ليلة سقوط بغداد في قاهرة المعز: عيون العم سام.. لا تغفل ولا تنام!

حجم الخط
0

د. عماد عبد الرازق

من بين زحمة أفلام الكوميديا الهزلية التي تلفظها صناعة السينما المصرية بأعداد متزايدة كل عام، توقفت أمام فيلم ليلة سقوط بغداد الذي عرض ضمن مهرجان للأفلام العربية أقيم في العاصمة الأمريكية واشنطن مؤخرا تحت عنوان مشاهد عربية Arabian Sights . الفيلم يقدم نموذجا ممتعا للكوميديا السياسية التهكمية التي تتناول جملة من تناقضات الواقع السياسي ـ الاجتماعي الحالي في مصر، ومن خلال تناول ساخر يشي ـ من دون قصد علي الأرجح ـ ببعض لمحات من تقاليد مسرح العبث، وبالأحري اللامعقول التسمية الأخري لهذا المسرح والتي تستجيب في رأينا أكثر من أي شيء آخر للواقع المصري بتناقضاته الصارخة التي تخلط أعمق الأمور جدية بأكثرها هزلية. وقد لا نبالغ إذا قلنا أن هذا في حد ذاته كان دائما من سمات الثقافة والشخصية المصرية بوجه عام. يقدم الفيلم رؤيته هذه انطلاقا من لحظة بدء الغزو الأمريكي للعراق عام الفين وثلاثة وتداعيات هذا الغزو علي الشارع المصري من خلال تتبع ردود الفعل لدي اسرة مصرية عادية أو تقليدية ومحيطها من المقهي الي الشارع في أحد أحياء القاهرة الشعبية بما يحفل به من أنماط مختلفة من الشخصيات.

يبدأ الفيلم بداية قوية وساخنة من ذروة الحدث حيث يلقي بنا مباشرة في قلبه دون إضاعة للوقت وتلك في حد ذاتها مهارة في الصنعة الدرامية تغيب عن غالبية كتاب الأفلام ـ والمسلسلات بالطبع ـ ونستغربها من كاتب حديث العهد بالكتابة علي ما نظن.

يبدأ الفيلم من ذات اللحظة التي يشي بها العنوان ليلة سقوط بغداد، حيث انطلقت المظاهرات الغاضبة في عدد من المدن العربية، وفي مقدمتها القاهرة، ولم تكن هذه المظاهرات لتواجه بتسامح من السلطات المصرية، وهو ما يدركه جيدا الأستاذ شاكر (حسن حسني) حين يحاول تهدئة تلاميذ مدرسته الذين يريدون الخروج الي الشارع للمشاركة في المظاهرات والتعبير عن غضبهم. ويكابد الناظر مشاعره الوطنية التي تدفعه بشدة باتجاه التعاطف مع تلاميذه ويود لو يأمر بفتح أبواب المدرسة لهم، لكنه من ناحية أخري كموظف حكومي لا يستطيع أن ينساق وراء مشاعره الوطنية. يقترح الناظر علي تلاميذه الاكتفاء بالتعبير عن احتجاجهم عبر نفس اللافتة المعلقة علي سور المدرسة تندد بالغزو الأمريكي لأفغانستان بأن يفتحوا القوسين ويضيفوا اسم العراق إلي أفغانستان، وهكذا يكونون قد قاموا بواجبهم، في إشارة تهكمية الي اكتفاء الشارع العربي بالاحتجاج عبر الشعارات.. وهذا أضعف الإيمان. إلا أن التلاميذ لا ينصاعون في نهاية الأمر ويندفعون بحماسهم خارج بوابة المدرسة الي الشارع. معاناة الناظر لا تنتهي عند هذا الحد، بل تبدأ في الحقيقة حين يعود الي منزله ويجلس وسط أفراد عائلته متسمرين امام شاشة التلفزيون يتابعون الغارات وتداعيات الغزو حول العالم. مع توالي التقارير الإخبارية تزداد مشاعر الوطنية لدي الناظر تأججا، مصحوبة بنمو في مشاعر القلق حين تتواتر التحليلات والأنباء بأن غزو العراق ليس سوي فاتحة في خطة أكبر تستهدف البلدان العربية بلدا بعد آخر، وأن الدور القادم سيكون علي سورية (رغم أنها صوتت في النهاية في مجلس الأمن لصالح القرار). ويدرك الأستاذ شاكر أن بلده مصر في خطر، وأن الغزو الأمريكي قادم لا محالة، آجلا إن لم يكن عاجلا. وكرجل وطني ينبغي عليه أن يفعل شيئا، وبعد أن يقدح زناد فكره يستدعي من ذاكرته حادثة لأحد تلاميذ مدرسته دفعته رغبته للانتقام من زملائه الذين يضطهدونه بابتكار سلاح فتاك استخدمه ضدهم بالفعل داخل الفصل الدراسي، وكانت تلك الحادثة سببا في اكتشاف الناظر ان هذا التلميذ بالذات مشروع رجل عبقري في المستقبل. يقرر الناظر البحث عن التلميذ ليقنعه بتجنيد خبراته وعبقريته العلمية في سبيل اختراع سلاح ردع لحماية مصر من هجمات الصواريخ والطائرات الأمريكية المتوقعة في اي لحظة. وحين يذهب الناظر الي منزل الطالب تخبره أمه أنه يعمل في مركز البحوث، فتتأكد بذلك لديه توقعاته للطالب النبيه. لكنه حين يصل اليه يكتشف أن مركز البحوث ليس سوي غرزة حشاشين يتردد عليها طارق، ليغرق في تهاويم وخيالات أحلام اليقظة وسط دخان الحشيش، وهو حال يجسد نسبة لا بأس بها من الشباب العاطلين عن العمل الذين يعانون الفقر والبؤس والكبت الجنسي وما لا حصر له من أشكال القمع. طارق أبعد ما يكون عن تلك الشخصية التي تصورها الناظر أنه سيكون عليها بعد أن شب عن الطوق، فهو ببساطة نموذج للفشل مجسدا، فاقد لأي دوافع أو حماس لأي شيء ولا يشغله سوي الحصول علي تعميرة الحشيش القادمة. اللقاء العبثي بين الناظر وتلميذه سابقا يثمر نتائج لا تقل عبثية، إذ يقنع الناظر تلميذه بأن يكرس نفسه تماما للعمل من أجل اختراع سلاح الردع الذي باتت بلده مصر في أمس الحاجة اليه. ويتعهد الناظر أن يوفر له كل متطلباته، حيث يمنحه شقة مواجهة لشقته في العمارة التي يقطنها مع عائلته. كما يتعهد له بتوفير كل مستلزمات البحث العلمي حيث يقرر بيع إحدي عماراته لتوفير الموارد اللازمة، وهو ما يثير غضب أفراد عائلته خاصة الزوجة (هالة فاخر)، والجدة المريضة المقعدة (إحسان القلعاوي). وحدها ابنته الطالبة الجامعية سلمي هي التي تشاركه حماسه ووطنيته، فتتكون في صدارة المظاهرات محمولة علي الأعناق تهتف ضد الغزو الأمريكي وتتصدي لهراوات قوات الأمن المركزي. رغم الاعتراضات يمضي الأستاذ شاكر في خطته متخذا كل الاحترازات الأمنية وفي مقدمتها طلاء سطح العمارة التي يقطنها بألوان العلم الأمريكي، كنوع من التمويه يبعث من خلاله رسالة تفيد تأييد قلبا وقالبا للمشروع الأمريكي. هذا المنحي ممثل أيضا في الفيلم من خلال شخصية هامشية من رواد مقهي الحي لا يتردد عن التعبير عن ابتهاجه بالغزو الأمريكي للعراق، وقد علق كل آماله وأحلامه في مستقبل باهر علي وصول الأمريكان الي بلده، وهو في حال ترقب وانتشاء بتلك الحظة التي يصلون فيها الي القاهرة أيضا خليهم ييجوا.. خليهم بقي خلينا نخلص.

الكوابيس تتناسل من رحم الواقع القلق المحموم الذي ينتاب الناظر يتصاعد كل يوم مع تكشف حجم الخطط الأمريكية المعدة للمنطقة، تلك التي تأتي في خليط من المعتقدات الشعبية السائدة عن القدرات الخارقة للقوة العظمي الوحيدة في العالم، ونظريات المؤامرة التي تتناسل من بعضها البعض، واليد الطولي لأجهزة الاستخبارات الأمريكية التي تعرف دبة النملة في اي ركن من اركان الكرة الأرضية، والتي لا بد أنها ستصل الي مشروع سلاح الردع الخطير الذي يعمل عليه هو وتلميذه طارق، لذا وجب إحاطته بالسرية التامة والكتمان والإسراع بتنفيذه قبل ان يفتضح أمره للأعداء. فظائع العدوان الأمريكي علي العراق التي تنقلها التلفزيونات ساعة بساعة، تؤرق الناظر ليل نهار، فمشاهد جنود المارينز المدججين بالسلاح وهم يقتحمون منازل العراقيين ويعتقلون الرجال ويضعون الأكياس حول رؤوسهم، تتراءي له في الكوابيس وقد حل أفراد عائلته محل العائلات العراقية، ومشاهد التعذيب والتحقير للمساجين المعتقلين في أبو غريب، تتحول في الكوابيس الي مشاهد اغتصاب الجنود الأمريكيين لابنته سلمي.

من خلال هذا المزج الذكي بين مشاهد الواقع والأحلام الكابوسية، ينجح الفيلم في إرهاف وعي المشاهد سياسيا من ناحية، ومن ناحية أخري في تجسيد محنة العراقيين تحت الاحتلال وشحن مشاعر التعاطف معهم. تراكم هذه المشاعر المتنامية بالخوف والقلق لدي الناظر، تدفع بها خطوات أبعد علي طريق التحرك من أجل الاستعداد لليوم المشهود. يبدأ الرجل في شحذ همم أهل الحي، وينجح في تجنيدهم للقضية الوطنية، فينخرطون في إجراء تدريبات علي الأسلحة الخفيفة وتكتيكات المقاومة في بدروم العمارة التي يسكنها بعد أن حولها إلي ثكنة عسكرية للتدريب علي اطلاق النار. في الوقت ذاته، لا يبدو أن العمل علي مشروع سلاح الردع يسير علي ما يرام، بل إنه لا يسير علي الإطلاق. فالمخترع العبقري طارق لا يزال أسير إدمانه علي الحل السهل بالهروب الي نعيم المخدرات وتهاويمها، والتي باتت تتمركز الآن حول خيالاته وأحلامه الجنسية المحبطة التي لا يجد لها متنفسا. هذا الهوس الجنسي الذي يعانيه طارق يعبر عن نفسه علي نحو مضطرب يليق حقا بحشاش أصيل: فمن اللحظة الأولي التي وقعت فيها عيناه علي سلمي ابنة حضرة الناظر، وقد وقع في هواها وصار متيما بها فلا تغيب صورتها عن خياله. تلك هي حبيبة قلبه ومني عينه. لكنه من ناحية أخري، يكابد أهوال هلوسة جنسية مع فتاة أحلام من نوع آخر، هي وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس (كانت في حينها مستشارة الرئيس للأمن القومي)، التي تتراءي له في الحلم وتشكل المادة الخصبة لأحلامه الجنسية (وقد وفق الفيلم في اختيار ممثلة تشبه رايس الي حد كبير). يحلم الشاب بالاقتران بحبيبة قلبه الوطني سلمي لكنه يشتهي في الوقت ذاته النوم مع الأعداء والتمرغ في أحضانهم. علي هذا النحو يبين الفيلم الهوة الشاسعة التي تفصل بين الناظر/ الأب/ المربي الفاضل الذي يضج بالوطنية، وتتمحور أحلامه حول الخوف علي عائلته من الخطر الداهم المتمثل في الغزو الأمريكي القادم، وبين الشاب الذي أدمن الهروب عبر المخدرات الي عالم وردي نقيض عالمه البائس وفيه تتمحور أحلامه حول رغباته وخيالاته الجنسية. حين يدرك الناظر شاكر المأزق الذي يعيشه طارق لا يتردد في بذل كل ما في وسعه من أجل توفير كل الظروف الملائمة التي تمكنه من الوصول الي الهدف المنشود من أجل الوطن، بدءا من النزول بنفسه لشراء البانغو نوع من المخدرات، له من الأماكن المشبوهة معرضا نفسه لمخاطر القبض عليه (وهناك يلتقي بعض تلاميذ المدرسة جاؤوا بدورهم لشراء البانغو)، وليس انتهاء بتزويجه من فتاة أحلامه ابنته سلمي التي تعارض في البداية لأنها لا تشعر تجاهه بأي مشاعر، لكنها في النهاية تذعن لرغبة أبيها لأن كله في حب الوطن يهون.

يمضي الفيلم في تطوير هذا البناء التهكمي الصارخ حين تفشل كل هذه الحلول التي قدمها الناظر للمخترع العبقري في شحذ همته للانكباب علي اختراعه المرتقب. المشكلة الآن أن طارق اثبت فشلا مشينا علي جبهة الزواج في ليلة زفافه، وتحول احباطه الجنسي الذي طال الآن الي حالة مزمنة من الاكتئاب والاحساس بالخزي والعار ولا تنجح كل محاولات سلمي في التسرية عنه. وحين يعلم الناظر بعمق المشكلة يعرضه علي طبيب نفسي لكن حتي كل هذه الحيل تفشل في فك عقدته الجنسية. وحدها الصدفة تقود الي الحل السحري، حين تفاجئ سلمي زوجها ذات يوم في الحمام، حيث وضع له الأب صورة جندي مارينز أمريكي علي غطاء قاعدة المرحاض كنوع من التحفيز له والتذكير الدائم بالعدو اللدود. يقرر طارق ذات مرة ان يعكس الأمر، فيجلس علي المرحاض وقد وضع صورة المارينز أمامه لا خلفه، وحين تشاهد زوجته المنظر تواتيها الفكرة لحظيا، فتقرر ارتداء ملابس المارينز وتدعو زوجها بدلال الي أن يفترسها ويمزقها إربا في الفراش، وتنجح الحيلة أخيرا في استنهاض رجولته الخاملة من سباتها العميق. يواصل الفيلم هذا التلاعب بالرموز الجنسية المشحونة بدلالات القوة والسيطرة والغلبة الي آخر تداعيات الصورة الذهنية للرجولة كما تتبدي في المخيلة الشعبية (والعامية المصرية تحتشد بما لا حصر له من العبارات والألفاظ الملتبسة والكلمات التي هي حمالة التأويلات علي كل الأوجه، وكانت دائما مصدرا لا ينضب للغة الكوميديا بكل أنواعها). ويمتد هذا النسق من الكوميديا اللفظية الملتبسة طوال الفيلم حيث يتم استثماره لتوليد المعاني المزدوجة للقوة ورد العدوان ورفع القهر علي الصعيد السياسي من خلال ذات السياق الاجتماعي التهكمي بالتلاعب علي المفردات والأفعال الجنسية، إذ تنتقل عدوي العلاج السحري الذي توصلت اليه سلمي الي سائر أفراد الحي، بدءا بالناظر الذي يعود ذات يوم ليجد زوجته ممددة في الفراش في لباس المارينز تتحدي رجولته الخاملة التي عفا عليها الزمن، وعلي الفور تدب الحيوية في عروق الناظر الكهل فيقفز الي معمعمة الفراش ليبلي بلاء حسنا و يجندل الأعداء.

عيون السي آي إيه.. لا تغفل ولا تنام يرسم الفيلم صورة درامية مثيرة حقا من خلال المبالغة الكاريكاتورية لسكان هذا الحي الشعبي كصورة مصغرة لمجتمع بأكمله يسيطر عليه هاجس وحيد هو الخوف من الغزو الأمريكي القادم لا محالة في أية لحظة. وحتي في إطار هذا السياق التهكمي اللاذع لا تغيب مقولة الفيلم السياسية الأساسية ولا تتيه في التفاصيل، وإن جاءت مخففة بعض الشيء، ربما لتجاوز مقص الرقابة في أغلب الظن. وليعزز الفيلم هذا الهاجس المتولد أصلا من صور الغزو الأمريكي وتداعياته، يطور خطا دراميا موازيا لاثنين من عملاء وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) يصلان متخفيين الي مصر ويبدآن البحث عن ذلك الشاب الذي يطور جهازا خطيرا لا شك أنه يشكل تهديدا للولايات المتحدة. صحيح أنه سلاح للردع أي للدفاع فقط كما يؤكد لنا حضرة الناظر عشرات المرات، وليس سوي ستارة غير مرئية بمجرد نشرها في سماء البلاد سوف تتحطم عليها كل صواريخ وطائرات الأعداء. (علي شاكلة استراتيجية حرب النجوم التي أراد الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان تطويرها)، لكن هذا لا يمنع المخابرات الأمريكية بالطبع من التدخل لإحباط السلاح لأنه يشكل تهديدا للهيمنة الأمريكية علي مقدرات العالم، وبوجه خاص الشرق الأوسط. بعد بحث وتقصّ مضنٍ في حواري القاهرة وأزقتها يتمكن عملاء المخابرات الأمريكية من الوصول الي العبقري المصري الذي يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة، ويجربون معه أولا التهديد والوعيد وبأنه لا جدوي من الوقوف في وجه القوة العظمي الوحيدة في العالم، وأنه ايا ما كان السلاح الذي سيتوصل اليه فلا بد أن العقول الأمريكية ستجد رادعا له في أقرب فرصة. لكن هذا لا يثني طارق عن عزمه فيحاولون إقناعه بحيل أخري كإغرائه بالسفر الي أميركا حيث الامكانيات الحقيقية التي يمكن ان يوظف عبقريته وقدراته علي الاختراع من خلالها، ولينتشل نفسه من الفقر ويحيا حياة تليق بعبقريته. وهذا أيضا لا يجدي نفعا مع طارق الذي يواصل العمل بهمة علي اختراعه الفذ، مستعينا في الوقت ذاته بتدخين السجائر المعمرة بالحشيش من آن لآخر ليحفز خلايا العبقرية في رأسه، قبل أن يمني بأول نكسة لاختراعه حين يتحداه رجال المخابرات الأمريكية لتجربة سلاحه في نفس البدروم الذي يتخذه أهل الحي معسكرا للتدريب، ويفشل اختراعه في التصدي لطائرات العم سام. أهم ما يميز الفيلم هي تلك الخفة في التناول واعتماد السخرية والتهكم في إجلاء التناقضات الكامنة في الموضوع. فالحقيقة التي لا يمكن الفرار منها أن الواقع المصري، مثله في ذلك مثل العديد من الدول العربية، مثقل بما لا حصر له من مشاكل الفقر والبطالة والفساد وانهيار الخدمات وتدهور التعليم، وكلها تشكل مزيجا بائسا من المحبطات وعوامل الغم تجعل من حياتهم اليومية معمعة مضنية من أجل لقمة العيش. في وسط هذا المناخ، وبسبب السياسات التي تتبعها الحكومات العربية في القمع بكل أشكاله وفي مقدمتها قمع حريات التعبير، أصبح الشارع العربي في حالة من التشظي واللامبالاة تجاه أكثر القضايا العربية مصيرية وحيوية، وباتت ردود أفعاله لحظية وانفعالية سرعان ما تفور لتخمد بنفس السرعة التي هاجت بها، خاصة مع غياب الأطر والكوادر والتنظيمات السياسية الفعالة التي يمكنها استيعاب هذا الحماس وتحويله الي آليات ضغط أو قوة سياسية مؤثرة علي صناع القرار المحصنين وراء قصورهم وحراسهم المدججين بالسلاح. في خضم هذا الواقع المزري الذي ترزح تحت وطأته الغالبية العظمي من الشعوب العربية، فإن التناول الجاد للقضايا الهامة كغزو العراق والاحتلال الاسرائيلي لفلسطين غالبا ما يجنح في المعالجات المصرية نحو المباشرة الفجة التي تتدثر بالشعارات الرنانة والمبالغات الميلودرامية. كما أن تناول الموضوعات السياسية الجادة في السينما المصرية علي الشكل الذي أشرنا إليه، يعد مغامرة في ظل صناعة سينما مضطربة وفي تراجع، أيضا بسبب أن ارتياد دور العرض في بلد كمصر لم يعد متعة في متناول الغالبية التي تكابد معدلات التضخم المرتفعة وتدني قيمة العملة المحلية وغيرها من مفردات غلاء المعيشة، وهؤلاء القادرون الذين يترددون علي دور العرض يبحثون دوما عن الترفيه أولا وقبل كل شيء، ولا تعنيهم تلك القضايا الكبري. كما لا يمكن أن نفغل دور الرقابة ومحاذيرها في دفع المبدعين الي اختيار أساليب فنية يتحايلون بها علي مقص الرقيب، وفي هذا فإن التناول الكوميدي الساخر من شأنه أن يغلف الرسالة السياسية بغلالة تخفف من وقعها الصادم أو المباشر. أما العيب الرئيسي الذي شاب هذا الفيلم فتمثل في سوء اختيار ممثل يدعي أحمد حلمي لدور الشاب المخترع طارق، فهو لا يتمتع بأدني حس فكاهي ويفتقر للحضور السينمائي بشكل فادح، علاوة علي أن قدراته التمثيلية متواضعة جدا. ناقد سينمائي مصري يقيم في امريكا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية