ليسقط الكتاب، ولتحيَ السراويل!

حجم الخط
0

ليسقط الكتاب، ولتحيَ السراويل!

أحمد المدينيليسقط الكتاب، ولتحيَ السراويل!من قال إننا في حاجة إلي الكِتاب، أن البشرية لا تكفيها البقول واللحوم والفواكه، ولا الأوكسجين والماء، كي تعيش ؛ أن الكتاب، الكلمات، اللغة، والأفكار، والمجازالبلاغي، هي ونظائرها ضرورية للنوع البشري، بل هي تحديدا ما يميزه عن غيره، ويعلو به عن المرتبة الحيوانية الأولي؟ من قال إن ما تحقق للإنسان، للإنسانية جمعاء، من تراكم في طبقات التكوين الحضاري والعقيدي والإبداعي والعلمي، كل ما ميّزها منذ المراحل البدائية إلي ما ارتقت إليه في مدارج التقدم يعتبرالكتاب، اللغة، المحمول الوجداني والذهني في التعبيرين الثقافي والإبداعي هو القاعدة لها، وبدونها لا يكون، لا يوجد شيء؟ لست بصدد السؤال، ولا الكلام علي سبيل الافتراض، كما لا أذكّر بما يعدّ عند البعض، والبعض فقط، من أسف، بدهيات محسومة، فلا أمر بقي بدهيا مع الانقلاب المذهل الذي يعيشه العالم ـ دعك من عالمنا ـ علي صعيد الثقافة ونظام القيم وأنماط السلوك. والأجيال التي تتشبت بالمنظومات السابقة تجد نفسها في الحاضر تتقلب في رماد غربة واغتراب باردين، وقد هرب عنها وهج الحياة ليشتعل حيث لا يمكن أن تقبس منه أيّ نار. لنقل بصراحة ممضة إنها غربتنا نحن الذين تقلبنا في مختلف الجنان والمنافي الرومانسية حتي أنكرتنا جميعها، ولم يعد لنا من سبيل للبقاء، أي للحفاظ علي نوعنا الإنساني السائر الي الانقراض إلا طريقة بنيلوب الشهيرة في انتظارها العودة المستحيلة لعوليس. نحن الذين وُلدنا باسم الكلمات، ولعنا وتولعنا بها في مدارالأزمنة وصولة الإيديولوجيات، ولهيب الأحبة، باسم إقرأ جئنا، أراد نبينا أن ينشر رسالته وأن ننتشر بها في الأرض، وظن شاعرنا الأعظم أن كلماته أسمعتْ من به صمم، نكتشف بعد فوات الأوان، دائما، أن لا أحد يريدنا، وأن الكلمات اليوم ليست أكبر من سقط المتاع، ما بالك لو قلنا إن كوم سراويل تعدل ما تفشّي من وباء الوجود في قلب ألف شاعر.لن يشتري أحد اليوم كلمات المتنبي، ولن يحفل أحد، أيضا، بتباريح أبوليينر في الشاعر المقتول ، وأفٍٍٍٍّّ للحداثات كلها، في العواصم الأم باريس ولندن، قبل غيرها، لا في تلك الإسمنتيات العربية الخرداوات، توصوص جرذانها بالحديث عن الشعر والنثر وما بينهما صباح مساء ، يتقدمها أنبياء جيفة مدادهم منقوع، شأن شواربهم المستعارة، في مداد السادة الذين لهم أعطاف تسيل، ولغة الإخوة، صحابا ورفاقا، تعلن أنها، َوْيحَكُم، لا أقل ولا أقل، خصر يميل. كان ينبغي أن أبدأ الحكاية من أولها بالتفاصيل إلا أن غيضها فاض في قلبي ليضيعني، كالعادة، عن سواء السبيل، أو ما عاد اسمه الآن نهج السراويل. ولقد ضعت فعلا أنا الذي لا يهتدي حيث يقطن الآخرون إلا قليلا، فبينما كنت أقصد ساحة السربون بباريس، الواقعة عند فجوة من شارع سان ميشال الذي كان محجا للفلاسفة والأدباء، والعرب منهم، إلي نهاية تسعينات القرن الماضي، وجدتي وقد قطعت نصف مسافته المبتدئة شمالا من محطة البور روايال (وهي أيضا في التاريخ معلم للجنسينيين، ولأهم مدرسة لسانية) ينقلب عليّ ما اعتدت علي رؤيته من خلق ومشاهد، وإني وقد غضضت الطرف عن الخلق فهو من صنع الخالق لم أمنع نفسي عن سؤال المشاهد، أو ما آلت إليه، فهي، بعد كل شيء، من صنع البشر، وأيّ بشر هذا ؟!