بمجلسي النواب والأعلى للدولة، والثاني ممثل بالمجلس الرئاسي. وكانت هناك ضغوط من أجل عودة الصديق إلى مركزه، على أن يبقى البحث جاريا عن بديل. وزادت المواقف تباعُدا مع اعتبار الكبير أن ما جرى كان انقلابا على المصرف المركزي، وأن القوات المسلحة في طرابلس، لم تتمكن من السيطرة على المصرف، في إشارة إلى الجماعات المسلحة التي أرسلها الدبيبة للسيطرة على مقر «المركزي».
وفي الاجتماع الثاني يوم الأربعاء الماضي، لم يتم الاتفاق على أي شيء بسبب استمرار الخلاف بين مجلسي النواب والأعلى للدولة. وسيكون من الصعوبة بمكان تذليل تلك الصعوبات، ما أصاب العواصم الغربية، المتابعة لحلقات الأزمة الليبية، بالإحباط. فاستمرار تدفق النفط حاجة استراتيجية وهدف حيوي للبلدان الغربية المؤثرة في الملف الليبي، وبالتالي فإن أي اضطراب في إنتاجه يمكن أن يؤدي إلى تداعيات اقتصادية خطرة. وتعزز هذا الشعور إبان الصراع على قيادة المصرف المركزي، الذي أسفر عن زيادة طفيفة في أسعار النفط العالمية، جراء الخوف من نقص الإمدادات. من هنا نلحظ مدى الخوف والقلق الشديدين لدى العواصم الغربية الرئيسة وخاصة أمريكا وفرنسا وبريطانيا، من حصول اضطرابات في الإنتاج. ولذا مارست تلك الدول ضغوطا على الفريقين من أجل حل الخلاف بينهما بالحوار، وتجنيب البلد تداعيات الصراع حول «المركزي». وهذا ما جعل الكبير متفائلا بإعادته إلى منصبه، حسب تصريحات أدلى بها إلى صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية.
سنة على كارثة درنة
استفادت بعض الأطراف من هذا الصراع في قمة «المركزي» لعقد صفقات غير شفافة والتخطيط لإقامة مشاريع بعيدا عن المؤسسات الرقابية للدولة. وكان غريبا ومؤلما أن تحل الذكرى السنوية الأولى لاجتياح العاصفة «دانيال» مدينة درنة ومناطق واسعة من الجبل الأخضر، في 10 ايلول/سبتمبر 2023 متسببة في سيول جرفت أحياء بأكملها، ودمرت مدارس وأسواقا وبنية تحتية، مودية بحياة الآلاف، ونزوح آلاف أخرى. كما تسببت الأمطار الكثيفة بانهيار سدَّيْن في أعلى المجرى نحو درنة، ما أدى إلى فيضانات كارثية ومقتل حوالي 6 آلاف شخص على الأقل، وآلاف المفقودين، وأكثر من 40 ألف نازح، بالإضافة إلى دمار هائل أصاب شرق ليبيا. وقدر تقييم مشترك أجراه البنك الدولي، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة الخسائر والأضرار بقيمة 1.65 مليار دولار، معظمها أصابت البنية التحتية.
وقال مراقبون دوليون لوكالة «أسوشيتد برس» الأمريكية إن ليبيا تحتاج إلى مزيد الدعم لمساعدة درنة وغيرها من المدن المتضررة على العودة إلى ما يشبه الحياة، التي كانت عليها ذات يوم.
بيد أن سيطرة خليفة حفتر وأبنائه على المنطقة الشرقية جعلت عملية إعادة الإعمار أبعد ما تكون عن الشفافية. فبعد تسمية بلقاسم حفتر نجل خليفة حفتر مديرا تنفيذيا لصندوق التنمية وإعادة إعمار درنة، من دون أن تكون له خبرة خاصة في هذا المجال، تتالت الصفقات الضخمة التي وقع عليها مع مجموعات وشركات مقاولات، من جنسيات مختلفة تمتد من البرتغال إلى الصين. وغابت عن تلك الصفقات الشفافية والوضوح، بالرغم من ضخامة الاعتمادات التي ستخصص لصندوق إعادة الاعمار. وتُقدر موازنة إعمار درنة والمناطق المجاورة بـ15 مليار دولار، ما يستوجب التدقيق في العمليات المالية التي تقوم بها «لجنة إعادة الإعمار والاستقرار» و«صندوق إعادة إعمار درنة والمناطق المتضررة».
وتقترب شركات مصرية من الفوز بحصة الأسد في عملية إعادة الإعمار، إذ وقع بلقاسم حفتر على عقود مع مجموعة «المقاولون العرب» المصرية، لتنفيذ مشروعين كبيرين، الأول يرمي إلى إعادة تأهيل ميناء درنة البحري، وتطويره وتنظيفه، والثاني يتعلق ببناء جسر في مدخل مدينة درنة، يربط بين مدينتي درنة والقبة (شرق). وسبق أن وقّع المدير التنفيذي للصندوق الأسبوع الماضي، على عدة عقود مع شركة «المقاولون العرب» من بينها إنشاء عدة جسور في درنة وبنغازي واجدابيا، ومدن أخرى في المناطق المتضررة من الفيضانات بالجبل الأخضر، بالإضافة إلى التوقيع على عقدين لبناء جسرين في طبرق (شرق).
كما تشمل مشاريعُ إعادة الإعمار تطوير المطار المدني الدولي بنينا في بنغازي، طبقا لأعلى المعايير العالمية، وتشمل أيضا مشروع إقامة منطقة اقتصادية حرة بالمريسة (شرق).
أما الأتراك فتكفلوا بتنفيذ مشروع «أبراج بنغازي» من خلال شركة «تي دجي دجي». ويتألف المشروع من ثلاثة أبراج مُطلة على بحيرة 23 يوليو 1952 وملعب الغولف، غير بعيد عن المدينة الرياضية. وهذه الأبراج مقسمة بين برج سكني وبرج فندق، إضافة إلى برج مكتبي. وتُقدر فترة الإنجاز بسنة ونصف السنة، على أن تعمل الشركة التركية على تشغيل الأبراج وإدارتها لمدة سنتين. وعلى الرغم من أن الاعتمادات المخصصة لهذه المشاريع ينبغي أن تمر عبر مصرف ليبيا المركزي، ومن خلال الحكومة المكلفة من مجلس النواب، فالأرجح أن بلقاسم حفتر سيتعاطى مباشرة مع الشركات الأجنبية، بعيدا عن الأجهزة الرقابية.
وفي نفس الإطار نالت شركة إماراتية حصة مهمة من الصفقات، بعد التوقيع على حزمة من المشاريع بين صندوق إعادة إعمار درنة والمدن والمناطق المتضررة، وشركة «غلوبال كونتراكتنغ» الإماراتية. وتشمل هذه المشاريع تجديد البنية التحتية لدرنة، وإنشاء محطات معالجة لمياه الصرف الصحي، ومحطتين لتحلية مياه البحر، وقناة متكاملة لمجرى الوادي ومنه للبحر، وفق بيان صادر عن الصندوق. وبموجب تلك العقود ستنفذ الشركة الإماراتية المتخصصة في مجال المقاولات والإنشاءات، مشروع حاجز الأمواج، الذي يحافظ على الواجهة الساحلية لدرنة.
لكن اللافت أن الجهة الرسمية التي تعاطت مع وفد ائتلاف الشركات الإماراتية لم تكن حكومة الوحدة المعترف بها دوليا برئاسة الدبيبة، وإنما الحكومة الموازية برئاسة أسامة حماد، ما دل على استمرار القطيعة بين الإمارات وحكومة الدبيبة. وأفاد بيان للحكومة الموازية أن أعضاء الوفد الإماراتي قدموا عروضًا حول رؤيتهم لإعادة إعمار درنة والمناطق المتضررة. وأضاف أن الوفد قدم تصورا شاملا لترتيب أولويات إعادة الإعمار، ومعالجة أسباب انهيار سدي المدينة، من دون إعطاء مزيد من التفاصيل.
تغييب المقاولات المغاربية
على أن هذه الحظوة الخاصة التي تلقاها الشركات المصرية والإماراتية في الشرق الليبي، لا تحظى بها شركات بلدان الجوار، تونس والجزائر والمغرب، بالرغم من خبرة شركاتها المشهود لها بالكفاءة في مجال إعادة الإعمار وبناء الجسور. ومع أهمية عقود إعادة الإعمار، فإن الوضع الراهن لسكان المناطق المنكوبة في درنة وعدة مدن، يستوجب اهتماما عاجلا وحلولا إنسانية، وإن مؤقتة. وقد حير هذا الوضع المأسوي المنظمات الإنسانية، فسعت للمساهمة في مساعدة اللاجئين والمنكوبين.
على هذه الخلفية أكدت خمس منظمات إغاثة دولية أن تلبية الاحتياجات الإنسانية في المناطق المتضررة من كارثة الفيضانات، ما زال دون المطلوب بشكل مثير للقلق، بعد مرور عام كامل على الكارثة التي أودت بحياة الآلاف. وشددت المنظمات في بيان مشترك نُشر عبر الموقع الإلكتروني للجنة الإنقاذ الدولية، على «الحاجة الملحة لمواصلة التداخلات الطارئة، وتنفيذ استراتيجيات التعافي طويلة الأجل، لدعم المجتمعات والمدن المتضررة».
ومنظمات الإغاثة الدولية الخمس، هي لجنة الإنقاذ الدولية والهيئة الطبية الدولية والمجلس النرويجي للاجئين، ومنظمة الإغاثة الدولية الأولى، ووكالة التعاون الفني والتنمية «آونكتاد». وكشفت المنظمات الغطاء عن المجتمعات المحلية الأكثر تضررا من السيول بعد عام كامل من مرور العاصفة «دانيال» على الشرق الليبي. وشددت على أن حجم الدمار الذي سببته الفيضانات ترك فجوات خطرة في الخدمات الأساسية، وهي فجوات مستمرة إلى اليوم. واعتبرت أن الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية لا تزال قائمة وحاضرة. وحذرت من أن عددا لا حصر له من العائلات يواجه تحديات مستمرة للحصول على الضرورات الأساسية، ولا تزال الأسر النازحة تعيش في ظروف محفوفة بالمخاطر، وسيتعين عليها انتظار استكمال تلك المشاريع، إن كان لهم فيها نصيبٌ، وهي تتطلب وقتا طويلا لإنجازها، فيما أوضاعهم تتدهور يوما بعد آخر.