ليس محمودا تسليم المحمودي

حجم الخط
0

محمّد صالح مجيّداحترف كثير من هُواة ‘علويّة القانون’ التنصيص على ضرورة الخضوع للقضاء وأحكامه خضوعا تامّا كخضوع المرء لربّه ولمقدّساته. وقادهم هذا الهوس إلى حدّ اعتبار التشكيك في أحكامه والاحتجاج عليها شُبهة خطيرة وجريمة يعاقب مقترفها بتهمة التطاول والمسّ من هيبة الدولة. في الحقيقة لا اعتراض على هذا التسليم. ذلك أنّ الدولة المؤسسة على القانون فيْصلا في التنازع وحَكَما عند الاختلاف، هي دولة ‘قانون ومؤسّسات’بها يضرب المثل عند الحديث عن التقدّم والحداثة. وإذا كان الخضوع إلى القانون مظهرا من مظاهر التمدّن والتحضّر، فإنّ الاعتراض على أحكامه، وتسفيه قراراته أحيانا لا يُعتبران جرأة على الدولة، وضربا لمؤسساتها. فالقانون-على حدّ علمنا- من وضع البشر وهو قابل للتعديل والتغيير والنسخ والإلغاء شأنه في ذلك شأن كلّ منجزات الإنسان التي تتطوّر وتتغيّر حسب الظروف والأوقات. وما قادني للخوض في هذا البحر الذي يتلاطم فيه فقه القانون وروحه، هو قرار محكمة تونسيّة تسليم ‘البغدادي المحمودي’ رئيس الوزراء الليبيّ الأسبق إلى السلطات الليبيّة. ولا يمكن لأحد أن يُشكّك في البراهين والأدلّة التي بنت عليها هذه المحكمة قرارها. كما لا يمكن لغير القضاء أن يُقرّ أو يُنكر تورّط ‘البغدادي’ في قضايا تعذيب وانتهاك لحرمة الإنسان عندما كان في الحكم. لكن مهما كانت جرائم هذا الرجل، ومهما بلغ ظلمه للناس، فإنّ تسليمه إلى أعدائه لا يُمْكن أن يبرّر. فما حدث للعقيد وأنصاره بعيْد سقوط النظام يؤكّد أنّ تسليمه يعني تقديمه هديّة وقربانا إلى قاتليه الذين سيتلذّذون بتعذيبه قبل قتله شرّ قتل. يجب التنويه إلى أنّه إذا كان المحمودي مذنبا فلا أحد- من داخل مؤسسة القضاء ومن خارجها- يمكن أن يشرّع تسريحه، وإخلاء سبيله. على أنّ السؤال الحارق هو كيف يمكن ضمان محاكمة عادلة لأحد المقرّبين من العقيد في بلد يعيش فوضى السلاح ويحكمه مسلسل من الانتقام لم ينته ولن ينتهي في أقرب الآجال كما يتجلّى من الحالة الليبيّة الراهنة؟. البغدادي متّهم بأنّه أمر باغتصاب ليبيات وإهانتهنّ نكاية في أقاربهنّ وأزواجهنّ. وهذا-إن ثبت- يعرّضه إلى المساءلة والمحاسبة. لكن ثبت في المقابل أنّ الثوّار يغلون كالمرجل. وهم ينتقمون من أعدائهم بفظاعة دون أن يتمكّن المجلس الانتقالي من كبح جماحهم والحدّ من رغبتهم في الثأر. وكلام رئيس الوزراء الليبي ‘محمود جبريل’ يؤكّد ارتكاب مثل هذه الجرائم من عناصر منفلتة لا تخضع لقانون غير عمى الانتقام والتشفّي. إنّ سنوات العذاب التي عاشها بعض الليبيين تحت حكم العقيد انعقدت وشما في الذاكرة وجرحا في القلب لا يندمل. وما تعيشه بعض المناطق في ليبيا من عمليات انتقاميّة تؤكّد أيضا هذا الانفلات وتكشف عن ‘جرعة زائدة’ في التشفّي والانتقام. لكن كيف يُبْنى وطن جديد على الحقد والكراهيّة؟

كيف يمكن أن يُرْسَم طريق المصالحة الوطنيّة وسط جبال من الصراعات القبليّة والعرقيّة؟

وعلى هذا النحو، لا يمكن تبرير تسليم البغدادي المحمودي إلى أعدائه مهما كانت جرائمه. ولا يمكن أن نحكم على إنسان بالموت مهانا ومشنّعا به على يد من يترصّده ليشفي غليله من الانتقام. وبإمكان الحكومة التونسية أن تتعلل بغياب المحاكمة العادلة سببا في إرجاء تسليمه. وهي قادرة بحكمتها على أن تروّض غضب الجار الجنوبيّ بالاستناد إلى القانون الدولي وإلى المعاهدة ن المبرمة بين البلدين سنة1961 والتي لا تتحدّث عن تسليم المطلوبين في البلديْن لأسباب سياسيّة. إنّ لكل مجرم- مهما تعاظمت جرائمه – الحق في الدفاع عن نفسه والمثول أمام محكمة تتوفّر فيها شروط الحكم العادل. وإذا ثبت أن المحمودي مجرم فالقرار القضائي سيقرّر مصيره دون أن تقام له حفلات تعذيب يرقص على نخبها بعض المنتشين بفرحة النصر على الطاغية. ولا شكّ في أنّ الحكومة المشرفة على نهاية حكمها تعيش حرجا يتفهّمه كلّ من خب العلاقات الدولية وما تحكمها من مصالح.. فملف المحمودي سياسيّ وّ واقتصاديّ. فعدم تعاونها مع السلطة الليبية الجديدة يمكن أن يؤدّي إلى خسائر اقتصاديّة كبيرة. ذلك أن السوق الليبيّة المفتوحة تعد باستيعاب كفاءات تونسيّة كثيرا ما مثّلت، بطول مدّة بطالتها، عبئا على الدولة. والأكيد أنّ عقود العمل في ليبيا يمكن أن تساهم في انفراج أزمة الاقتصاد التونسي. فهل ترضخ المبادئ الإنسائيّة السامية للمرتهنات الاقتصاديّة؟ هل يكون القرار نفعيّا يقايض فيه رأس المحموديّ بآلاف مواطن الشغل؟ في تاريخ العلاقات الدوليّة كثيرا ما يسقط العقل شهيدا أمام البطن التي تفرض على المرء ما يجعله ينتحر كلّما رأى وجهه في المرآة واستكان إلى عذاب ضميره. لقد حلّ البغدادي في تونس في منعطف سياسيّ واقتصادي مثّلا كماشة تعرقل الفعل الحكوميّ وقد تجعل الحكومة تغلّب ـ مُكْرَهة- المال على الرجال. بقي أن نشير في الأخير إلى أنّ قرار قتل ‘البغداديّ’ ، ودفن ما يملكه من أسرار قد يكون ‘كلمة سرّ’ فرضتها الدول المشاركة في قصف ليبيا، ودعت إلى تنفيذها بشتّى السبل لغلق جرح الماضي نهائيّا وإتلاف ‘أرشيف’ العلاقات المشبوهة.. وأبت الصدفة الجغرافيّة والتاريخيّة الا أن تتحمّل ‘تونس’ وزر لعب الكبار. ‘ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية