ليلة القبض على مالك ‘الحقيقة’ في ‘كازا’

لا أحد من البشر يملك الحقيقة كاملة؛ لكنّ رجلا جمع مالا وعدده، ثم أثبت به ملكيته لقناة أطلق عليها ‘الحقيقة’. ولأن هذا الشخص يزعم امتلاكه الحقيقة، فقد جعل هذه القناة حكرا على نفسه فقط، يطل من خلالها على جمهور المشاهدين طيلة اليوم، مدّعياً أنه يتوفر على البلسم الشافي لجميع الأمراض، التي استعصت على الطب والعلم؛ وصفته السحرية في ذلك، بضعة أعشاب وتمائم وتعاويذ.. وما على الطامع في الشفاء سوى تركيب الأرقام الظاهرة على الشاشة، ليأتي من يقول له: ‘شبيك لبيك، العلاج بين يديك’!
ويجد الحيارى واليائسون ممن أعيتهم الأدوية وكثرة التردد على المستشفيات أنفسهم منساقين إلى ‘عيادة’ (الدكتور) التلفزيونية، خاصة وأن الرجل يغلف خطابه بغلاف ديني ليضفي عليه طابعا شرعيا جذابا.
لا حاجة لهذا (الدكتور) فريد زمانه إلى معاينة المرضى، ولا إلى مطالبتهم بإجراء تشخيص أو تحاليل، وإنما يقدم وصفاته جاهزة لكل المرضى، الذين لا يترددون في ضخ حسابه البنكي بمال تعبوا من أجله أو اقترضوه من غيرهم.
ويصرح بعض هؤلاء المساكين أن معالي الدكتور (الذي لا يعرف أحد كيف ومتى وأين نزلت عليه الدكتوراه) يشترط عليهم التخلي عن أي دواء ينصحهم به الأطباء، حتى تعطي وصفة ‘شبيك لبيك’ مفعولها المباشر.
بيد أن بركة هذا ‘الشيخ’ وادعاءاته لم تجنبه غياهب سجن مدينة سلا المغربية، التي يقبع فيها منذ أسبوع، بعدما ألقت السلطات المغربية عليه القبض، حين حط به الطائر الميمون في مطار مدينة الدار البيضاء (الشهيرة باسم ‘كازا’)، وذلك في انتظار محاكمته بتهمة النصب والاحتيال وتحويل أموال عن طريق البنك بدون سند قانوني، لاسيما بالنظر لكثرة الشكاوى المرفوعة ضده، سواء في المغرب أو في بلدان عربية أخرى. كما أن (معاليه) موضوع مذكرة اعتقال دولية أصدرتها سلطات بلاده وأحالتها على الشرطة الدولية ‘الإنتربول’.
وهناك، في سجن مدينة سلا، يخوض (الشيخ الدكتور) حالياً معركة الأمعاء الفارغة احتجاجا على اعتقاله، بحسب ما أفادت به صحيفة ‘الأخبار’ المغربية في عدد الثلاثاء. فهل سيدرك مالك ‘الحقيقة’ بإضرابه عن الطعام، معنى أن يحرم عائلات من لقمة العيش حين يبتزها مادياً، ومن الأمل في الشفاء حين يغرق مرضاها في متاهات الأعشاب والتعاويذ؟

محاربة الإرهاب بالرقص والتنجيم!

إذا كان شيخ ‘الحقيقة’ جعل من تهاويمه وأعشابه وسيلة للاغتناء السريع، فإن أصحاب قنوات مصرية خاصة اتخذت من قراءة الطالع ذريعة لكسب المال، من أجل تمويل تلك القنوات وتجنيبها مخاطر الإفلاس. وأضافت إليها أيضاً تحميل أغان شعبية ورقصات شرقية للغاية نفسها.
وبذلك، يمكن لتلك القنوات أن تضرب عصفورين بحجر واحد: جمع ملايين الجنيهات من جهة، والانخراط في المعركة الضروس ضد ‘الإرهاب’ بجانب حكام مصر الجدد.. من جهة أخرى.
ذلك هو ديدنُ قنوات سينمائية تقوم بـ’قطع’ أفلام في عز الصراع الدرامي، لتبث إعلانات تجارية عن قارئي الطالع والأبراج (وأغلبهم من الجنس اللطيف) ممن يزعمن إيجاد الحلول لكافة المشاكل العاطفية والنفسية، وممن يتنبأن بما سيكون عليه حال ومآل كل مشاهد حائر. وما على المعني بالأمر سوى تركيب الرقم الهاتفي السحري، ليجد صوتا أنثويا على الطرف الآخر يردد ما مفاده: ‘شبيك لبيك، المستقبل بين يديك’.
لدي سؤال بريء جدا: ‘هل استعان حكام مصر الجدد بقُرّاء الفنجان ممن يقدمون خدماتهم السخية عبر الشاشات، حتى يعرفوا ماذا يخبئ لهم القدر غداً؟’!
وفي انتظار هذا الغد المجهول، أمامهم خصم لدود يشوّش عليهم حلاوة العيش هو ‘الإرهاب’. ولكي ينخرط الجميع في حربه، فكروا وقدروا ثم فكروا وقدروا، وخلصوا إلى أن الحل للقضاء عليه يكمن في الإكثار من الرقص الشرقي والأغاني الشعبية، فصاروا يقدمون وصلات إعلانية تتخلل البرامج والأفلام والمسلسلات، وتحتوي على لقطات جريئة ومثيرة جاهزة للتحميل في الهواتف المحمولة. ولنتخيل حال الناس الغلابة في مصر وقد حوصروا من جهة بسيل عرمرم من تلك الموسيقى والرقصات، ومن جهة ثانية بقناة ‘فلول’ الحاملة لـ’فلسفة’ المرحلة: ‘رقصني يا جدع’! الأكيد أنهم سيتساءلون عما إذا كان ذلك الطبق التلفزيوني هو البرنامج الانتخابي، الذي يبشرهم به الساسة الجدد/ القدامى؟

المشاهد المغربي بين نسبة المشاهدة ونسبة الرضى

مُخطئ من يحصر مشكلات الإعلام السمعي البصري المغربي في التمويل، ذلك أن السؤال الحقيقي يكمن في مدى التوفر على المصداقية وفي الاستجابة لتطلعات المتلقي المغربي الذي يطمح نحو مواد تلفزيونية راقية لا تحتقر ذكاءه.
البعض يتحجج بنسب المشاهدة التي تقدمها شركة مختصة حول مشاهدة المواطن المغربي لقنواته العمومية، ليقول: ‘هذا هو ما يطلبه الجمهور’. ولكن، هل فعلا يريد المغاربة تلك الإنتاجات التي تقدم لهم؟ لقد كشف تحقيق أنجزته صحيفة مغربية عن وجود ثغرات وأخطاء تشوب عمل تلك المؤسسة المكلفة بقياس نسب المشاهدة، مما يجعل التسليم المطلق بنتائجها أمرا غير مطلوب. ودليل ذلك تعارض الأرقام المقدمة بهذا الصدد مع المعطيات المتعلقة بنسب الرضى التي سبق لمؤسسة مختصة أن كشفت عنها في وقت سابق.
إن المتلقي المغربي ـ مثله مثل أي مستهلك عام ـ لا يتوفر على ‘ديمقراطية الاختيار’، فليس أمامه غزارة في القنوات الوطنية، التي يمكن أن يفاضل بينها، وليس أمامه تنوع ووفرة في المواد الإعلامية السمعية البصرية التي تجعله يحدد ما يشاهده. وبالتالي، فذلك المتلقي مُقيَّد بمحدودية المواد المعروضة أمامه من طرف القنوات العمومية. وهو ما يستدعي الإسراع بتحرير القطاع وفتح المجال أمام قنوات أخرى منافسة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية