ليست الامم المتحدة هي اللاعبة الرئيسة

حجم الخط
0

لم يتأثر الامين العام للامم المتحدة بان كي مون تأثرا خاصا بآثار ‘المصالحة’ بين فتح وحماس، ودعا اسرائيل الى الاستمرار على المحادثات وكأنه لم يحدث شيء. أما مبعوثه الى الشرق الاوسط روبرت سيل فنشر اعلانا يُفهم منه ضمنا أنه يبارك الاتفاق.
حينما اقترح دافيد بن غوريون في 1955 وكان آنذاك وزير الدفاع في حكومة موشيه شريت، احتلال قطاع غزة بسبب كثرة العمليات الارهابية وعمليات الفدائيين الذين خرجوا من هناك في كل ليلة تقريبا عارض رئيس الوزراء ذلك بشدة وحذر من الردود السلبية في الامم المتحدة. وحفزه بن غوريون على ذلك بالعبارة الخالدة التالية: ‘أمم متحدة جوفاء’، أصبحت منذ ذلك الحين عبارة رائجة في القاموس السياسي الاسرائيلي. لا يعني ذلك أن بن غوريون استخف بأهمية الدعم أو عدم المعارضة الدولية على الأقل لاجراءات اسرائيل العسكرية، لكن لم تكن عنده أوهام كثيرة بخصوص الامم المتحدة بسبب عدم فاعليتها وبسبب تركيبتها المنحازة علينا سلفا، في الأساس.
وحينما نبهه شريت الى أن الامم المتحدة هي التي انشأت دولة اسرائيل، أجابه بن غوريون بغضب: ‘جرأة اليهود فقط انشأت الدولة لا قرار أمم متحدة جوفاء’.
ولم يكن أكثر رؤساء الولايات المتحدة ايضا على يقين من أن الامم المتحدة، اذا استثنيت قيمتها الرمزية وكونها منبرا دعائيا جيدا، هي بالضبط الجسم الأنسب للدفع قدما بأهداف العالم الحر وبأهداف امريكا السياسية (تخلى الرئيس ترومان في الحرب الكورية عن ختم الامم المتحدة بسبب فيتو الاتحاد السوفييتي) الى أن جاء الرئيس اوباما الذي آمن بأن المنظمة الدولية ومؤسساتها ولا سيما مجلس الامن هي المكان الصحيح الذي ينبغي أن تقوم عليه اعماله السياسية.
وعبر هذا التوجه عن تصور اوباما العام وعن نيته تقليص مكانة الولايات المتحدة الرائدة ودورها باعتبارها ‘شرطي العالم’ وأن يوسع بدل ذلك العلاقات بأمم العالم ولا سيما تلك التي هي الأكثرية عدداً في الامم المتحدة، وتشمل العالم الاسلامي وبلدان آسيا وافريقيا.
فلم تعد امريكا مميزة بل أصبحت امريكا شريكة مخلصة في أسرة الشعوب تفضل ‘أن تقود من الخلف’ (أو لا تقود أصلا في واقع الامر.)
بيد أن الواقع كان مغايرا لعالم هذه التصورات المثالية، ولطمت أحداث كالحرب الاهلية الدامية في جنوب السودان، والمذبحة في سوريا، والاحداث في اوكرانيا، والمشروع الذري في كوريا الشمالية وغير ذلك، لطمت واشنطن وبينت للرئيس ايضا أن الامم المتحدة لا يمكن أن تكون في أي شأن سياسي مركزي وسيلة ناجعة للدبلوماسية الامريكية. فهل يمكن أن يخطر بالبال مثلا أن يوجد احتمال ما لأن يوافق مجلس الامن على عملية عسكرية على المشروع الذري الايراني اذا احتيج اليها؟
ليس من الواضح أن أوباما قد صحا، لكن محللين دبلوماسيين امريكيين أصبحوا يتحدثون عن ‘تعب الادارة من الامم المتحدة’، وعن شكوك أخذت تكثر في أنه هل الامم المتحدة كنز أم عبء؟ وما هي الآثار الممكنة على اسرائيل؟
لم تكن لاسرائيل قط أوهام كثيرة جدا بخصوص الامم المتحدة برغم الدور الايجابي الذي أدته في 1947، وبرغم أن سفراء اسرائيليين قديرين فصحاء عرفوا ويعرفون كيف يستغلون منبرها بصورة منقطعة النظير للدعاية. ومع ذلك من المؤكد أنه لا أحد يستطيع اقناعها بناءً على تجربة الماضي، بأن الامم المتحدة و’جنودها’ يمكن أن يكونوا بديلا عن المبدأ الحديدي وهو أن اسرائيل فقط تستطيع ويجب عليها أن تحمي أمنها بنفسها.
في 1956 مثلا حينما غزا الجيش الروسي هنغاريا وقمع الهبة الشعبية على النظام الشيوعي، وتوقع المجريون أن يخلصهم جنود الامم المتحدة، أرسل الامين العام للمنظمة بدل ذلك مبعوثا فردا لم يُسمح له حتى بدخول الدولة. ينبغي أن نأمل ألا تُبالغ واشنطن في عودتها الى موقف أكثر اتزانا وواقعية من الامم المتحدة، مثل عدد من الادارات السابقة وأن تعمل لصالح اسرائيل ومن ذلك وقف اجراءات الفلسطينيين ليحظوا بشرعية دولية في نطاق الامم المتحدة.
يقتضي الامر ايضا دبلوماسية اسرائيلية مسؤولة حكيمة لمضاءلة الفروق السياسية بيننا وبين الولايات المتحدة بقدر المستطاع. وحتى لو كانت الامم المتحدة ‘جوفاء’ فينبغي ألا يُستنتج من ذلك أن مقولة شهيرة اخرى لبن غوريون وهي ‘أن مستقبلنا ليس متعلقا بما يقوله الأغيار بل بما يفعله اليهود’ تعني أن ما يقوله الامريكيون ليس مهما.

يديعوت 30/4/2014

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية