ليلة سقوط صرح من الهوس السياسي

حجم الخط
0

وانا اتابع لحظة بلحظة الاحداث في ليبيا ليلة الواحد والعشرين من رمضان.. لم افاجأ حقيقة بأن يطل علينا العقيد صوتا بدون صورة.. بنفس النبرة وبنفس المعجم الذي يستعمله دائما والذي جعلني كمتابع للشأن الليبي منذ زمن رغم بعدي عن السياسة والتحليل النفسي إختصاصا لا ثقافة، هذا الخطاب جعلني أتأكد من رأيي وأبرهن موقفي من هذا الكائن السّياسي بملاحظات قد لا تخلو من انتقاد من قبل البعض لكنها في نظري هي بالضرورة البيّنة على الإدعاء الذي أتبنّاه منذ زمن والذي يتلخّص في النقاط التّالية: – القذافي شخص مصاب بالهوس (manie) أو ما تحت الهوس (hypomania) وهو مرض نفسي له اعراض واضحة وجلية لا أخترعها ولكن إستقيتها من إطّلاعات ودراسات علميّة وطبّية ومن إستشارة أهل الإختصاص (أطبّاء مختصّون في الامراض النّفسيّة والعصبيّة) فهو لا يزال اي القذافي يتشبّث بالسّلطة رغم ان الواقع والأحداث لم تترك له هامشا للامل في الحكم، ولكنّ الذّهان يمنعه من الإعتراف بالهزيمة ومن الرجوع إلى الواقع فهو فعلا لا يؤمن بالهزيمة لانّه مريض ويعيش في عالم خاصّ به وفي افكار مختلفة عن الآخرين ويعتقد جازما بأنّ هناك قوى خارقة أو كرامات لن تجعله يُهزم.

الدّليل الثاني على انّه مصاب بالهوس الذّهاني الذي قد يتحوّل في اي لحظة إلى مرحلة الشيزوفرينيا الزورية (paranoya) وهي مرحلة الجنون الفعلي أو الذّهان الكبريائي التي لا تختلف كثيرا في الحقيقة على إضطرابات المزاج الحادّة من حيث الأعراض بل يصعب حتّى على المختصّين التّفريق بين الحالتين إلا بالملاحظة عن كثب ولزمن طويل، أعود للدّليل الثاني على التّشخيص والذي يتمثّل في كمّية الشّك التيّ يمكن إستنتاجها من خطابه بمعنى أنّ المهووس عادّة تكون لديه شحنة من الشّك الغير معقول والغير مُبرّر في نوايا الآخرين ويعتمد مقاييس غريبة في تصنيف البشر إلى أخيار وأشرار فقد يقول البعض إنّه محق عندما يتّهم فرنسا بنيّة الإستيلاء على ثروات ليبيا ولكن كيف نجد تبريرا لقوله’ إنّ الذين قاموا بثورة 17 فبراير ليسوا ليبييّن ولا يمكن أن يكونوا كذلك.. ‘ وكيف يُبرّر نوايا الدول الخليجية مثلا في دعمها لثورة الشعب اللّيبي؟ هل هي أيضا تسعى إلى الإستفادة من ثروات ليبيا ونفطها؟ كذلك فالرّجل لا يدع مناسبة إلا ويتّهم فيها وسائل الإعلام العربية والعالمية بالكذب والتّلفيق والمؤامرة عليه وهو الذي كان في الأيام الخوالي يخصّها بالحوارات حول نظريّته الثالثة إعتقادا منه أن التّرويج لأفكاره لا يكون إلا عبر هذه المنابر الإعلامية، هذا كان في بداية ظهور الإضطرابات الوجدانية لديه عندما كان يرى في نفسه منقذ الأمة وملك ملوك إفريقيا وغيرها من المسمّيات التي لا تغني عن الحق شيئا، و في هذه المرحلة من الذّهان أصبحت مقاييس التصنيف والتّحكيم لديه لا تخضع للمنطق والواقع بقدر ماهي مرتبطة بإنفعالاته النّاتجة عن الخلل في إفرازات السيروتونين والدّوبامين والأدرينالين (sertonine-dopamine-Adrinaline) في المخّ بحيث أنّ حالة الفصام التي يعيشها المريض لا يدركها هو بنفسه بقدر ما يدركها المحيطون والملاحظون أو الأخصّائيون في حين أن العامّة يرون سلوك المريض في أحيان كثيرة نوعا من الشجاعة الخارقة والثّقة في النّفس في حين أنّها في الحقيقة أعراض دامغة على حالة فصاميّة تقطع مع الواقع، وهو تحديدا ما يحصل مع’ العقيد’ الذي يبهر الكثيرين من الذّين لا يدركون حالته بنبرة الثقة والإقدام المنافي للوقائع وللواقع عكس ما ينتظره الكثيرون:

الدّليل الثالث على التّشخيص الذي ذكرناه هو المعجم المستعمل والمُكرَّر أي التّركيز على نفس الأفكار والكلمات مثل (حبوب الهلوسة – مُغرر بهم – إرهابيّين – معالجتهم.. – جرذان – حمير- مرجعيّة فكريّة.. ) وغيرها من الألفاظ التي تعبّر عن حالة الشخص، بمعنى ان القذافي عندما يكرّر هذه الألفاظ في كل مناسبة فهو في الحقيقة يحاول التّخلص من أشياء مرتبطة إرتباطا وثيقا بشخصيّته هو نفسه (son propre pathologie) وكأنّه يريد أن يقول ‘لست أنا من يتناول حبوب الهلوسة ولست انا من يجب معالجته ولست أنا الجرذ ولستُ أنا الإرهابي’ وهي تعبير غير مباشر عن الحالة التي يعيشها الشخص نفسه عندما يطلق نعوتا عن الآخرين في محاولة هروب نفسيّة من واقعه. ومن هذا المنطلق نتأكد من خلال تقنيات التّحليل النفسي أن الشخص يتناول العقاقير الموصوفة له في حالته والتي يُسمّيها ‘حبوب الهلوسة’ أي أنّه الآن مريض بعد أن كان إرهابيّا.

الدليل الموالي هو المظهر اي طريقة اللّباس والألوان الفاقعة والنّمط الغريب في إرتداء ملابس مختلفة وذات ألوان وصور لا تعبّر سوى عن الأفكار الغريبة للشخص وعن حالته الوجدانية المتقلبة.

علاوة على ذلك نلاحظ في كل خطاب أو كلمة يلقيها القذافي أنّ طريقة الكلام تكون بنمط سريع وأفكار متطايرة وغير مترابطة التّرابط المنطقي المُستوجب بالإضافة إلى لحظات صمت وتأمل غير مبرّرة في كل مرّة يتبعها إنتقال غير مفهوم إلى موضوع آخر وهو ما يبرهن على تدافع في الأفكار في وجدان الشخص بحيث يصبح مجبرا في ذات الوقت على الحديث عن شيء وفي نفس اللحظة يفكر في فكرة اخرى مما يجعل التّسلسل المنطقي غائبا تماما. القذّافي شخص مريض نفسيّا قد يكون رفع عنه القلم ولكن وجب عليه تسليط السّيف لأن فقدانه للأهليّة ليس مطبِقا بحيث أن حالته لا تعفيه من الجرائم التي إرتكبها لأنه ليس في حكم المجنون بقدر ماهو شخص مريض تحيطه بطانة من المؤهّلين لنصحه او علاجه أما الآن وقد تمادى في طغيانه فإن العقّار لن يصلح ما أرتكبت يداه وبطانته ونسله ولن يعفيه مرضه من ماضيه المكتوب بدماء الأبرياء.

فرحات الطويل تونس[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية