ليس لواشنطن استراتيجية شاملة لا في العراق ولا في الشرق الأوسط
ألان جوكسترجمة د. جورجيت حدادليس لواشنطن استراتيجية شاملة لا في العراق ولا في الشرق الأوسطلا يمكن أن تفرض الديمقراطية بالقوة. ان الذريعة المزدوجة للحرب ـ التسلح النووي لدي صدام حسين و تواطؤه مع تنظيم القاعدة ـ قد استبعدت بسرعة؛ لكن حجة تشييد الديمقراطية قد استمرت وطرحت كاستراتيجية شاملة. بالطبع، من هذه الزاوية ان الحملة علي العراق هي فشل دامٍ قد شهّر به جزئياً تقرير بيكر ـ هاملتون.ومع ذلك فان موضوع التحول الديمقراطي قد كرره الرئيس بوش في مؤتمره الصحفي بتاريخ 20 كانون الأول ديسمبر 2006 وأعلن فيه عن تعزيز عدد الجيش الامريكي وليس الانسحاب. ماذا تعني اذن هذه التخبطات الاستراتيجية التي تأتينا من أمريكا منذ النصر الانتخابي للديمقراطيين؟ان التحليل الاستراتيجي لا يمكنه أن يأخذ التصريحات التي تدل علي النيات بحرفيتها حتي ولو شكلت جزءا من الملف المطروح. وبالتالي اننا نخطئ اذا أولينا أدني مصداقية للفكرة القائلة بان الهدف السياسي للحرب ( زوك في لغة كلوزفيتز) لم يكن يوما حقيقة اقامة الديمقراطية، لان الولايات المتحدة لم تستخدم يوما الوسائل الملائمة.فالولايات المتحدة بسحقها عمليا وبدون معارك قوي الجيش العراقي تحت القنابل والجرافات وبتدميرها الكامل لكل المؤسسات وبتسريحها جميع الموظفين قد أغرقت المجتمع العراقي في الفوضي. فعندما لا يملك جيش الاحتلال الامكانات من اجل حضور كلي الوجود ورادع ومترافق مع اعادة البناء، وعندما، بالاضافة الي ذلك، يكتظ بلد معين بترسانات الأسلحة الموزعة من اجل الدفاع الشعبي المعمم و من ثم مشتراة في السوق السوداء من قبل الميليشيات الطائفية، عندها يكون المحتل في صدد بناء الفوضي بكل وضوح.ان بناء الفوضي لا يفرض متابعة مدققة وبوليسية؛ بل علي العكس فهو يقوم علي الانفلات غير المنضبط لكل أنواع العنف الجامح بسبب الخوف والهشاشة وانعدام الأمن السائد في حالة الحرب.ان الجيوش الامريكية قد تراجعت سريعا نحو مواقع حصينة ولم تعد تقوم سوي بمهمات تأديبية دون أن تسيطر بتاتا فيما بعد علي الميدان. وكينبوع تجدد ضروري للنيوليبرالية فان هذه الفوضي في العراق يمكن اعتبارها بمثابة انجاز دامٍ. واذا تطلب هذا الأمر اليوم امكانيات متعاظمة من اجل هدف سياسي جديد لهذه النيوليبرالية فانه قد لا يكون بمستطاع الولايات المتحدة تحقيقه. لقد قام جنرالات متقاعدون في القوي البرية في البداية بتوجيه انتقادات عسكرية علنية مطالبين بمزيد من الجنود ثم قام بذلك ضباط في الخدمة مطالبين بهدف سياسي حقيقي. يمكننا اذن القول بان الروح العسكرية لرامسفيلد هي خيار سياسي وليست لهدف العسكرة فقط. فالعسكريون كانوا يطالبون بالمزيد من الجيوش لانجاح التحول الديمقراطي؛ وهذه ليست سوي سذاجة عسكرية. ان الحرب ضد الارهاب التي باشرها رامسفيلد كانت وستبقي بالنسبة للرئيس بوش حرب الثلاثين سنة . انها قد أدت الي تدمير كامل لكل ما كان ممكنا أن يدفع للانبثاق في العراق والأكثر تقدما تكنولوجيا في المجتمع العربي الشرق أوسطي، سلطة دولة عقلانية وديمقراطية محتملة. ان التدمير الدائم للدولة هو هدف سياسي قد تم بلوغه. لكن هذا النجاح بدون نصر وبالمعني التقليدي يبدو مدمراً لروحية الجنود ولمعنويات الأمة، فمن هنا جاء تقرير بيكر.ان تقرير بيكر جدير بتحليل دقيق لمحتواه: فهو مبني حول ثلاثة كتل تشكل مجموعا غير متماسك. بالنسبة للكتلة الأولي، بدت الحرب خاسرة منذ البداية بسبب نقص عدد الجنود، وخاسرة حاليا بسبب عدم امكانية الاعتماد علي الجيش والشرطة العراقيين العاجزين عن السيطرة بشكل دائم علي المواقع المطهرة من العدو. فالجيش العراقي المقسم الي وحدات طائفية وخاضعة لميليشيات الأحياء يرفض بصورة انتقائية التعاون مع القوي المسلحة الامريكية وهو متواطئ في تنفيذ المذابح الطائفية. اذن يبدو أن رحيل الامريكيين لا مفر منه.من اجل جعل هذا الخروج اقل ايلاما، فان الكتلة الثانية تقترح تحولا كاملا للدبلوماسية يهدف لاقامة تحالف بين الخصمين الاقليميين الرئيسيين ايران وسوريا، وايضا لتكوين مجموعة دولية داعمة للعراق والتي قد تقرر دعم اعادة السلام واعادة الاعمار. مع قيام هذا التحالف المزدوج، يلحق تقرير بيكر ببرنامج مجموعة الدعم هذه، معالجة جديدة للمشكلة الفلسطينية والجولان وكذلك المسالة اللبنانية. لكن مقترحات التقرير تفرض دائما أن يتم اقصاء الأطراف التي لا تعترف بدولة اسرائيل من هذه المفاوضات، أي حزب الله وحماس، ما يعني اقصاء حلفاء الايرانيين والسوريين المحتملين. وبكلمة مختصرة، ان الاقتراح الدبلوماسي الجديد يبقي أحادي الجانب، وقد أصبح حاليا في واشنطن معتبرا كموضة قديمة لعدم تماسكه أو عدم واقعيته.أما الكتلة الثالثة في التقرير والأكثر تجديدا فهي نادرا ما خضعت للبحث المفصل: انها سلسلة هامة من الاصلاحات المعدة لجعل الجهاز العسكري والبوليسي العراقي قادرا علي الأخذ علي عاتقه قريبا بمهمة استتباب النظام واعادة احتكار القوة العسكرية من قبل الدولة. ان أعداد الجنود الامريكيين ستنخفض اجمالا، ولكن يجب أن يتبع هذا الانخفاض تكثيف لتورط الولايات المتحدة في الحرب. توصي هذه الاصلاحات بان علي الجيش والشرطة ان يتوحدا تحت قيادة عسكرية ولكن أيضا بان تعزز وحداتهما بطواقم مقاتلة امريكية خاصة تبلغ ما بين 20 و30 ألف رجل، يتطوعون عن طريق الالحاق المباشر، و ذلك للقيام بالتدريب والتحديث العملاني أو في قيادة الوحدات المقاتلة العراقية في الجيش أو الشرطة. وانه قد يجري الانتقال من انتداب للأمم المتحدة الي وصاية عسكرية أمريكية. وما يستنتج من هذا التقرير هو استبعاد فكرة رحيل سريع للقوات الامريكية ولكن في الوقت نفسه انه يطالب بان يتم ذلك قبل السنتين. ان الرئيس بوش (مع الرئيس العراقي) سيتمكن اذن من أن يرفض شفهيا التشخيص الناقد لمجموعة العمل الخاصة ببيكر ومن أن يقبل بالاصلاحات العسكرية للقيام بشكل صريح بالتمديد للقوات. كما يجب علينا أن نتوقف علي الهدف السياسي لهذه المرحلة الثانية من حرب العراق والذي هو اعادة بناء الدولة. فبعد أن نسقت الولايات المتحدة بنجاح تهديم هذه الدولة عبر الحرب الأهلية، قد تعلن انها مستعدة لانجاز حرب ثانية تتطلب نصرا عسكريا علي الانشقاقيين واعادة قيام مركز دولي لادارة النفط وذلك بفضل التحالف مع البعثيين. هذا الانتقال المزدوج لسياسة البولدوزر من هدم ثم هدم الهدم قد يضمن فيما بعد النصر، كما يظن، أي انضمام السكان المعذبين والمحطمين والمنقسمين الي أي سلم كان. انها النظرة التي يعلن عنها استعداد الرئيس لزيادة عدد الجنود الامريكيين في الوقت الحاضر في العراق وليس لتخفيضه. لكن مجمل الأمر ما زال يتعلق بالمشاورات مع القادة العسكريين للقوات المسلحة الأربعة. فبما أن الموارد العسكرية المتوفرة قد بلغت حدودها النهائية فسوف يضطرون لطلب مساعدة حلفائهم والذين سيرفضون تلبية ذلك. ان المأزق الامريكي هو هذا الانهيار الكارثي لزعامة دولة، وهو من تلك الانهيارات التي قد تدفع نحو الهروب الي الأمام.فاذا كنا ننظر بتشاؤم الي أمريكا فلأننا نلاحظ بان الحكومة الحالية تبدو عاجزة عن انتاج مشروع للشرق الأوسط مبني علي توصيف حقيقي للوضع الذي خلقته. ان الطرح البوشي للتحول الديمقراطي يتمفصل مع الحرب الأهلية بطريقة شاذة. فحتي مجموعة العمل ذات الثنائية الحزبية فانها تستعين برؤي مقولبة عن الفن الاستراتيجي الامبريالي وتتلعثم في فك حروفه مستلهمة في جزء من عملها تلك الأحادية الاسرائيلية وفي جزء آخر المدرسة الفرنسية في معركة الجزائر العاصمة وفي جزء آخر بوسنة سام هانتنغتون. ان العراق يبدو، علي مستوي أوسع، خاضعا لنفس البروتوكول التجريبي المقولب للحرب الاسرائيلية ـ الفلسطينية، الذي طبق بالاستنساخ علي حرب لبنان: 1) تنَظَّم الديمقراطية تحت الاحتلال أو تحت التهديد.؛ 2) يعاقب المنتخبون الذين لا يصوتون في الاتجاه المطلوب؛ 3) من هنا يُخلق مأزق دائم وتثار حرب أهلية بين المنتخبين الصالحين والأشرار، ثم نقدم أنفسنا كوسطاء. ان اللعبة الامريكية لاطالة الحروب بين الطوائف ومنها الحرب بين الاسرائيليين والفلسطينيين تشكل اعتداء علي الأمن الدولي كما انها تؤدي الي الفوضي الشاملة. بالاضافة الي ذلك، وبدون حل في لبنان وفلسطين، ليس هناك من أمل في أية تهدئة في مجمل الشرق الأوسط. فأوروبا المستفزة في جوارها عليها أن تقوم بأي عمل لمساعدة اللبنانيين والفلسطينيين لبناء دينامكية مستقلة تسمح بصيانة الديمقراطية وذلك بفضل رفض الحرب الأهلية، وليس بعد التدمير الشامل للدولة وللمجتمع بواسطة هذه الحرب الأهلية. لقد أصبح ملحاً بالنسبة لأوروبــــا أن تقترح وأن تفرض أخيرا علي الولايات المتحدة واسرائيل اللذين أضعفتهـــــما المسالة اللبنانية نظرات أكثر عقلانية حول حل تفاوضي عن طــــريق تنازلات متعـــــددة الأطراف. ہ مدير للدراسات في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس حيث يشرف علي مجموعة علوم الدفاع . اختصاصي وخبير بمسائل الأمن السياسي والحربي ومدير لمركز الأبحاث المتعددة حول السلم والدراسات الاستراتيجية . يعتبر أحد أهم الخبراء الفرنسيين في استراتيجيات العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة.والمقالة مترجمة خصيصا لـ القدس العربي 8