ليس رداً علي التجاني عبدالقادر: الصراع في السودان لم يكن بين التنظيم المدني والعسكريين

حجم الخط
0

ليس رداً علي التجاني عبدالقادر: الصراع في السودان لم يكن بين التنظيم المدني والعسكريين

د. عبدالوهاب الافنديليس رداً علي التجاني عبدالقادر: الصراع في السودان لم يكن بين التنظيم المدني والعسكريينأتحفنا الصديق العزيز د. التجاني عبدالقادر خلال الأسابيع القليلة الماضية بتناول تحليلي معمق لصراع الاسلاميين علي السلطة في السودان، جمع بين فيه بين المعلومات الدقيقة التي يكشف عن بعضها لأول مرة، والبعد النظري لمفكر وأكاديمي متعمق في العلوم السياسية المعاصرة. تحليل الأخ التجاني الذي نشر علي صفحات جريدة الصحافة السودانية يكتسب أهمية اضافية من كونه التزم الصمت طويلاً، وأمسك في انضباط يحسد عليه عن الخوض في الأمور الخلافية والافضاء بما كان يعلمه من مكنونات الأمور.وقد كان ينكر علينا في السابق ـ كما فعل كثير من اخوتنا ـ تناول القيادات بالنقد و التشهير . وخلاصة تحليل التجاني أن الاشكال يعود من جهة الي ضرورة وظيفية في الحركات السياسية الحديثة، خاصة حركات التحرر، تؤدي أولاً الي تمحور الحركة حول شخصية ذات طابع رمزي تجسد الأيديولوجية التحررية موضوعياً. ثم لا تلبث هذه الشخصية أن تزاح من السلطة لصالح فئة من البراغماتيين أو الواقعيين (هذا التوصيف اضافة من عندي) ينتهي بهم الأمر الي حصر همهم في البقاء في السلطة وتحقيق بعض الطموحات المحدودة فيها. وغالباً ما يؤدي ذلك الي تحالف مع العدو الذي قامت حركة التحرر للتخلص من قهره (مثل تحالف حكومة بومدين مع فرنسا وتحالف منظمة التحرير الحالي مع اسرائيل). ويعود هذا بحسب التجاني الي طبيعة البنية التحتية الاجتماعية، والمناخ النفسي والثقافي والاجتماعي في البلدان المعنية، مما يفرض علي الفاعلين السياسيين اكراهات قد تتضارب مع منطلقاتهم الأيديولوجية وهياكلهم المؤسسية والنظرية.من جهة أخري، يقول التجاني، يعود الاشكال في الحالة السودانية الي عدم وضوح الرؤية حول دور العسكريين في السلطة التي نتجت عن انقلاب الثلاثين من حزيران (يونيو) 1989، حيث كانت الخطة الأصلية تفترض أن يكون دور العسكريين انتقالياً، بحيث يقومون بتأمين السلطة والقضاء علي أي مقاومة محتملة في انتظار اللحظة المناسبة لخروج الحركة الي العلن وتولي السلطة بصورة مكشوفة. ولكن ملابسات معقدة قلبت الموازين وجعلت العسكريين يتمسكون بالاستمرار في السلطة من جهة، والمدنيين يعجزون عن اجبارهم علي تركها من جهة أخري. ويشير التجاني هنا الي تجربة مماثلة لأحزاب البعث في سورية والعراق، تنافس فيها العسكريون والحزبيون، فخسر طرف وربح آخر.ولا أريد هنا أن أعلق علي تفاصيل أطروحة التجاني، وهي تستحق نقاشاً معمقاً لما حفلت به أولاً من معلومات وافية لشخص مطلع علي بواطن الأمور، وتحليل نظري مقنع الي حد كبير، وان كان هناك ما يشبه التضارب بين التناول النظري الذي يقول بما يشبه حتمية ما حدث، والمعلومات التاريخية التي تحكي قصة أخري. ولكنني أود أن أقدم لتناولي برواية واقعة شاركت فيها والتجاني في أيام الدراسة الجامعية قد تلقي بعض الضوء علي الديناميات الموضوعية لمثل هذه الصراعات غير المقصودة.ولا بد من أنوه هنا أن التجاني صديق قديم عزيز، لم تنقطع بيني وبينه حبال الود، ليس فقط لما يتمتع من صفات تجعل من الصعب علي أي شخص ألا يكن له الود، ولكن لما بيننا من تقارب فكري وشخصي يرجع الي أننا درسنا الفلسفة معاً في الجامعة، ثم انتقلنا الي دراسة العلوم السياسية في بريطانيا، وعملنا معاً في ميدان السياسة في الجامعة، ثم في العمل الصحافي في بريطانيا. ولا أكتم سراً اذا قلت اننا لم نكد نختلف في قضية مهمة منذ تعارفنا. ويجب أن أضيف هنا أن من المؤسف أن شخصاً مثل التجاني قد أجبر علي الهجرة بدينه وعقله ونزاهته من البلاد ليطوف البلاد من ماليزيا الي الولايات المتحدة ثم الخليج، فتحرم البلاد من مساهماته القيمة.ما سبق يعطي الواقعة التي أشير اليها بعداً اضافياً، وهي واقعة تعود الي منتصف السبعينات حين كان التجاني يتولي (مؤقتاً) رئاسة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، بينما كنت أنا بين قيادات تنظيم الاتجاه الاسلامي الذي كان يسيطر علي الاتحاد. وقد جرت وقائع في عام 1975 أغلقت بعدها الحكومة الجامعة وطاردت قيادات الاتحاد، واعتقلت عدداً منهم، من بينهم رئيس الاتحاد حينها المرحوم داود يحيي بولاد، ثم خلفه التجاني. وقد اضطررنا حتي بعد هرب التجاني وبولاد من السجن الي اتخاذ اجراءات معقدة لتأمين حمايتهم من المطاردة الأمنية. وهذا بدوره أملي أن يكونوا موزعين علي بيوت آمنة متباعدة، وألا يتحركوا أو يجتمعوا الا قليلاً. وكنتيجة لهذا أصبحت مجموعة صغيرة من قيادات التنظيم لا تزيد علي خمسة أشخاص تتولي ادارة الصراع السياسي مع الحكومة تحت راية الاتحاد. وكان أن اغتصبت هذه المجموعة، وكنت أحد أفرادها، سلطة الاتحاد كلها، حتي أنني أذكر أن سجالاً جري في لقاء ضم بعض قيادات الاتحاد (ومنهم الاخوة سيد كمبال وابن عمر محمد أحمد وغازي صلاح الدين) طلبوا فيه علي الأقل الاطلاع علي البيانات التي تصدر باسم الاتحاد قبل اصدارها. وكنت علي رأس من جادل بأن تلبية هذا الطلب من الصعوبة بمكان لكل قادة الاتحاد بسبب العقبات اللوجستية.ما سبق قد يشير الي بعد آخر يتعلق بديناميات العمل السياسي ويفسر آليات اغتصاب السلطة من قبل الفاعلين الذين يوجدون في الميدان، مقابل أصحابها الشرعيين في حالة الغياب المؤقت أو الدائم لأولئك. وقد كان ما قمنا به قلباً لطبيعة الأمور، اذ أن المعهود هو أن قادة الاتحاد هم القادة الميدانيون، وأننا في التنظيم أصحاب السلطة الشرعية . وبالفعل فانه ما أن فتحت الجامعة أبوابها حتي عاد قادة الاتحاد الي دورهم العادي، وان كان ذلك الدور تحجمه عوامل، منها التسلسل الهرمي للتنظيم. ولكن الواقع يقول ان الشخص الماثل في الميدان يضطر الي اتخاذ قرارات تمليها دايناميات الحدث، ولا يمكنه العودة في كل مرة الي مرجعية غير حاضرة، مما يخلق توتراً يؤدي بالضرورة الي أزمة.