ليس لأمريكا دور في الحراك الشعبي العربي

حجم الخط
0

ان من الخطل أن ينسب الحراك الجماهيري الذي تجسد في انتفاضات ثورية مجتمعية الى مؤسسات او أجهزة أمريكية او غربية كما يحاول البعض عمدا او سذاجة ان يصور. ان مشكلة البعض انه لا يستطيع ان يتصور ان الجماهير العربية قادرة على أخذ زمام المبادرة في اللحظات التاريخية الحاسمة والمنعطفات المصيرية في حياتها، كما ان البعض يحاول ان يصور أمريكا والغرب إلهين لا يمكن لحركة او سكنة أن تبرز على الساحة الدولية الا بإرادتهما وإدارتهما وتدبيرهما ويتناسى قوانين الحركة الاجتماعية وسنن التاريخ في المجتمعات البشرية. لا أحد من ذوي الألباب السليمة يمكن أن يصدق بأن البوعزيزي قد أحرق نفسه بدفع أمريكي ليشعل انتفاضة ثورية جماهيرية في تونس، ولا أحد يمكن أن يصدق بأن شباب مصر – بما عبروا به عن وعي سياسي عميق وحركة حضارية متينة صاروا بهما محورا يلتف حوله أبناء مصر في ثورة لم تشهد لها مصر مثيلا في تاريخها الضارب في القدم- قد ربطوا بخيوط كما تربط الدمى التي تحركها من خلف المشهد أياد ماهرة لتقديم عرض على المسرح.

إن هذا الحراك الجماهيري ما هو الا نتاج عوامل متعددة وتفاعلات مرت بها المجتمعات التي شهدت هذا الحراك الذي تفجر في لحظة زمنية رخوة وتدفق بكل قوة ليرسم معالم التغيير.

لا شك في أن بأمريكا والغرب من يريد أن يبرز العامل الأمريكي والغربي كعامل فاعل في هذا الحراك عن قصد خبيث فهو من جهة يعمل على تضخيم القدرات السياسية والاستخبارية الغربية لتبقى صورة أمريكا والغرب على شكل هيولي غامضة واخطبوط ضارب في كل مكان لأن هذه الصورة تخدم سياسات الهيمنة على العالم.

من جهة ثانية يراد أن تفقد الامم الثقة بنفسها وبطاقاتها الخلاقة وقدراتها في تجسيد إرادتها واستقلالها، ومن جهة ثالثة يراد تشويه الصورة العظيمة التي اذهلت العالم كله لهذه الثورات الجماهيرية العربية وإنزالها الى مستوى هابط يظهر الشارع العربي وكأنه واجهة لعبث الأجانب والاعيبهم ومخططاتهم، ومن جهة رابعة يراد أن يدب الإحباط الى نفوس الجماهير العربية التي تحرك وجدانها لكي تخلد الى الهوان، ومن جهة خامسة يراد الإيحاء الى الجماهير ورموزها وكوادر ثوراتها الحاضرة والمستقبلية بأن أي حراك مهما تعاظم حجمه لن يتم الا بالتنسيق مع القوى الكبرى وعقد الصفقات معها وهذه محاولة لإبتزاز الشعوب والقيادات الثورية لها إنعكاسات جد خطيرة على الإرادة الثورية والخط السليم الذي يجب أن تستمر فيه الثورات من أجل الوصول الى أهدافها الحقيقية وراء التغيير. أضف الى ذلك أن الأنظمة المتهرئة وأزلامها يريدون أن يعيبوا الحراك الجماهيري ضدهم عبر وصفه بالتبعية للخارج عجزا منهم عن إدراك الواقع ومحاولة لإضعاف هذا الحراك والاستهتار به وخلق المبررات لضربه. ربما تعمل مؤسسات وأجهزة أمريكية أو غربية من خلال خطط مبيتة للدخول على خط الثورات وتوظف الفيسبوك وغير ذلك من وسائل عصرية لهذا الهدف الا أن من المؤكد أن ذلك بمجرده لن يصنع ثورة مستعدة للتضحية في سبيل أهدافها ولن يقيم حراكا حقيقيا يتجاوب معه الوجدان الجماهيري ويتناغم مع مطالبه وآفاقه المستقبلية الواعدة. ومن الممكن أن تتخذ أمريكا والغرب سياسات معينة في التأثير على الأحداث من خلال عملائها وحلفائها الداخليين لتظهر الامور وكأنها تدار من الخارج أو بهدف إظهار التأييد للثورات بغية احتوائها والالتفاف عليها فيما بعد أو إنطلاقا من رؤية تقضي بأن هذا التدخل يتيح لأمريكا والغرب توجيه الأمور والسيطرة عليها، الا أن ذلك كله لن يفقد الحراك الشعبي أصالته ومصداقيته.

كما أن من الخطأ الفادح النظر بحسن نية الى الادوار الأمريكية والغربية التي ربما تبدو للوهلة الاولى من خلال التصريحات والتحركات المعلنة وكأنها مع نهضة عربية تكسر من خلالها الشعوب عن معاصمها المكبلة قيود الذل والهوان وتنطلق نحو الحرية والكرامة والاستقلال لتقيم تنمية شاملة تأخذ بها الى ذرى المجد والتقدم والرقي والعدالة الاجتماعية التي تحررها من كل ألوان التبعية للأجنبي، فهذه نظرة طوباوية مضحكة تستحق الإشفاق والسخرية بدلا من الإصغاء والقبول.

ولعل مرورا سريعا على كل الأحداث الثورية التي تحققت الى يومنا هذا والمواقف الأمريكية والغربية إزاءها تكشف بوضوح عن ذلك الخطأ الفادح وبالتالي تحول دون تصور دور أمريكي او غربي إيجابي في هذا الاتجاه. إنني اعتقد بأن الحراك الجماهيري في بلداننا العربية له مصداقية عالية وأن الدور الأمريكي والغربي يتجسد في محاولات ركوب الموجة أو الالتفاف على الثورات العربية لحرفها عن مسارها الصحيح، ومحاولات السيطرة على الحراك الجماهيري وتوجيهه الوجهة التي تخدم المصالح الأمريكية سواء من خلال العمل على إبراز شخصيات مرتبطة أو مستعدة للتفاهم مع أمريكا لتولي مقاليد الأمور، أو خلق فتنة داخلية لحرف مسار الثورة وإيجاد واقع مغاير، او الإيحاء ببدائل فكرية أو عملية لو قدر الأخذ بها تكون الثورة قد احتويت أو افرغت من مضمونها الحقيقي وربما انعكست السلبيات على خريطة الأرض والشعب. وهذه محاولات من الطبيعي أن تقوم بها القوى الكبرى لضمان مصالحها وهيمنتها على الواقع. ومن هنا فإننا في الوقت الذي نؤكد فيه على أصالة الحراك الشعبي في مجتمعاتنا العربية فإننا نحذر من تلكم المحاولات التي تهدف الى إجهاض هذا الحراك وتفريغ مضمونه وحرفه عن أهدافه الحقيقية. الامام حسين المؤيد (مرجعية اسلامية)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية