ليس دفاعا عن البابا .. ولكن؟
ردود الفعل متسرعة وانفعالية والبابا اخطأ في مناقشته العامة والازمة اكدت هشاشة مفهوم الحوار بين الادياناقحام الدين في السياسة يؤدي الي حزازات وسوء فهم والجمع بينهما وضع البابا في وضع حرج ليس دفاعا عن البابا .. ولكن؟سعيد شحاتة كنت أعد لكتابة مقالتين احداهما بالعربية والاخري بالانجليزية عن تلك القضية وقمت بقراءة خطاب بابا الفاتيكان بالانكليزية وما كتب حول ردود الفعل لذلك الخطاب. ووجدت ان البابا كان ينتقد تبرير العنف من خلال الدين وعن الانسجام بين الدين والعقل في الوقت الذي تزداد فيه عمليات العنف باسم الدين. وفي هذا السياق اقتبس من الامبراطور مانويل الثاني من القرن الرابع عشر ارني ما قد جاء به محمد من جديد وهنا لا تجد الا كل ما هو شر وغير انساني مثل امره بنشر الدين الذي يبشر به بالسيف . واردف البابا القول بأن الايمان يأتي من خلال الروح وليس الجسد. من يريد ان يقود الاخرين للايمان لا بد ان تكون له القدرة علي الحديث بصورة جيدة ويقدم الاسباب المقنعة بدون عنف او تهديد. لا يحتاج الفرد الي جيش قوي او اسلحة او اي وسائل لتهديد الانسان بالموت. ان القرارات الرئيسية المتعلقة بالعلاقة بين الايمان والعقل الانساني هي جزء من الايمان ذاته. واختتم بالقول ان النية من خطابه ليس النقد السلبي ولكن توسيع مفهوم العقل وتطبيقاته. وان التصرف بدون العقل مناقض لطبيعة الله.ردود الفعل علي الخطاباتخذ رد الفعل علي ذلك الخطاب اشكالا عدة تراوحت بين المناداة بقتل البابا وقتل راهبة في الصومال مرورا بالمظاهرات والمطالبات للبابا بتقديم اعتذار عما صرح به واعتبر اهانة للمسلمين. ففي الصومال دعا رجل دين في مقديشيو الي الانتقام من البابا مضيفا ان كل شخص يسيء الي النبي محمد يجب ان يقتل. وقد تم انتقاد ذلك من عدد من الدوائر الاسلامية. وقامت المظاهرات في العديد من الدول الاسلامية وبعض الدول الاوروبية مثل بريطانيا.ملاحظات نقديةلدي بعض الملاحظات علي الخطاب وردود الفعل وقد أثرت عرض عبارات الخطاب التي اثارت العالم الاسلامي وردود فعل متنوعة حتي يقف القارئ علي الحقائق:التحفظ علي الخطابأولا: الاعتراض الرئيسي علي خطاب البابا هو انه صدر من مسؤول رفيع المستوي له تأثير علي الملايين قد يصلون الي بليون كاثوليكي حول العالم. ان حساسية منصب البابا تجعل من الحكمة الابتعاد عن اثارة تلك المسائل الخلافية والتي تثير مشاعر المسلمين. كان يمكن للبابا اثارة تلك النقاط مع رجال الدين الاسلامي في جلسات مغلقة وليست امام العالم اجمع ولا سيما ان هناك عقليات لا تستوعب اهمية النقاش والحوار حول اي قضية تتعلق بالدين. ان البعض يري ان البابا متعصب ضد الاسلام ويؤيدون وجهة نظرهم انه ضد انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي لانه يؤمن بان الاسلام لا يتوافق مع الديمقراطية. ان البابا لم يكن موفقا في عرض تلك القضية الحساسة في خطاب عام وهو يعلم ما سوف يثيره ذلك الخطاب. معضلة مصادرة الفكرثانيا: قد تكون قناعة البابا بناء علي قراءاته بأن الاسلام انتشر بالسيف خاطئة ولكنها وجهة نظره وله الحق فيما يعتقد. ان هناك قناعة لدي العديد من المسيحيين ان الاسلام قد انتشر بالسيف في بعض المناطق ولكن ذلك لا يؤثر علي تعاملهم مع الاخر. فلا توجد انعكاسات سياسية لمعتقداتهم الدينية. واعتقد انه لاضرر في ذلك. ان اختلافا في المعتقد والرأي لا يجب ان يكون اساسا للكراهية وعدم التعايش. ان المسلمين لا يؤمنون بأن المسيح قد صلب وانه نبي ومع ذلك فما دام ذلك الاعتقاد ـ وان كان يثير مشاعر المسيحيين ـ لا ينعكس علي المستوي المجتمعي او السياسي فلا ضرر من ذلك. لكم دينكم ولي ديني . في احدي التظاهرات في روما رفعت الشعارات التي تثير مشاعر المسيحيين مثل ان المسيح عبد الله. ان المعتقدات الدينية لا يجب ان تقف حائلا امام التعايش بين المجتمعات المختلفة في الاديان او في المجتمع ذي الاديان المتنوعة.التسرع والانفعالثالثا: ان معظم ردود فعل العالم الاسلامي لخطاب البابا اتسمت بالتسرع والانفعال والحملات التي تصل الي حد مصادرة الفكر. فعلي سبيل المثال تم قتل راهبة في الصومال وتمت مهاجمة بعض الكنائس ورفعت لافتات تدعو الله الي لعن البابا. بل ان شيخ الازهر صرح ان البابا سكت دهرا ونطق كفرا في لقاء جمعه مع الانبا يوحنا قلتة ممثل الكاثوليك في مصر. بالاضافة الي ذلك فلم تقبل معظم الدوائر الاسلامية اعتذار الفاتيكان عن سوء فهم خطاب البابا والاعراب عن الاسف لما اثاره الخطاب بل ان البابا قال ان الاقتباس لا يمثل ايمانه الشخصي. ورغم ذلك يريد البعض ان يقدم البابا اعتذارا خطيا عن الخطأ الفادح الذي ارتكبه. والتساؤل هنا هل يجب اجبار شخص ايا كان علي تغيير رأيه اذا كان مختلفا معك؟ قد تكون قناعة البابا ان مفهوم العنف والجهاد في الاسلام تحتاج الي مراجعة. الا تجب الاستفادة من ذلك ويقوم علماء المسلمين بتوضيح الامر. الم يكن من الافضل توجيه الجهود والحملات لتقديم ايضاح مفصل مؤيد بالادلة ينقد قناعة البابا بدلا من المظاهرات والاصرار علي الاعتذار، وعلي سبيل المثال وحدث الاعتذار نتيجة الضغظ وليس الاقناع، اعتقد ان تلك النتيجة هي هزيمة وليست انتصارا. الحجة يجب ان تقارع بالحجة وذلك تطبيقا للاقناع وجادلهم بالتي هي احسن . فن ادارة الازماترابعا: لم يستفد العالم الاسلامي من ادارة ازمة الرسوم الكارتونية حول النبي محمد في الصحف الدانماركية. ان فن ادارة الازمة يتأتي من خلال استخدام وسائل الاقناع بدلا من الضغوط والترهيب. هل اثرت تلك الرسوم في عقيدة المسلمين؟ هل غيرت من رأيهم في نبيهم؟ لم يحدث ذلك. وهكذا فان تصريج البابا يجب الا يؤثر علي عقيدة المسلمين ما دام هناك ايمان في قلوبهم واساس يبنون عليه ايمانهم. ان افضل اسلوب لمواجهة النقد والهجوم علي الدين هو استخدام العقل والقلم لاقناع الاخر او التوضيح. اعود الطلبة الذين أدرّسهم في الجامعة علي تدعيم وجهة نظرهم بالادلة وبدون ذلك فلا تعد مقولة يعتد بها. ان فن ادارة الازمة في قضايا الفكر يكون من خلال وسائل الفكر اما الازمة العسكرية فالرد هو بالمواجهة العسكرية. فاذا اعتدت بلد علي اخري واحتلت ارضها فان الدفاع عن النفس من خلال السلاح هو الوسيلة المتعارف عليها اما مواجهة الهجوم او النقد الفكري فتكون من خلال الحوار والنقاش.هشاشة مفهوم حوار الاديانخامسا: عكست تلك الازمة مدي هشاشة مفهوم حوار الاديان ويجب استبدال ذلك بحوار الثقافات. اعتقد ان حوار الاديان يرتبط في الاذهان بالتقريب من الاديان وهو من الاستحالة بمكان. كل فرد مؤمن بدينه وهناك اختلافات جوهرية من الناحية اللاهوتية بين الاديان السماوية ولا يمكن تجسير تلك الفجوة اللاهوتية حتي ان المذاهب المختلفة داخل الدين الواحد تحتوي علي خلافات عميقة بينها. وبالتالي فصرف الاموال والاوقات والجهود حول حوار لن يؤد الي نتائج بناءة يجب ان يتوقف فورا. ومن الاجدي توجيه الطاقات الي حوار الثقافات من خلال النقاش حول القيم المشتركة بين الاديان والثقافات الموجودة في العالم ومن خلال تلك القيم يمكن بناء عالم يسوده التعايش والاحترام المتبادل. الدين والسياسةسادسا: اثارت تلك الازمة قضية العلاقة بين الدين والسياسة. في وجهة نظري اقحام الدين في السياسة يؤدي الي حزازات وسوء فهم وتمييز ويضع المساواة محك الاختبار اليومي. ذكر الرئيس بوش ان هناك بعض الاسلاميين الفاشيين وليس الفاشية الاسلامية كما ذكر البعض وان كانت هناك انتقادات عليه لكن لم تكن بحجم الانتقادات التي وجهت الي بابا الفاتيكان. ان الجمع بين الدين والسياسة معا وضع البابا في وضع حرج ولو كان سياسيا عاديا ولا يحمل الصفة الدينية لكان رد الفعل قد اختلف. ان مخاطر الذين يطالبون بادخال الدين في السياسة كبيرة ولا تحمد عواقبها. ان جعل القيم الدينية حاكمة للاطار العام للنظام السياسي لا غضاضة عليها ولكن ربط كل شيء بالدين وان الدين يتناول كل التفاصيل للحياة السياسية هو المشكلة بعينها. لا بد من ابعاد الدين عن السياسة. ان اشكالية الدولة الدينية لا تزال تمثل معضلة يجب حلها والتعامل معها. بالرغم من ان جورج بوش تحدث عن الاسلاميين الفاشيين فان النقد الذي وجه له كان بالقليل مقارنة بالنقد الذي تعرض له بابا الفاتيكان. والسبب الرئيسي ليس لان البابا يترأس دولة الفاتيكان ولكن لانه يترأس الكنيسة الكاثوليكية. لا بد من الفصل بين الديني والسياسي. وليس معني ذلك ان استبعد القيم الدينية التي تشكل الاطار العام لنظام الحكم ولكن عدم تفصيل الدين في قواعد قانونية. لان ذلك سوف يؤدي الي مصادرة حرية الفكر. من جهة اخري لا بد من عدم طرح القضايا الدينية للنقاش امام الرأي العام. يجب مناقشتها في دوائر مغلقة ومتخصصة حتي لا يحدث سوء فهم وتجريح المتمسكين بدينهم. ان احد انتقاداتي علي خطاب البابا هو انه ناقش معتقد الاسلاميين امام الإعلام.مفهوم العنف والجهادسابعا: ذكر البعض ان رد الفعل العنيف غير مرغوب فيه ولكنه متوقع. وهنا اتوقف للحظة للتساؤل لماذا نتوقع العنف من بعض المسلمين اذا كان الدين الاسلامي هو دين التسامح والمحبة؟ لماذا اهدر الخميني دم سلمان رشدي عندما اصدر كتابه آيات شيطانية ولماذا طرد علي عبد الرازق من منصبه في الازهر بعد اصداره كتاب الاسلام واصول الحكم ولماذا صدرت احكام بتكفير طه حسين عندما اصدر كتابه في الشعر الجاهلي ولماذا قام البعض بالتلويح باستخدام العنف وارتداء ملابس الذين يقومون بعمليات مسلحة ضد المدنيين؟ ولماذا اعتبر الشيخ الغزالي ان قتل فرج فودة لانه انتقد الاسلام هو تنفيذ لاحكام الاسلام؟ هناك حاجة لمراجعة مفهوم الجهاد في الاسلام وبعض القضايا الخلافية التي تثير مخاوف غير المسلم. علي علماء المسلمين ان يكونوا نظرة واحدة حول ذلك المفهوم حتي يقضوا علي سوء الفهم والتطبيق الخاطئ للاسلام حتي لا يدعوا للناقدين اي باب للدخول منه.الخطاب في الميزانثامنا: ان للبابا مواقف ايجابية فيما يتعلق ببعض القضايا الهامة. فقد طالب بوقف فوري لاطلاق النار في لبنان في الوقت الذي وقف العالم الاسلامي يتفرج علي ما يحدث. وقد ندد بالعنف الذي يتم في العراق وطالب بالصلاة من اجل السلام في الشرق الاوسط. لا يجب نسيان تلك التصريحات والمواقف الشجاعة لمجرد انه ارتكب خطأ.النبي ليس في حاجة للدفاع عنهعاشرا: لا بد من التركيز علي القضايا التي تمس حياة الناس. الم يكن من الاجدي الاهتمام بتلك القضية ومحاولة تجنب من يموت لان حق الحياة هو الحق الاساسي للانسان؟ ان اكثر التوقعات تفاؤلا من جراء تلك الحملات والمظاهرات واللقاءات والقتل هو اعتذار البابا والاعتراف انه اخطأ. ما الفائدة التي ستعود علي العالم الاسلامي والاسلام من جراء هذا الاعتذار بالمقارنة بالدفاع عن حق الانسان في الحياة؟خلاصة القولفي النهاية أود ان اقول بأن خطأ البابا انه اثار قضية دينية امام الرأي العام وكان من الاحصف مناقشتها في دوائر مغلقة مع متخصصين في مجال الاديان. والتحفظ الثاني هو انه شخصية دينية لها تأثير علي الملايين وبالتالي كان من المتوقع ان يثير الحديث عن الاسلام حفيظة المسلمين. ولكن للانصاف لا بد من الاشارة الي ان العالم الاسلامي في معظم ردوده علي الخطاب قد تميز بالتسرع والانفعال وعدم الحكمة والتزيد. ان فن ادارة الازمات يتميز بالضعف في العالم الاسلامي. كان علي العلماء المسلمين ان يناقشوا البابا في افكاره ويرسلوا اليه ما هو الصحيح حول النبي وليس الضغط والحملات لاجباره وحتي ان لم يكن مقتنعا بتغيير رأيه. علي علماء المسلمين ان يراجعوا مناقشة مفهوم الجهاد حتي لا يجد العنف مكانا له من قبل بعض التيارات التي تدعي انها مسلمة وتستخدم العنف للدفاع عن الدين. لا بد من المجادلة بالتي هي احسن ومقارعة الفكر بالفكر. وقد صدق الاستاذ عبد الباري عطوان عندما ذكر في نهاية مقالته ان التعبير عن الغضب والدفاع عن العقيدة والتصدي للاساءات والمسيئين كلها امور مشروعة يجب ان تتم بطرق حضارية بعيدا عن القتل والحرق والانفعالات غير المسؤولة. وهو ما سلطت الضوء عليه وفي مقابلة تلفزيونية اتهمني البعض انني ادافع عن البابا واتحامل علي المسلمين. ما حاولت القيام به هو عرض وجهة نظري وليس لدي اي تحيز مع البابا لانني لست كاثوليكيا ولست ضد المسلمين لانني احب الجميع ولدي من الاصدقاء العديد من الاخوة المسلمين. ولم يكن الدين في يوم من الايام مؤثرا علي علاقاتي مع الاخرين. فالتعامل مع الانسان علي اساس انسان خلقه الله. هناك ضرورة لحوار الثقافات الذي يناقش القيم المشتركة بين الاديان المختلفة لبناء مجتمع عالمي مبني علي التعايش والاحترام المتبادل. انني انادي دائما بالتعايش السلمي بين الشعوب وضد العنف علي طول الخط ولا يوجد اي تبرير من وجهة نظري لاستخدام العنف في التخاطب مع العقل. ہ باحث بجامعة لندن ميتربوليتان البريطانيةe-mail: [email protected] 7