الأزمة في الحالة السودانية ـ وهذه هي اضافتي الرئيسية الي، حتي لا أقول خلافي الرئيسي مع ـ أطروحة الأخ التجاني، لم تنشأ من خلاف بين العسكريين والمدنيين، بل خلاف بين القادة الميدانيين من مدنيين وعسكريين، وسائقي المقعد الخلفي من قادة التنظيم الذين كانوا يريدون ادارة الدولة من بيوتهم. هذا الخلاف، كما ذكر التجاني وفصلت في تحليلاتي السابقة، لم يكن بدعاً من الأمر، فهو يقع في كل مواقع التنافس الوظيفي المماثلة. ففي الاتحاد السوفييتي والدول الشيوعية حسم التنافس بين الدولة والحزب بغلبة الحزب مستخدماً في ذلك ذراعه الأمنية. وحتي في الدول الديمقراطية قد تقع منافسات بين مراكز قوي (كما هو الحال في حكومة بلير حالياً، أو كما يحدث من تنافس في الولايات المتحدة بين رئاسة مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية ـ أو وزارة الدفاع في المناخ الحالي ـ). ولكن الخلاف السوداني تميز بخصوصية دور الجهاز الذي أطلقت عليه تسمية السوبر ـ تنظيم ، وهو الآلية الداخلية في التنظيم التي تمسك بمفاتيح القوي المتعلقة بالمال والأسرار. وقد زادت قوة هذا الجهاز بعد الانقلاب، حيث كان يمسك بمفاتيح السياسة الأمنية والعلاقات مع الجناح العسكري والشؤون المالية. وقد كان الترابي يسيطر سيطرة تامة علي هذا الجهاز، وان كان فوض بعض شؤونه اليومية الي عدة أشخاص من بينهم د. نافع علي نافع (الأمن) ود. عوض الجاز (المال والشؤون التنظيمية مع د. مجذوب الخليفة). وأهم من كل ذلك فان الأستاذ علي عثمان محمد طه كان يتولي الاشراف المباشر علي السوبر ـ تنظيم، ويتولي ادارته اليومية، مما عمق الولاء له بين أركان الجهاز.الاشكالات التي وقعت فيما بعد كانت معظمها ذات طابع وظيفي أكثر منها ذات طابع شخصي. ففي الفترة الأولي كان العسكريون غاية في الانضباط، وكان الكل يظهرون ويبطنون الولاء الكامل للشيخ الترابي الذي لم ينازعه أحد السلطة. وقد بدأ النزاع في داخل التنظيم أولاً مع القيادة التاريخية التي أزاحها الترابي من كل مواقع النفوذ لصالح أنصاره من الشباب. وقد علمت من أحد هؤلاء الأشخاص أن الرئيس عمر البشير اندهش غاية الاندهاش حين زاره وفد من قيادات الحركة في العام الثاني للثورة وقدم له لائحة طويلة من الشكاوي حول أداء الحكومة. ويقول الرجل ان البشير انتحي به جانباً وقال له: لقد تسلمنا السلطة صباح الثلاثين من حزيران (يونيو) ثم سلمناها لكم في نفس اليوم. فاذا كانت لكم خلافات نرجو أن تقوموا بحلها فيما بينكم.الاشكال الآخر قام من نقطة مهمة أشار اليها التجاني، وتمثلت في شكوي رجال السوبرتنظيم من عدم التزام الشيخ الترابي ومساعديه المقربين بالدور المنوط بهم في الخطة التي وضعوها بأنفسهم، وكان يفترض أن يتخذوا موقعاً بعيداً من السلطة، في الظاهر علي الأقل، وأن يكتفوا بدورهم السري. ولكن الشيخ الترابي ومجموعته لم يكن لهم صبر، ليس علي البعد عن السلطة، اذ كانت السلطة كلها بيدهم، بل علي التخلي عن الجاه. فقد كان الشيخ الترابي يكثر من التصريحات الصحافية، التي يؤكد فيها عدم أي صلة له بالسلطة من جهة، ثم يبدي الآراء حول أمور هي من صميم اختصاصات السلطة من جهة أخري. وأسوأ من ذلك فان الشيخ الترابي ومساعديه المقربين من أمثال الشيخ ابراهيم السنوسي والمرحوم الشيخ محمد محجوب حاج نور، أخذوا يكثرون من اللقاءات بالدبلوماسيين والزوار الأجانب، والكثير من الشخصيات السودانية، وهي لقاءات تعمدوا أن يظهروا فيها أنهم هم أصحاب النفوذ الحقيقي في النظام. وقد اكتسب هذا التبجح بالنفوذ أبعاداً كادت أن تكون مرضية، وتتناقض بلا شك تناقضاً فاضحاً مع تمثيلية عدم العلاقة بالنظام. وقد زاد من تأزم الأمر أن بعض تصريحات الشيخ الترابي كانت تسبب حرجاً كبيراً، وتخلق أزمات دبلوماسية، كما حدث حين كشف التعاون السري مع اثيوبيا ضد التمرد في الجنوب في مقابلة مع البي بي سي، أو حين تولي المفاوضات مع السعوديين بعد أزمة غزو الكويت، أو حين دأب علي انتقاد النظام المصري علناً.وكما ألمح التجاني أيضاً سعي قادة السوبر التنظيم الآخرين الي معالجات أصبح بعضها أسوأ من المشكلة، كما حدث حين أعلن عن تأسيس المؤتمر الشعبي العربي الاسلامي كمنبر يتيح للترابي والسنوسي الانشغال عن أمور الحكم بهموم أخري، ولكن المؤتمر صار مصدر صداع اضافي للنظام. وكانت المعالجة الأخري هي اشغال الترابي بالحزب السياسي (المؤتمر الوطني) ثم رئاسة البرلمان، ولكن الترابي أثبت أن تحجيمه في أي دور من الصعوبة بمكان، وكان يصبح مشكلة أكبر للنظام في كل موقع جديد. وأهم من ذلك، فان هذه التطورات كانت تقوض أسس خطة الشيخ الترابي الأصلية، التي بموجبها كان يجب أن يظهر علي أنه بعيد كل البعد عن السلطة، ثم يعود ليتولاها. فالذي حدث كان أن الشيخ أصبح أبرز رموز السلطة وهدف سهام أعدائها، كما أن صورته التي تشكلت بدفاعه المستميت عن كل تجاوزات السلطة، وعداؤه المكشوف للغرب ولجيران السودان الفاعلين، باعدت بينه وبين حلم السلطة المباشرة. ذلك أن السبب الأساسي في صيغة التقية التي خرج بها نظام الانقاذ وانكاره لهويته الاسلامية يرجع الي أن القوي الدولية والاقليمية ما كانت لتقبل وقتها بحكم اسلامي في السودان. وبعد ظهور سجل النظام في مجالات القهر والعداء المكشوف للغرب ولمصر والسعودية، وتولي الشيخ الترابي شخصياً كبر كل هذه السياسات، زاد العداء الخارجي والرفض الداخلي لفكرة تولي الشيخ الترابي شخصياً الحكم.الصراع اذن لم يكن بالتأكيد بين العسكريين والمدنيين، بل كان بين الدولة بقيادة السوبرتنظيم من جانب، وبين الشيخ الترابي وبطانته ممن لم يرضوا بالسلطة من غير الجاه المصاحب لها، وكانوا يريدون من جهة أن يستمروا في ادارة الدولة من خارجها، ومن جهة أخري خلق أزمة تتيح لهم اعادة الأمور الي نصابها وتولي السلطة علناً. وهذا جعل منهم أكبر مهدد لقبضة السوبرتنظيم علي السلطة. وهذا بدوره جعل تحجيم وابعاد الشيخ الترابي ضرورة لتجنب انهيار النظام ولتخفيف الضغوط الخارجية والداخلية عنه. وقد عكس الصراع تعقيد التركيبة السياسية وآلياتها، وهو موضوع لنا اليه عودة ان شاء الله.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية