د. عصام نعمان
للإرهاب عنوان هو تنظيم ‘القاعدة’. له حضور مدمّر في عاصمة العراق وعاصمة سورية وجنوب لبنان وجنوب اليمن. هذا ظاهر الحال. ذلك ان المسؤولين في الاقطار الاربعة يتهمونه بأنه وراء التفجيرات الدموية المدوّيـة في الأمس واليوم والغد. ولكن اي ‘قاعدة’ من ‘القواعد’ يعنون؟ وهل يعمل ‘القاعديون’ لحسابهم ام لحساب غيرهم؟ ومن تراه يكون هذا ‘الغير’ الذي يحرّك البيادق ويأمر فيطيع ‘القاعديون’ وينفذون ولا يناقشون؟ هل ‘القاعدة’ حقيقة ام مجاز؟ الحقيقـة ان ‘القاعدة’ لغز العصر، وان ما يُنسـب الى تنظيمها مجاز في قليلٍ او كثير. في العراق، مثّل الزرقاوي ‘القاعدة’ زمناً غير قصير، مركّزاً عملياته على الامريكيين وعلى حلفائهم من بعض التنظيمات الشيعية المتطرفة. بعد مصرعه في غارة اميركية، ورثت دوره مجاميع من ‘الصحوات’ السنّية المتطرفة، الصديقة للاميركيين والمعادية للتنظيمات الشيعية المتطرفة. في كلا ‘العصرين’، عصر الزرقاوي وعصر الصحوات، يصعب الجزم لحساب مَن يعمل قادة ‘القاعدة’ ونشطاؤها. هل يعملون لحسابهم؟ اذاً، ما غايتهم وسياستهم؟ ام لحساب امريكا؟ وهل يعقل ان يعمل مفجرو احداث 11 سبتمبر في امريكا لحسابها؟ بل هل يعقل ان تستعين امريكا بأعدائها العريقين للنيل من اعدائها المستجدين؟
اسئلة ازداد عديدها وغموضها بعدما نسب بعض الإعلام العربي والاجنبي الى انصار ‘القاعدة’ ادواراً وعمليات في كلٍ من ليبيا، اثناء حرب ازاحة القذافي ونظامه، وفي اليمن، اثناء عمليات الكر والفر والتفجيرات في زنجبار، وفي لبنان، بإطلاق صواريخ مجهولة الهوية من الجنوب على اسرائيل. وها هي سورية تحمّل مسؤولية تفجير ادارتي امنها واستخباراتها في عمليتين انتحاريتين لتنظيم ‘القاعدة’ دون سواه. فهل ‘القاعدة’ ام الأنصار في بلاد الشام فعلوا ما فعلوا؟ ومَن تراهم يكونون هؤلاء الانصار وماذا يبتغون؟ مسؤولو ‘المجلس الوطني السوري’ المعارض سارعوا الى إتهام النظام السوري بأنه وراء التفجيرات بدعوى إبعاد مراقبي جامعة الدول العربية عن مقار أجهـــزة الامن السورية. هل يعقل ان يتطلّب هذا الأمر جريمةً بهذه الضخامة والبشاعة؟!
لا يعقل ان يكون الإنتحاريان اللذان نفذا التفجيرين الدمويَّين من جماعة ‘المجلس الوطني السوري’ او من مجندي اجهزة المخابرات السورية. فلا انصار برهان غليون ولا رجال المخابرات بلغ ايمانهم برؤسائهم والتفاني في خدمتهم حدَّ ‘الإستشهاد’ كرمى لعيونهم. فمن تراهما يكونان؟ حزب الله اتهم امريكا، بحق، بأنها وراء الجريمة النكراء ما يعني، ضمناً، أن ‘القاعدة’ وانصارها، في حال ثبوت ضلوعهم في الجريمة، هم جميعاً في خدمة العم سام. لكن ادارة اوباما اعلنت أنها ‘تدين الاعتداءات بأقصى قوة لأن لا شيء على الاطلاق يبرر الارهاب’. موقف واشنطن لم يُقنع حزب الله الذي ربط بين جريمة دمشق المروعة ‘والتفجيرات المنسقة التي استهدفت بغداد والمدن العراقية الاخرى’، ما اوحى بوجود ‘عملية إنتقام جبانة، تتمثل بإستهداف كل القوى والدول التي كان لها موقف واضح من الإحتلال الامريكي’. لا ادلة ثبوتية، اذاً، تجرّم ‘القاعدة’ او ايَّ جهة بعينها. غير ان ثمة قرائن ظرفية سياسية تسمح للمراقب الموضوعي بترجيح هوية الجهة الفاعلة. فقد بات واضحاً ان الحركات الإسلامية، ولا سيما المتطرفة والتكفيرية منها، تناصب الانظمة ‘العلمانية’ العداء، كما ان بعضها دخل في صراع دموي مع تنظيمات شيعية، فلا يُستبعد ان يكون ضالعاً في مثل هذه العمليات الدموية. لكن، وعلى افتراض ان تنظيماً اسلامياً متطرفاً يقف وراء الجريمة او ضالعاً فيها، فهل فعلته النكراء تمَّت لحسابه ام لحساب غيره؟ يتحصّل من مجمل هذه المعطيات والتساؤلات الملاحظات الآتية: اولاً، ان الإنتفاضات التي عصفت باقطار الوطن العربي منذ نحو سنة فجّرتها قوى وطنية شبابية من اجل الحرية والكرامة والديمقراطية ضد انظمـة مستبدة وموالية، في معظمها، لسياسة الولايات المتحدة، وان الحركات الإسلامية لم تكن، بادئ الامر، في صلب هذه الإنتفاضات لكنها انضمت اليها لاحقاً وشاركت فيها بفعالية. ثانياً، ان الحركات الإسلامية، الشورية منها والسلفية، استطاعت ان تمارس دوراً قيادياً في مختلف الإنتفاضات، وان بعضاً منها، في ليبيا تحديداً، لم يتوانَ عن التعاون مع دول الغرب الاطلسي لتقويض النظام الذي ثار عليه، وان بعضها الآخر، في تونس ومصر تحديداً، اجرى حواراّ مع اشخاص ينتمون الى ادارة اوباما او منتدبين منها، وان الحوار بين المتحاورين انتهى الى تفاهمٍ بين الجانبين. ثالثاً، ان طرفي الصراع في العراق: ائتلاف القوى الشيعية ممثلاً برئيس الحكومة نوري المالكي تفاوض مع امريكا ما أدى الى تفاهمٍ معها افضى بدوره الى خروج قواتها من العراق، والقوى السنيّة المشاركة في ‘القائمة العراقية’ ممثلةً برئيس البرلمان اسامة النجيفي اجرت محادثات مع ادارة اوباما ايضاً، وان النجيفي كشف على اثرها اتجاه بعض المحافظات ذات الغالبية السّنية الى التحوّل لاقاليم ذات حكم ذاتي.
رابعاً، ان امريكا اخفقت في ابقاء قوة عسكرية وازنة في العراق يحظى افرادها بحصانة تجاه الملاحقة القضائية، وانها غير مرتاحة لخروجها المهين في وقت تبدو ايران والقوى العراقية المتحالفة معها مؤهلة اكثر من غيرها لملء ‘الفراغ’ الناجم عن إنحسار الإحتلال الامريكي من جهة، كما تبدو مرتاحة الى ان العراق اضحى مساحة متاحة وكافية لها من جهة اخرى، لتجسير الفجوة الجغرافية بينها وبين سورية، فيتكامل بذلك تحالف ممانع بين الدول الثلاث يمتد من شواطيء بحر قزوين الى شواطيء البحر المتوسط، ويطّوق ‘اسرائيل’ بوجود حزب الله على حدودها الشمالية ( لبنان) و’حماس’ على حدودها الجنوبية (قطاع غزة). خامساً، ان الصراع قد احتدم بين امريكا واسرائيل من جهة وايران من جهة اخرى حول برنامج طهران النووي، وان ثمّة إحتمالاً بإعتزام واشنطن وتل ابيب الى ممارسة خيار الحرب ضد الجمهورية الإسلامية، وان التمهيد لذلك او الإستعاضة عنه بخيار آخر انما يتحققان بإضعاف اطراف التحالف الممانع ومحاولة شلها داخلياً بإشاعة فوضى شاملة في ربوعها. والراجح أن اعتماد سياسة نشر الفوضى في ايران والعراق وسورية بواسطـة شتى التنظيمات المعادية، وفي مقدمها التنظيمات الإسلامية المتطرفـة، امر شديد الإحتمال في ضوء الملاحظات والمعطيات والتحديات المار ذكرها، يستقيم الإستنتاج بأن القوى الوطنية المسؤولة في نظامي العراق وسورية كما في المعارضة الوطنية في القطرين المذكورين مطالَبةٌ بالإرتفاع الى مستوى المخاطر المصيرية المحيقة بالجميع، ومدعوةٌ تالياً الى مباشرة حوار وطني هدفه مواجهة المخططات المعادية التي تستهدف وحدة كلٍ مـن الدولتين وسيادتهما، واقامة حكومة وطنية جامعة في كلٍ منهما لإجراء انتخابات ديمقراطية حرة بإشراف مؤسسات المجتمع المدني الدولي من اجل إعتماد الإصلاحات الدستورية والسياسية والمعالجات الإقتصادية والاجتماعية اللازمة لتجاوز مخاطر المرحلة العصيبة الراهنة.’ كاتب لبناني