لا يمكن فهم ممارسات عبد الفتاح السيسي، إلا من خلال علم الانثروبولوجيا، تخصصي الدقيق أنا وجمانة نمور، التي لم أعد أعرف أين أراضيها؟!
فقد انطلقت قناة «الغد العربي»، والتي قالوا إنها ستعمل بها، ولم أعثر لها على «جُرة»، رغم متابعتي للقناة، لعلي أجد على النار هُدي. وقد وقفت من خلال المتابعة، على أنها فضائية باهتة، برغم توافر الإمكانيات المالية، واستوديو من القاهرة وآخر من لندن. فليس بالمال وحده تنجح الفضائيات!
من الواضح أن جمانة أصابتها «لعنة الجزيرة»، وقديماً تحدثوا عن لعنة الفراعنة. فكل من تركوا «الجزيرة» أصابتهم لعنتها، وحتى أولئك الذين وجدوا فرصة عمل في فضائيات أخرى، ووجدوا حفاوة، فان حالهم كمن رقصت على السلالم، فلا نجاح ولا فشل، مع أن منهم من تنازل عن مهنيته، وانخرط في مدرسة توفيق عكاشة، وجارته بالجنب: «حياة». ويحيا السهر مع حياة الدرديري وعكاشة.
أما الضحالة الحقيقية لقائد الانقلاب، فقد وقفت عليها منذ أن علمت بصداقته التاريخية لتوفيق عكاشة، صاحب نظرية أن من شروط الصلاحية لتولي منصب رئيس الدولة، هي أن يلم الرئيس بقواعد « تزغيط دكر البط»، ومعرفة كم عوداً في «حزمة الجرجير». ويبدو أن السيسي يعرف كيف «يزغط دكر البط»، ويبدو أن عكاشة اختبره بالسؤال عن «كم عوداً في حزمة الجرجير»؟! فأجابه، لذا فقد رأى أنه الأجدر بحكم مصر.
يقولون إن السيسي من فرط إعجابه بقناة الفراعين، جعلها القناة الرسمية في معسكرات الجيش، منذ حكم المجلس العسكري. والشهادة لله، فالعلاقة بينه وبين عكاشة تاريخية، وبالذات منذ أن أسس الأخير جمعية لها اسم عشوائي، كاشفا عن حقيقة النوايا منذ أول لحظة: «جمعية شباب الإعلاميين وأسرهم وغيرهم». وكان لها نشاط واحد إذ حصلت من وزير الزراعة في عهد مبارك «يوسف والي» على أكثر من ألفي فدان، على أنها أراض زراعية، وبعد شهر صدر قرار باعتبارها أرض مبان، لتنقل الجمعية، وقرار والي، أصحاب القسمة والنصيب من طبقة إلى طبقة. وثمن الأرض الممنوحة «بتراب الفلوس» بعد قرار التحويل، كفيل بحل أزمة الموازنة العامة للدولة، بدون اللجوء إلى «النقوط الشعبي»، وبدون أن يحرج السيسي نفسه مع دول الخليج، بطلب المساعدات، أو أن يحرج حكام المنطقة المانحين مع شعوبهم، وبدون أن يطلب من المواطن البسيط أن يقوم بقسمة رغيف الخبز علي أربعة، مع انه لا يقبل القسمة على اثنين.
السيسي خطيباً
«النقوط»، انثروبولوجياً عرفته المجتمعات القديمة، وتم توارثه جيلا بعد جيل. ويحدث كثيراً أن يلجأ إليه إنسان أصابه العوز، من أجل أن يحل مشاكله المالية، فيقوم بختان ابنه الصغير، أو يزوج ابنه الكبير، وقد عالجت الدراما المصرية هذه الحالة. وفي واحد من هذه الأعمال ماتت الأم لكن ابنها العريس لم يعلن خبر وفاتها، حتى لا ينفض السامر فيكون الأمر بمثابة «موت وخراب بيوت»، وواصل الفرح ليجمع «النقوط». وفي الواقع فان المستخدم في عملية النقوط هو «لم» وليس «جمع».
الذي فات عبد الفتاح السيسي أن ما يصلح في أمر الأفراد لا يجوز في أمر الدول، لا سيما إذا كانت الدولة التي تقوم «بلم النقوط» بحجم مصر، وتعاني من انهيار اقتصادي غير مسبوق!
السيسي كان يمهد لرفع الدعم عن المحروقات، وهو ما سينتج عنه ارتفاع في الأسعار على نحو يجعل من مصر بلدا طاردا للكائنات الحية. لكن حلوله للأزمات يأتي على قاعدة قسمة رغيف الخبز على أربعة، وحل أزمة البطالة بألف سيارة يشتريها ألف شخص عن طريق البنوك ويعمل عليها ثلاثة آلاف وتشتري الخضار بالجملة وتبيعه بالقطاعي!
الغاوي ينقط بطاقيته
لقد فتح السيسي «حفلة النقوط»، وكما تقول الشحرورة، «الغاوي ينقط بطاقية»، فقد تنازل عن نصف راتبه، وزاد على ذلك بأن تنازل عن نصف ثروته التي ورثها من والده. ونحن لا نعرف ثروته لنعرف نصفها، مع أن القانون ألزمه بأن يقدم للجنة العليا للانتخابات إقرار ذمته المالية لحظة تقدمه بطلب الترشيح، ولا أظن ان النص على تقديم هذا الإقرار يستهدف أن يظل الأمر في السر بينه وبين اللجنة، ولكن الأصل فيه أن يعلم الشعب ما يملكه رئيسه، أو المرشح لكي يكون رئيسه، وهل كسبه من حرام أم من حلال؟!
بالتنازل عن نصف الراتب، يظل راتب السيسي أعلي من راتب محمد مرسي، هذا فضلاً عن أنه تبين أن مرسي لم يتقاض راتبه، على مدى سنة كاملة حكم فيها مصر. فبالمعايير التي وضعها السيسي نفسه فان الرئيس مرسي يكسب في هذه النقطة.
وفي الواقع فإن قيمة رئيس الدولة، لا تتحقق بتنازله عن نصف راتبه، أو عن راتبه كله، أو بالتنازل عن نصف ممتلكاته أو عن ممتلكاته كلها، فأنا أريد له أن يتقاضى راتبه على «داير مليم» وأن يحفظ عليه ماله. فقيمته تتحقق بقدرته على مواجهة التحديات وان تكون لديه رؤية لحل المشكلات. والسيسي لا توجد لديه رؤية، ولا برنامج، ولا خطة عمل، فقد كان كل ما يعنيه أن يكون رئيساً وبعدها يحلها الحلال. كمراهق كل ما يشغله في الزواج هو ما يحدث في «ليلة الدخلة». وما عدا ذلك فالأسرة هي التي تتولى الإنفاق عليه.
فتح السيسي بما قال مهرجان «النقوط»، فلما جن الليل، أقامت له برامج «التوك شو» زفة بلدي حتى الصباح. وذكرنا بمشهد آخر، عندما وقع الانقلاب، وقامت قناة «سي بي سي»، بنصب مهرجان « النقوط العالمي». يخرج من الأستوديو خيري رمضان، وتدخل لميس، واستمعنا لأرقام للتبرعات خيالية. فإذا كان المتحدث مجنوناً فليكن المستمع عاقلاً.
أحد الأشخاص قال إنه يتبرع لمصر بخمسة مليارات.. دولار أو جنيه.. لا أتذكر. وعندما يصل المبلغ إلى المليار فلا يشغلني ما اذا كان دولاراً أم جنيهاً مصرياً جريجاً.
في الصباح كان الرجل حديث الصحف، وقد أجرت معه صحيفة حواراً قال فيه إنه اقترح على محمد مرسي مشروعا اقتصادياً عملاقاً. وأن هذا المشروع كان سيجلب أموالاً لا أول لها ولا آخر. وتقريباً كان عن طريقة نزول الحيران الماء دون أن يبتل. والإخوان ولأنهم كانوا يريدون خراب مصر فلم يكترثوا وجاءت الفرصة ليقف مع مصر السيسي.
بعد ذلك قال الرجل إنه لم يقل إنه سيتبرع بخمسة مليارات ولكنه سيأتي لمصر باستثمارات بهذا المبلغ!
لقد نسينا هذه التبرعات في ليالي الفرح بالانقلاب، لنعلم في هذه الليلة الجديدة ان حساب التبرعات به مليار جنيه.
ليطرح هذا حزمة من الأسئلة: هل حصلت قناة الـ «سي بي سي» على موافقة بجمع التبرعات؟ وعدم وجود الموافقة يضع من يقوم به تحت طائلة القانون.
ومن له حق التصرف في هذه التبرعات؟ وما هي الجهة التي كانت تمارس الرقابة عليها؟ ولماذا ظلت المليار جنيه المتبرع بها للاقتصاد المصري قرابة العام في الحساب بدون حس أو خبر؟!
لميس ودوائر الانقلاب
كنت أشاهد لميس الحديدي على «سي بي سي» وهي تتحدث عن تبرعات أخرى، وقد يكون وعيها السياسي عند مرحلة «الجنين المستكين»، لكنها بدت قلقة بنفس درجة قلق السيسي، والاقتصاد يدخل في باب تخصصها. وفشل الانقلاب معناه نهايتها. فهناك إعلاميون ارتبطوا به، فصارت المسألة بالنسبة لهم معركة «حياة أو موت».
وقد لا تعي لميس الحديدي حجم الأزمة السياسية، لكنها تعي بحكم تخصصها حجم الانهيار الاقتصادي، وتعي ما قاله عبد الفتاح السيسي في كلمته الارتجالية، والدوافع لها. وهي ليست بعيدة عن دوائر دول الخليج الراعية للانقلاب.
فجأة نامت لميس المكتئبة واستيقظت لميس «الملبوسة» مع إعلان صاحب الفضائية التي تعمل بها التبرع بنصف أملاكه.. ومرة أخرى نحن لا نعرف حجم أملاكه لنقف على نصفها المتبرع به من اجل مصر، لكننا نعلم أنه متهرب من دفع ملايين الجنيهات لمصلحة الضرائب وتم السكوت عليها عندما وقع الانقلاب. تماماً كما تم السكوت على 4 مليارات جنيه من جملة 11 مليار للضرائب في صفقة واحدة في أيام مرسي، مستحقة على نجيب ساويرس.
كان بعل لميس، عمرو أديب، على قناة أخرى يعلن تبرع رجل الأعمال رامي لكح بخمسة ملايين دولار. لكن رامي نفى ذلك فجعله في «حيص بيص». ثم يبدأ الحديث عن تبرع الفنان عادل إمام بمبلغ 52 مليون جنيه قبل أن ينفي ذلك. أما أحدهم فقد بكى بالدموع لأن مصرياً فقيراً تبرع بواحد جنيه. ولم ينطل هذا الكلام على أحد فمن هو الذي يكلف نفسه مكالمة هاتفية قيمتها عشرة جنيهات ليعلن تبرعه لمصر بواحد جنيه.. هو كل ثروته.
أرض – جو
– بعد سقطة مخاطبة السيسي لله عز وجل بـ «حضرتك» طالب إبراهيم عيسي في «سي بي سي» بأن يتوقف السيسي عن الحديث الارتجالي. في القمة الأفريقية كانت كلمته مكتوبة ومع هذا قال «نضول الشعوب»، يقصد «نضال الشعوب». الحل أن واحداً غيره يسجل خطابات رئيسهم بلسانه، ليصبح دوره هو فتح فمه وإغلاقه وكأنه يتكلم!
– «بوابة الأهرام» نشرت أن عبد الرحمن رشاد رئيس الإذاعة المصرية قرر وقف أذان الشيخ النقشبندي بحجة أنه يلحن في حرف «الشين» مما أثار ضجة كبرى. لكن رشاد نفى ذلك. مصداقية « بوابة الأهرام» على المحك!
صحافي من مصر
[email protected]
سليم عزوز