نحن الذين عشنا في عاصمة النور، منذ طرقها جدنا طه حسين وبصمَها بمدينة الجن والملائكة، تعلم فيها وسرنا أجيالا علي خطاه نؤمّ جامعة السربون لنتعلم ونتدكتر، ونصبح من أساتذتها كأننا فُطرنا علي ذلك، نحن لم نكن نستطيع أن نفارق تلك الساحة يوما، فإن اضطرنا لذلك لسبب من الأسباب نرانا انتشرنا بها ليلا في أحلامنا وبحنين ساحر لباحاتها، بوجوهنا المنعكسة علي واجهات المكتبات التي تحف بها تسللت إلي الرفوف تنهب حروفها.للناس في ما يعشقون بباريس مذاهب ونحن كانت ساحة السوربون وما حولها لنا عشقا بلا شريك. في مقاهيها نلتقي بعد المحاضرات، وثمة نصخب بالسياسة، في المساء نثمل بالزبد، ندعو للهوي إحدي الخليلات، والآن، لم يبق من كل ما مضي غير هذي الحسرات. الآن صارت الساحة، أمسي الشارع، الحي اللاتيني كله مرتعا لما يقذي ويؤذي من المشاهد، فإن اتفق أن مررنا خفنا أن تنقض علينا بومُ الحاضر من تعس ما نري. أناجي محمد باهي أحد آخر الفرسان العرب الذين فتحوا بلاد الغال وأقاموا فيها تحت الخباء المعمّد، أناجيه ومعي بقية عرب بائدة: يا باهي لقد لطف بك الله حقا إذ أخذك إلي جواره وجنّبك أن تري السان ميشال، وساحة السوربون، ومكتبتها العظمي للمنشورات الجامعية التي علمتني سلوك دهاليزها، كأن الطير الأبابيل، رمتها بحجارة من سجيل، فنقضتها، وجاء يا حبيب الفيافي من بني علي الأنقاض ديكورا علّق عليه أعلاما كالسراويل، بل هي سراويل! إذا مررتم في مطلع هذا الشهر قرب جامعة السوربون، ساحتها بالأحري، ولم تجدوا المكتبة الشهيرة الأسطورية (المنشورات الجامعية لفرنسا (( PUF الموجودة ـ كانت عند ناصيتها ـ فلا يهلعنّ أحدكم أنه أضاع إليها الطريق، فالزمن هو الذي أضاعها، وقانون الربح الذي لا يبالي مطلقا بالقيم، وتتهافت دونه سطوة الكلمات، بدّدها هباء وصيّرها قطعة أورو من قماش. ابتداء من هذا الشهر اذا طرقت أيها الشريد في المفاني ـ لا المنافي ـ الباريسية عنوانك القديم، واخترقت بوجهك الواجهة رأيته منعكسا علي سروال أو ساقا تخرج من سروال لتحتك بك فأنت لا تحلم وإنما واقف أمام الحقيقة الحقيقية الصاعقة: إنك أمام متجر للسراويل، للبناطيل، ما شئت. لن أسرد عليكم التفاصيل، متاعب هذه المكتبة، الأسباب التي أدت إلي هذا المصير ففيها التجاري، والسوسيولوجي المتعلق بالخلو التدريجي للحي اللاتيني العريق من زبائنه القدامي، فيها إغراء المال الذي هزم السياسيين والمثقفين وقفوا عاجزين يشهدون اغتيال هذه القلعة الثقافية، ويسمعون من يقول بنزق لا مزيد عليه : ماذا في الأمر، سروال بثمن بخس يحل محل كتاب ذكي، غدا سيعتاد الناس علي ذلك، غدا ؟ ! قبل سنوات كاد رأسمال خليجي أن يجهز علي مقهي الفوكيتس الشهير في شارع الشان زيليزي ليحوله إلي إسطبل للهمبرغر، ولولا تدخل وزيرالثقافة الغيورآنذاك الأستاذ جاك لانغ لضاع المكان الذي كان جيمس جويس، مثلا، في العشرينات يدعو إليه زوجته وأولاده للغداء إذا تقاضي مقابل قصة قصيرة.يحدث هذا في إحدي عواصم الثقافة والنشر في العالم، أما في بلداننا العربية، وبعد أن أحرق الأمريكان مكتبات العراق تضامنا مع المغول، وبعد أن أيقن العربي أن علبة مالبورو أذكي من نكاية أي كتاب، فإن السراويل لم تحتل المكتبات فحسب، بل وضعت جميع الكتب في توابيت، وسارت بها راقصة فوق الخصور العارية، لوأدها، والانتهاء أخيرا من عهد بائد، مثير للشفقة ! كاتب من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية