ليكن لنا في مطالبة اسرائيل بالتعويضات عبرة

بعيدا عن سيرك الانتخابات وتنابزات ساسته بالتشهير والاتهامات، وبينما تلتهم مليارات الدولارات فسادا، يتم نوع آخر من العمل التطوعي المتميز. حيث يواصل ناشطون حقوقيون عراقيون واجانب، السعي بمثابرة واصرار، لتحقيق العدالة للشعب العراقي وتعويضه جراء الظلم الذي أصابه بشريا وماديا، نتيجة الغزو والاحتلال الانكلو أمريكي، في عام 2003.
اقتصرت معظم المبادرات، وأهمها محكمة الضمير ببروكسل، التي ساهمت بعقد حوالي 12 جلسة في جميع انحاء العالم، على عمل الناشطين في التوعية بحجم المأساة وفضح انتهاكات حقوق الانسان وتوثيق جسامة الخراب اليومي في بلد أخضع قبل الغزو الى واحد من اقسى انظمة الحصار، وبقرار من الامم المتحدة، مما جعلها محط احباط ورفض وغضب، وساد التشكيك بأهلية المنظمة نفسها أن تحقق العدالة للشعب العراقي بعدما اثبتته السنوات من الكيل بمكيالين. ولا شك أن هذا الأمر الذي جعل مسؤولية الناشطين في اقناع الناس بجدوى استمرارية محاولات التوثيق وبناء القضايا اصعب وأكبر.
وقد شهد العامان الاخيران، تغيرا تدريجيا في سيرورة العمل ونقلة نوعية نحو ضرورة العمل لاعلى مستوى التوعية والتحريض والتذكير بجرائم الاحتلال فحسب. وتوضحت أمام الناشطين الحقوقيين مجالات محلية للاستفادة من القانون الدولي الانساني، الذي ار وا أء ات ااع ا او واا من جهة، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يثبت ت وا ق ا ا، في ايجاد الفرض لمقاضاة المجرمين سواء كانوا اشخاصا او حكومات. وقد تبين أن كون أغلب بلدان العالم قد وقعت على هذين القانونين يبقي المجال مفتوحا لإقامة الدعاوى على مستويات عديدة، بما يبقي القضية العراقية حية مع الزمن، وأن لم يصب العقاب المجرمين، او تحقق العدالة للضحايا سريعا. وفي هذه الحالات تتميز القضايا المثارة تحت القانونين الإنساني الدولي وحقوق الإنسان الدولي، عن قضايا القانون الثالث، الجنائي الدولي، الذي يتطلب ان تقوم الحكومات بتقديم طلب المحاكمة الى محكمة العدل الدولية وليس الافراد. أي أن القانونين الانساني وحقوق الإنسان يوفران بعض المنافذ للامل.
تلا مبادرات الناشطين والمهتمين بالشأن العراقي ضمن سلسلة محاكم الضمير التي بدأت ببروكسل عام 2004، و12 جلسة محلية في مختلف البلدان تم جمع نتائجها في مؤتمرإسطنبول عام 2005، انعقاد محكمة كوالالمبور الرمزية لجرائم الحرب، في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، التي تم فيها ادانة الرئيس الامريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير كمجرمي حرب، ارتكبا جرائم ضد الانسانية، بعد تقديم البراهين والأدلة القاطعة والاستماع إلى الشهود، وبمشاركة رجال قانون وقضاة مشهود لهم على المستويين المحلي والدولي. المعروف ان محكمة كوالالمبور تابعة لمؤسسة كوالالمبور لتجريم الحروب، وهي مؤسسة غير حكومية تأسست في عام 2007، بمبادرة من رئيس وزراء ماليزيا الأسبق الدكتور محاضر محمد وتخصصت في معالجة آثار الحروب وإعادة تأهيل ضحاياها. وتابعت المحكمة قضية الحرب على العراق، منذ عام 2009.
تكمن اهمية محكمة كوالالمبور في تجميعها البيانات والشهادات بشكل قانوني ومن ثم نيتها العمل على إرسال مذكرة إدانة بحق بوش وبلير إلى المنظمات الدولية، لمطالبتها بالتزام نتائج هذه المحاكمة. الا ان الخطوة الاخيرة لم تتقدم بالشكل المرجو. تلا ذلك، كخطوة للمباشرة بإجراءات المساءلة وتحقيق العدالة للعراق، تنظيم مؤتمر دولي في مقر الأمم المتحدة في جنيف يومي الخميس 14 والجمعة 15 آذار/ مارس عام 2013، باشراف مركز جنيف للعدالة الدولية، تحت اسم االمساءلة لتحقيق العدالة للعراقب. وجرى قبل عقد المؤتمر اتقديم ست وثائق للأمم المتحدّة موقّعة من قبل ما يقرب من 300 منظمة غير حكومية من مختلف انحاء العالم تتناول جوانب اساسيّة من الانتهاكات التي وقعت في العراق خلال السنوات العشر الأخيرة التي تلت الغزو الأمريكي عام 2003 . كان من بين أهداف المؤتمر تثبيت الجرائم والانتهاكات لتكون من وثائق الأمم المتحدّة، وبالتالي الضغط بقوة على منظمات الأمم المتحدة وحقوق الإنسان لاتخاذ جميع الخطوات اللازمة بهدف القيام بإجراءات قانونية على المستويات كافة، وفي كل مجالات التقاضي المتاحة’، حسب موقع المركز.
على نفس المسار، شاركت امحكمة بروكسلب في مؤتمر رابطة الحقوقيين الديمقراطيين العالمية في بروكسل – بلجيكا ( 15 ذ 19 نيسان/ابريل )، المنعقد مرة كل اربع سنوات، بعد الاتفاق حول تخصيص يومين لقضية الحرب على العراق بالتحديد. هدف المساهمة ضمن مؤتمر الرابطة هو مساعدتها الناشطين والحقوقيين العراقيين والاجانب، في جانب المشورة القانونية حول تقديم القضايا الموثقة، حتى الآن، للتقاضي وفق قانون الجنايات الدولي والقانون الانساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان من أجل تعزيز حقوق الشعب العراقي في العدالة والتعويضات جراء الغزو والاحتلال. وهي مهمة كان الناشطون والحقوقيون العراقيون قد اخذوهاعلى عاتقهم لوحدهم لعدم وجود حكومة وطنية من المفترض ان تؤدي واجبها في هذا المجال.
تم التركيز، خلال اليومين، حول جرائم محددة ارتكبها المحتل الانكلو امريكي ولم يتم التطرق الى جرائم وخروقات النظام الحالي لاعتقاد المنظمين ان اصل البلاء هو الاحتلال. كما تم التركيز على ايجاد تشابه في قضايا قانونية بين مجريات القضايا العراقية واخرى بريطانية وامريكية والاستناد الى مواد في الدستور الامريكي تتيح للمحامين الدوليين التحرك لكسر الحصانة التي منحت لاعضاء الحكومة الامريكية وقواتها ممن يعتبرون مشاركين بطريقة او اخرى في غزو العراق واحتلاله.
كان المثال الاوضح هو قضية المواطنة العراقية سندس صالح، المقيمة مع اطفالها بعمان، التي لجأت الى المحامي الامريكي أندر كومار ومقره بسان فرانسيسكو، لرفع قضية ضد مخططي ومنفذي الحرب على العراق والتي سببت هجرتها وعائلتها من بلدها. تحدث كومار، الذي حضر للمشاركة في مؤتمر محكمة بروكسل، عن استناده في رفع القضية على المتهمين كوندليسا رايس، كولن باول، رامسفيلد، جورج بوش، وبول وولفيتز على ذات المعايير التي استخدمت في محكمة نورمبرغ ضد النازيين في اعقاب الحرب العالمية الثانية، مشيرا الى انه بالامكان رفع قضايا مماثلة في العديد من الولايات الامريكية وبذات الوقت الذي ينظرفيها بقضية سندس. كما بين بانه اعتمد في تمويل القضية اولا على تبرعه الشخصي بوقته وجهده وثانيا على حملة التبرعات الاولية التي صاحبت بداية تبنيه لها.
من بين التساؤلات التي تثيرها نشاطات كهذه، بين العراقيين خاصة، هي هل من فائدة حقيقية ستجنى منها؟ هل من امل باعتقال ومحاكمة المتهمين بجرائم الحرب على العراق، خاصة وان العديد من المحاولات في اسبانيا وبريطانيا وامريكا قد فشلت حتى الآن؟ في كلمته الموثقة بتفاصيل العديد من القضايا، أكد كيرتس دوبلر المختص بالقانون الدولي وبالتحديد فيما يتعلق بحقوق الانسان، والداعم لقضية الشعب العراقي، وهو احد المتحدثين في المؤتمر، على اهمية اللجوء الى القانون الدولي لردع الدول المعتدية وتحميل من يخوضون الحروب المسؤولية على الجرائم المرتكبة. وشاركه محامون وقضاة دوليون آخرون وجهة النظر ذاته مع اقرارهم بان مأساة العراق كبيرة ولا يمكن لوم بعض الناس حين يصيبهم الاحباط من تطبيق القانون الدولي.
ان تعرض ابناء شعبنا الى الضربة تلو الضربة على مستوى الحصار والحروب ليس بالامر الذي يمكن تجاهله ولكن لعل من المفيد، ونحن في هذه الحالة، ان نتذكر كيف ثابرت المنظمات اليهودية، على مدى عقود، على ملاحقة المتهمين بالهولوكوست، الجريمة الكبرى التي ارتكبها النازيون بحق يهود أوروبا وأصبحت أهم أسلحة الدعاية الصهيونية في تشريد شعب فلسطين في هولوكوست من نوع آخر، وكيف استخلصت هذه المنظمات التعويضات المادية التي ساعدت على بناء اقتصاد اسرائيل من المانيا، باعتبار اسرائيل الوريث الشرعي للموتى بلا عوائل ترثهم، وكيف لايزالون يتوارثون المطالبة بالتعويضات من دول اخرى مثل اوروبا الشرقية وسويسرا. والعبرة هنا ليست في امكانية تشويه قضية عادلة، بل بأن المثابرة والتوثيق والتنظيم كفيل بإستخلاص الحقوق حتى من قبل الإحفاد، أو بإسمهم. نعلم أن المصالح والتوازنات الدولية لعبت الدور الاكبر بالنسبة للقضية اليهودية، ولكن بدون التمسك بالحقوق ما كان بامكان اي مشروع حظا بالنجاح، ولا شك ان الظروف الدولية في مسار تحول مستمر، ومن الضروري أن يكون العراقيون مستعدين لإسترجاع حقوقهم بعدالة وموضوعية، وفاء للشهداء والضحايا، وعقابا للمجرمين واتباعهم.

‘ كاتبة من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية