جمال محمد تقي
شرم الشيخ مرسي للمؤتمرات التائهة او الاجتماعات التي لا بد من عقدها ولاي سبب من الاسباب، وليس للشيخ شرم فتاواه الخاصة، انه شيخ محايد! لا يحرم التطبيع مع عدو او صديق، وهو يستثمر خارج اطار منطق النزاعات ومناطقها، وساحته سوق حرة عابرة للحدود ومحمية باتفاقيات التجارة العالمية ومنظمتها المسيرة بمشيئة الامريكيين. وهو يستضيف بتكاياه السياحية كل طلاب الراحة والاستجمام والاحلام والاوهام بشرط ان يدفعوا له بالعملة الصعبة ولا يهم اذا كانت الاموال المدفوعة مغسولة او يجري غسيلها بمياهه المالحة او الحلوة!
الشيخ شرم روزخون سياحي من الطراز الاول يضمن للزوار اداء مريحا في امور النذور او البحث في كل الامور، من الرقص الشرقي الي قضايا الارهاب، وما بينها من اوسلو حتي موضوع التطبيع بين السلطة الفلسطينية واسرائيل الي الحوار الاورومتوسطي، وان نجح الزوار في حواراتهم فالشيخ يزهو لانه قد وفر ارضية لهذا النجاح، وان فشل وهو ما يحصل دوما ودون الاعلان عن ذلك الفشل، فالعيب في هذه الحالة وحسب رأي الشيخ بالمجتمعين انفسهم لانهم لم يحسنوا استثمار الارضية التي وفرها لهم الشيخ شرم، وفي كلا الحالتين الشيخ لا يخسر، بل انه وبحسبته يربح، وهو المولع بالاضواء، وعقدة الدور الفاعل حتي ولو كان شكليا او سياحيا!
مؤتمر شرم الشيخ: من ينقذ من؟
كان المؤتمر بشقين الاول لدول جوار العراق، والثاني لدول مجلس الامن بمعية الدول المانحة لمتابعة الوضع العراقي، وشارك فيهما الامين العام للامم المتحدة بان كي مون الذي حلف بان لا يزور العراق ثانية بعد الرعب الذي عاشه نتيجة تعرض مؤتمره الصحافي في المنطقة الخضراء للقصف الصاروخي، وحضرهما ايضا السيد سولانا ممثلا عن الاتحاد الاوروبي المرعوب من الهجرة المتزايدة والمتواترة التي تطرق ابواب اقطاره، اضافة الي السيد عمرو موسي الذي حاول ان يوفق بين موضوعة المصالحة وموضوعة الحلول الامنية دون جدوي لان المصالحة تحت راية الجامعة العربية غير مرغوب بها فالمصالحة المطلوبة امريكيا مصالحة تجري بشروط المنطقة الخضراء ومصالحة عمرو موسي بدون شروط، انه يدرك مسبقا هشاشة ما يقولون ويعرف ان الحل الجذري لا يقوم دون الاستماع لشروط المقاومة كونها الرقم الاصعب في المعـــادلة العراقية كلها، وهو يعلم ايضا ان المؤتمرين امريكــــانا كانوا ام عراقيين يريدون من المـــؤتمر ان يمنحهم نوعا من الشحنات للتغطية علي فشــلهم وفرصة لتطبيع الاوضاع دون معالجتها!
المؤتمر الخاص بجوار العراق كان فاشلا بكل المقاييس، فالتناقضات بين خطاب الحكومة الايرانية الذي يحمل الاحتلال الامريكي مسؤولية التردي الحاصل في العراق والخطاب الامريكي والعراقي واضح بمنطقه الشكلي علي اقل تقدير، ولسورية موقف واضح يؤكد علي ضرورة جدولة انسحاب القوات الاجنبية، وهذا الموقف يناقض ما تريده الادارة الامريكية وصنيعتها الحكومة العراقية، والوقف التركي والسعودي يحذران من تداعيات السياسة الطائفية والعرقية المستفحلة في العراق، ولم يجد المؤتمر شيئا يتفق عليه سوي اعادة تكرار ما جري الاتفاق عليه سابقا من تفعيل دور اللجان المشتركة وهي صيغة واضحة لتفادي الخروج ببيان لا يقول شيئا محددا!
اما في مؤتمر دول مجلس الامن والمانحة فقد عبرت معظم الكلمات عدا كلمات امريكا والمالكي والمملكة المتحدة عن قلق المشاركين فيه من استمرار الفوضي الامنية والفساد والهجرة التي يصعب معها انجاز اي مساعدة حقيقية للشعب العراقي، واكدت كلماتهم علي اهمية الحل السياسي وتقديمه علي اية حلول امنية وعسكرية، ولم يخرج المجتمعون بتوصيات عملية محددة تحقق ما اوردته كلماتهم، عدا توصية يتيمة لا علاقة مباشرة لها بالخراب الجاري في العراق لانها ليست مشكلة آنية، وهي تخفيض بعض الديون الخارجية للعراق من بعض الدول المانحة كبادرة حسن نية لانها غير قادرة علي تغيير سياسة المحتلين وصنيعتهم في العراق!
امريكا تبحث عن طوق نجاة، لا يملكه الاوروبيون او العرب، النجاة وطوقها مرهون بيد مقاومة العراق وحدها، وللعرب ان يستفيدوا من ورطة الامريكان في العراق لتحسين مواقعهم بالضد من نهج الهيمنة الامريكية ـ الاسرائيلية دون ان يكونوا عونا مع الامريكان وصنائعهم علي مقاومة اهل العراق المنتصرة، العرب مطالبون بان يلعبوا دورا ايجابيا لتقريب ساعة الخلاص من الاحتلال وتداعياته للشروع ببناء عراق حر ومستقل يكون ذخرا للأمة ومستقبلها الواعد لا ان يرقصوا علي كل الحبال فالسقوط احتمال اقوي لكل راقص لا عروة وثقي لديه! كثرة المؤتمرات دون نتائج دليل فشلبفضل الاحتلال الامريكي وعمليته السياسية تحقق للعراق رقم قياسي جديد وهذه المرة بعدد المؤتمرات والاجتماعات الاقليمية والدولية التي تتناول اوضاعه ومستقبله، فبعد الارقام القياسية المتحققة باعداد الضحايا والمغدورين، واللاجئين، والنازحين، والفساد، والتدهور الصحي والتعليمي والخدمي، وو و، بحيث صار تصنيف العراق بمقدمة الدول المصابة بداء الفشل الشامل، لقد شهد العراق اسرع عملية انحدار لدولة بكل مكوناتها في الحسابات القياسية، فخلال اربع سنوات اصبحت الفوضي النوعية سمة مزمنة من سمات العراق الجديد، العراق المحتل المختل الذي لا تقوم له قائمة الا بطرد المحتلين واعادة بناء دولته المستقلة القوية واستعادته لثرواته المنهوبة!
مؤتمرات تكرر نفسها وكانها تدور بحلقة مفرغة، تعددت المؤتمرات والنتيجة واحدة، تواترت الخطط الامنية والنتيجة كانت دوما واحدة، الفشل الفشل ولا شيء غير الفشل!
حتي الان حوالي عشرة مؤتمرات دولية ـ دول الجوار، الدول المانحة، الامم المتحدة حول الاعمار واللاجئين ـ بعض تلك المؤتمرات عقدت بتدخل امريكي مباشر وبعضها غير مباشر وبعضها بمبادرة دول الجوار الحريصة علي استقرار العراق، وفي كل الاحوال تصرفت الحكومة العراقية العميلة وكانها ليست صاحبة مشكلة وانما هي تعالج مشكلة مرحلة لها وهذا عين المغالطة التي تحاول بها الادارة الامريكية ايضا تبرير فشلها، ولا غرابة مع هكذا حال لو دعت الادارة الامريكية لعقد مؤتمر دولي جديد حول افغـــانستان والعراق والصومال بحضور الامم المتــــحدة لدراسة اهمية مواجهة الارهاب فيها والزام دول العالم بالتبرع لحكومات البلدان الثلاثة لكي تخفف العبء عن كاهل امريكا وادارتها المتعبة!
ہكاتب من العراق8