إسطنبول – «القدس العربي» : بعدما وصلت الأزمة الاقتصادية في تركيا إلى ذروتها بفقدان الليرة التركية قرابة 10 في المئة من قيمتها، صباح يوم الأثنين، وقرابة 60 في المئة من قيمتها في أسابيع، فاجأ الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الأوساط الداخلية والخارجية بحزمة إجراءات لوقف «الدولرة» في الاقتصاد نجحت في خلط الأوراق الاقتصادية مجدداً، وساعدت الليرة على استعادة قرابة 30 في المئة من خسائرها بعدما باع المواطنون أكثر من مليار دولار خلال وقت قصير.
هجمة مرتدة سجلت هدفاً لكنها لا تضمن الفوز بالمباراة
وبينما نجح اردوغان عبر وعوده الجديدة التي هدفت إلى تهدئة مخاوف المواطنين واستعادة ولو جزء من ثقتهم بإدارته الاقتصادية والليرة التركية، طرح اقتصاديون تساؤلات كبيرة حول مدى استمرار هذه الثقة على المديين القريب والمتوسط، وإلى أي مدى يمكن اعتبار الخطوات الاقتصادية الأخيرة حلولاً متينة تدعم الاقتصاد التركي على المدى البعيد، أم أنها مجرد «مناورة» هدفت إلى توجيه صفعة للمضاربين بأسعار الصرف ومجرد تأجيل للأزمة التي قد تكون نتائجها أكبر على المدى البعيد.
خلط الأوراق
ففي خطوة غير متوقعة، وعقب اجتماع الحكومة التركية الذي استمر لساعات طويلة لبحث الملف الاقتصادي الأهم في البلاد، خرج اردوغان في مؤتمر صحافي استمر لأكثر من 40 دقيقة تحدث فيها حول الملف الاقتصادي، وجدد إصراره على تطبيق نموذجه الاقتصادي الجديد القائم على خفض أسعار الفائدة، وزيادة الإنتاج والصادرات والتشغيل، معبراً عن ثقته المطلقة بأن برنامجه سينجح في خفض التضخم وتحقيق مكاسب مهمة للاقتصاد التركي. وتحدث اردوغان بلغة مليئة بالثقة كما لم يكن عليه طوال الأسابيع الماضية.
لكن الأهم الذي تضمنه خطابه الإعلان أن الحكومة ستطلق أداة مالية جديدة تتيح تحقيق مستوى الأرباح المحتملة للمدخرات بالعملات الأجنبية عبر إبقاء الأصول بالليرة، وهي الخطوة التي قلبت حسابات سوق الصرف رأساً على عقب، ونجحت في تمكين الليرة من الصعود لأكثر من 30 في المئة أمام الدولار الأمريكي بعدما تهافت مواطنون على بيع مدخراتهم من الدولار قبيل الانخفاض المتوقع في سعر الصرف وهو ما جرى بالفعل.
وعقب انتهاء خطاب اردوغان، بدأ سعر صرف الليرة التركية أمام العملات الأجنبية بالارتفاع بشكل سريع وكبير جداً بعد أشهر من الهبوط المتتالي.
وبعدما وصل سعر الليرة أمام الدولار صباح الإثنين إلى 18.4 في أدنى مستوى تاريخي على الإطلاق، وصل في ساعة متأخرة من مساء الإثنين إلى 14.5، ما يعني استعادة الليرة قرابة 25 في المئة من قيمتها.
ومع فتح الأسواق المالية وبورصة إسطنبول صباح الثلاثاء سجلت الليرة مزيداً من الارتفاع واقتربت من 12 ليرة للدولار الواحد بارتفاع اجمالي قارب الـ33 في المئة، قبل أن تعود لمحيط 13.5 في تذبذب مستمر لأسعار الصرف.
وحسب رئيس اتحاد البنوك التركية فإن المواطنون الأتراك باعوا قرابة مليار دولار مساء الإثنين وهو ما ساهم في ارتفاع أسعار الليرة. ومع فتح الأسواق صباح الثلاثاء باع المواطنون ما لا يقل عن مليار دولار آخر.
وأظهرت فضائيات تركية اصطفاف عشرات المواطنين أمام البنوك ومركز الصرافة من أجل بيع كميات من الدولار على أمل الحصول على سعر صرف أفضل عقب الأجواء الإيجابية التي تركتها تطمينات اردوغان والتوقعات بمزيد من التحسن في سعر صرف الليرة أمام الدولار.
الخطوة التي أقدم عليها الرئيس التركي وصفها محللون بأنها «هجمة مرتدة نجحت في تسجيل هدف، لكن من الصعب التكهن ما إن كانت قادرة على حسم المباراة».
وكان هدفها وقف المضاربات على الليرة التركية وتطمين المواطنين بأن الحكومة قادرة على ومستعدة لحماية قيمة مدخراتهم أمام قيمة العملات الأجنبية، وذلك بعدما أدى تراجع الثقة بالليرة التركية إلى حالة من الارباك دفعت المواطنين للتخلص منها بكافة الطرق وبكميات هائلة وهو ما هوى بسعر صرفها لأرقام قياسية غير متوقعة على الإطلاق.
وقال اردوغان «سنوفر بديلاً مالياً جديداً لمواطنينا الراغبين بتبديد مخاوفهم الناجمة عن ارتفاع أسعار الصرف.. من الآن فصاعدا لن تبقى هناك حاجة لتحويل مواطنينا مدخراتهم من الليرة إلى العملات الأجنبية، خشية ارتفاع أسعار الصرف».
وأوضح أنه «في حال كانت أرباح المودعين في المصارف بالليرة أكبر من زيادة سعر الصرف، فإنهم سيحافظون على أرباحهم، أما في حال كانت أرباح سعر الصرف أكبر فعندئذ سيتم دفع الفرق للمواطن».
نتائج غير مضمونة
كما طمأن اردوغان المصدرين الذين يواجهون صعوبة في التسعير بسبب تقلبات أسعار الصرف بالقول «سيتم تحديد سعر صرف طويل الأجل للشركات المُصدِّرة عبر البنك المركزي بشكل مباشر، وفي حال حدوث فروقات سيتم دفعها بالليرة للشركات المعنية».
وحاول إرسال مزيد من الرسائل الإيجابية حول وضع الاقتصاد التركي بالتذكير بوجود نحو 5 آلاف طن من الذهب لدى المواطنين «تحت الوسائد» (يحتفظون بها في المنازل) تقدر قيمتها بـ 280 مليار دولار، لافتاً إلى أنه سيتم تطوير أدوات جديدة لتشجيع المواطنين على إدخال مدخراتهم من الذهب في النظام المالي.
وتقوم الخطة الجديدة على فكرة حماية مدخرات المواطنين بالليرة أمام تقلبات أسعار الصرف. فعلى سبيل المثال يمكن لمواطن إيداع مبلغ بالليرة التركية، وباحتساب سعر الصرف يوم الإيداع سيحصل على نسبة الفائدة الأساسية المعتادة (14 في المئة حالياً) وفي حال ارتفاع قيمة الليرة أمام الدولار ستكون الفائدة للمواطن، ولكن في حال انخفاض قيمة الليرة أمام الدولار بحلول موعد انتهاء فترة الإيداع فإن الحكومة تتعهد بدفع الفارق للمواطن ليحافظ على قيمة نقوده بالليرة التركية أمام الدولار الأمريكي، وهو باختصار ما يجعل من الاستثمار في الودائع بالليرة التركية أكثر جاذبية وربحاً من الاستثمار بالدولار.
ويقول اقتصاديون مقربون من الحكومة أن هذه الخطة ستكون ناجحة في اجتذاب المواطنين لادخار أموالهم بالليرة التي ستكسب من سعر الفائدة الكبير وستحافظ على قيمتها أمام الدولار، متوقعين أن الحكومة لن تكون مضطرة للدفع للمواطنين لأن الليرة التركية سوف تحافظ على قيمتها أمام الدولار، وربما ترتفع، طالما زاد اقبال المواطنين على الادخار بالليرة، وهو ما سيساهم في دعم استقرار الليرة التي يقول مختصون أن سعر الصرف العادل لها يتراوح بين 11 إلى 12 ليرة للدولار، وأن سعر الصرف السابق عند 7 كان وهمياً بسبب دعم الحكومة المستمر. أما السعر الأخير عند 18 فيرون أنه كان بسبب حالة الارباك والخوف التي انتابت المواطنين والمستثمرين.
في المقابل، اعتبر آخرون خطوة اردوغان الأخيرة بمثابة تراجع غير مباشر عن سياسة خفض سعر الفائدة و»رفع مبطن لأسعار الفائدة» عبر التعهد للمواطنين بحماية مدخراتهم أمام قيمة الدولار الأمريكي.
وحذروا من أن ما يجري هو محاولة لتأجيل وترحيل الأزمة التي قد تنفجر بشكل أكبر تدريجياً إذا اضطرت الحكومة لدفع أموال كبيرة للمواطنين، وهو ما سيجبرها على طباعة كميات كبيرة من الليرة التركية ما سيهوي بشكل أكبر بقيمتها ويرفع نسبة التضخم.