ليست حكومة حماس وحدها بل كل الحكومات الفلسطينية مستهدَفة اسرائيليا

حجم الخط
0

ليست حكومة حماس وحدها بل كل الحكومات الفلسطينية مستهدَفة اسرائيليا

د. ابراهيم ابراشليست حكومة حماس وحدها بل كل الحكومات الفلسطينية مستهدَفة اسرائيليا يُكثر المسؤولون في حركة حماس من القول بان الحكومة الفلسطينية التي يترأسونها مستهدفة من طرف اسرائيل والولايات المتحدة بل احيانا يقولون بان كل دول العالم تحاصر هذه الحكومة، فيما كانت الحكومات السابقة -حكومات حركة فتح- صديقة او موالية لاسرائيل والولايات المتحدة الامريكية، وهذا القول يحتاج لوقفة تمعن. لا محاجة بان الحكومة الفلسطينية المنبثقة عن مجلس تشريعي منتخب ديمقراطيا تتعرض لحصار متعدد المجالات ومتعدد الاطراف، فهناك حصار مالي واقتصادي وحصار سياسي ودبلوماسي، واطراف الحصار متعددون علي راسهم بطبيعة الحال اسرائيل والولايات المتحدة ودول اوروبية وايضا دول عربية، والمشكلة في راينا ليست وجود الحصار ولكن تعامل حركة حماس مع الحصار وكيف تفهمه وتسوقه للجمهور، المشكلة في استغرابها واستهجانها لما تتعرض له الحكومة التي شكلتها للحصار واعتباره كأمر غير متوقع وكمؤامرة علي الحكومة الفلسطينية الراهنة فقط لانها حكومة حمساوية! والسؤال هو، هل كانت حركة حماس تتوقع من الاطراف المحاصرة لها ان تتعامل معها بمحبة وتعاون لانها حكومة ديمقراطية ومنتخبة؟ ان كانت حركة حماس تعتقد ذلك فانها تمنح شهادة حسن نية للسياسة الامريكية في المنطقة الخاصة بنشر الديمقراطية وتشجيع الجماعات السياسية علي الانخراط بالعملية الديمقراطية، واعتقد انه لا يخفي علي قادة حركة حماس بان الديمقراطية الفلسطينية وتحديدا العملية الانتخابية، ما كان لها ان تكون لولا الضغط والرعاية الامريكية ومعها الرباعية للانتخابات، كما لا يخفي عليها ان الديمقراطية الموجهة امريكيا سواء في فلسطين او العراق او مصر وفي دول اخري، هي ابعد من ان تسعي لتجسد تجسيدا حقيقيا ارادة الامة. الولايات المتحدة لا ولم ينتابها الحزن والالم لاننا غير ديمقراطيين وبالتالي تريدنا ان نكون ديمقراطيين! بل تسعي لتوظيف بعض خطاب وآليات الممارسة الديمقراطية لتحقيق اهداف تتناقض جوهريا مع جوهر الديمقراطية وهو تجسيد ارادة الامة. ومن جهة اخري فان الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل ومن يدور في فلكهما لم يكونوا ضد حقوقنا المشروعة لاننا نريد تحقيقها بالمقاومة او لاننا غير ديمقراطيين، وبالتالي عندما نصبح ديمقراطيين وعندما تصبح حكومتنا منتخبة فان هذه الاطراف ستقدم لنا حقوقنا علي طبق من ذهب. مَن يفكك الخطاب السياسي للحكومة ولحركة حماس سيجد ان هذا الخطاب يعتريه تناقض كبير يعبر عن مأزق حقيقي تعيشه الحركة، وهو مازق الانتقال من حركة جهادية لحركة سياسية تريد ان تكون ديمقراطية في فترة زمنية قصيرة، وهو ايضا مازق التوفيق ما بين المرجعية الايديولوجية الدينية الاممية باعتبار الحركة امتدادا لجماعة الاخوان المسلمين كما يرددون دوما، ومن جهة اخري متطلبات العمل الوطني النابعة من خصوصية الحالة الفلسطينية وتميزها عن ساحات العمل السياسي التي تشتغل فيها جماعة الاخوان المسلمين. وهناك تناقض ثالث ينتاب الخطاب السياسي للحكومة وللحركة وهو يستشف عندما تلجأ للدفاع عن نهجها ورفضها للضغوط الممارسة عليها للتعامل مع استحقاقات التسوية، بالقول ان الحكومات السابقة والرئيس ابو عمار لم يشفع لهم كل التنازلات التي قدموها حيث لم تعترف اسرائيل بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بل قتل الرئيس ابو عمار علي يد الاسرائيليين. فالحركة هنا وكانها تعترف بانها ليست الوحيدة المستهدفة بل كل الحكومات السابقة، فالمشكلة اذن هي ليست الاعتراف او عدم الاعتراف باسرائيل وبالتسوية بل في ان اسرائيل التي لا تريد التسوية والسلام، وهذا يعني ان الحكومة الحالية لا تُحاصر لانها حكومة حمساوية بل لانها حكومة فلسطينية، وهذا ما نود توضيحه. وسط الصراعات والخلافات بين الاحزاب السياسية علي السلطة وعلي كسب تأييد الشارع، نسي كثيرون حقيقة ان ما يجري ليس سلاما بل مشروع تسوية، ونسوا بان الفلسطينيين ومنظمة التحرير تحديدا لم تدخل التسوية في ظل اوضاع مريحة وبالتالي لم تشارك فيها علي قاعدة الندية، ونسي الجميع بان الولايات المتحدة واسرائيل ليسوا، ولم يكونوا، جادين بالسلام، وبالتالي لم يكونوا مرتاحين لوجود سلطة وطنية حقيقية وحكومة فلسطينية قادرة علي القيام بمهامها بجدارة واقتدار، ونسي او تناسي الجميع بانه طوال الاثنتي عشرة سنة من وجود السلطة كان هناك صراع حاد بين الفلسطينيين والاسرائيليين علي شكل وطبيعة السلطة، ففيما كان الفلسطينيون وعلي راسهم المرحوم ياسر عرفات ـ الذي مارس بعض الامور البروتوكولية التي كانت محل سخرية من البعض كالسجاد الاحمر وطقوس رئاسية تقليدية ـ يريدونها سلطة وطنية تؤسس للدولة وتحافظ علي الكيانية السياسية والشخصية الوطنية في ظروف دولية واقليمية غير مواتية، كانت اسرائيل ومعها الولايات المتحدة الامريكية يريدونها سلطة شكلية يتلهي بها الفلسطينيون عسي ولعل ان تنســـــيهم حقيقة انهم شعب تحت الاحتلال، ولم يتورع كل طرف في استعمال كل الوسائل المشروعة وغيـــــر المشروعة لتحقيــق اهدافه، وكانت اهم ورقة تستعملها اسرائيل للتخريب علي السلطة واعاقة عملها هو التأثير علي عمل الحكومات المتعاقبة والحيلولة بينها وبين القيام بمهامها بالرغم من انها ايضا كانت حكومات منبثقة عن مجلس تشريعي منتخب. وهكذا ولان اسرائيل وامريكا لم تكونا جادتين بالسلام وبالتسوية العادلة، فقد أيدتا السلطة الفلسطينية علنا، فيما كانتا تعملان كل ما من شأنه تفريغها من مضمونها الوطني ووضع العراقيل امامها لمنعها من القيام بمــــهامها الوطنية، ولم يتوقف الامر علي التهرب من الاستحقاقات المفروضة علي اسرائيل بمقتضي اتفاقات اوسلو ولواحقه كعدم الانسحاب من مناطق منصوص عليها ووقــــف الاستيطان الخ، بل تعدي ذلك لاستهداف الحكومة باعتبارها الاداة التنفيذية للسلطة. استهداف الحكومة الفلسطيــــنية في تلك المرحلة اخذ عدة اشـــــكال، منها اعاقة عملها الاداري وعرقلة حرية التنقل بين شطري الوطن، والتدخل في التوظـــــيف وخصوصا للمواقع العليا بحيث كان يوضع الرجل غير المناسب في المكان غير المناســــب، واعاقة كل محاولات اصلاح السلطة سواء ماليا او اداريا او سياسيا، وتدمير الاقتصاد الوطني، الا ان اخطر استهداف كان الافساد المالي والاداري. لم تكن الاموال التي تقدم للسلطة ولرجالها تخدم دائما المصلحة الوطنية، ففي كثير من الاحيان كانت تجري عمليات افساد مالي للحكومة بشكل مباشر، وقد استُدرج كثير من المسؤولين لهذا الفخ واصبحوا اسري للمال ومَن يمدهم بالمال او ييسر عليهم امر الحصول عليه بعقود خاصة او احتكارات لسلع محددة او تسهيل معاملات تجارية يقومون او يشاركون بها، ولم يتوقف استهداف الحكومات السابقة علي الافساد الفعلي بل تعداه بترويج وتضخيم الحديث عن الفساد. الفساد المالي والاداري كان موجودا ولا شك ولكن اسرائيل ومن يدور في فلكها كانوا يضخمون الحديث عن الفساد بل لا يتورعون عن كشف فساد من كانوا ضحية افسادهم، لان افساد الحكومة والقول بفسادها يسيء في النهاية للسلطة الوطنية ولمن يعمل علي صيرورتها سلطة تؤسس للدولة وتحمي المصلحة الوطنية. اذن، كل حكومة فلسطينية هي محل استهداف من طرف اسرائيل وليست الحكومة الحالية فقط، لان اسرائيل لا تريد لاي حكومة فلسطينية ان تنجح في تسيير امور الناس وخلق استقرار وطمانينة، بل تعمل دوما علي اغراق كل حكومة فلسطينية بمشاكل لا تنتهي، لان نجاح الحكومة الفلسطينية في مهامها الوظيفية من ادارية واقتصادية سيجعل مناطق السلطة مناطق جاذبة للفلسطينيين فيما اسرائيل تريدها مناطق طاردة لهم، ومن جهة اخري فان نجاح اية حكومة فلسطينية سيقوي السلطة مما يدفع بالانتقال لخطوة اخري وهي التفرغ للقضايا الاستراتيجية المتعلقة بالتسوية والمفاوضات، حيث سيكون المفاوض الفلسطيني المستند علي حكومة وسلطة مستقرة اكثر قوة علي طاولة المفاوضات، واسرائيل لا تريد ان تجلس علي طاولات المفاوضات مع مفاوضين فلسطينيين اقوياء، هذا ان كانت اصلا تريد المفاوضات. من المفيد للحكومة الفلسطينية الراهنة ولاي حكومة قادمة ان تقرأ جيدا اسباب تعثر وفشل الحكومات السابقة بالقيام بمهامها، لو قرات حركة حماس جيدا وبصدق تجربة الحكومات السابقة لادركت جيدا انها ليست الحكومة الوحيدة المستهدفة، وانها حتي لو اعترفت باسرائيل وبالتسوية فلن يسمح لها بالنجاح كحكومة ليس لانها حكومة حمساوية بل لانها حكومة فلسطينية، وهذا يتطلب من حركة حماس الخروج من عقدة تضخيم الذات والتمركز علي الذات، فاسرائيل تريد ترويج ان المشكلة هي مع حركة حماس حتي تخلق فتنة داخلية وتؤلب الفلسطينيين بعضهم علي بعض، فيما مشكلة اسرائيل هي مع كل الشعب الفلسطيني، هذا ما يجب ان تفهمه الحكومة الحالية واية حكومة قادمة.ہ أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأزهر ـ غزةIbrahem_ibrach@hotmail. com8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية