ليلى حطيط: العذاب الذي عشناه في جنوب لبنان لا يمكن ان ينسى

حجم الخط
0

فيلمها ‘بسيطة’ عن امرأتين انتحرتا بسبب تعذيب زوجيهما لهماالتقتها فاطمة عطفة: ليلى حطيط موهبة إخراجية شابة شاركت في مهرجان أبوظبي العالمي ‘أصوات المرأة في العالم الإسلامي’، وكان لفيلمها ‘بسيطة’ صدى طيب ومؤثر في المهرجان، وخاصة أنه جاء في عرض الافتتاح، وهو فيلم تجريبي يعبر عن معاناة المرأة في العالم العربي بشكل خاص، والإسلامي بشكل عام. وكان هذا العمل قد حصل على المركز الأول عن فئة الأفلام التجريبية في المهرجان الذي أقيم في مارس/ آذار 2011 بأمريكا، وقد تناولت فيه المخرجة معاناة المرأة من خلال قصص مؤلمة سمعتها عن عدة نساء وسوء معاملة أزواجهن لهن. وقد دمجت النساء ومعاناتهن في قصة شخصية واحدة جسدتها المخرجة في عملها. وكان لنا هذا اللقاء معها. والفنانة المتألقة ليلى تجمع بين جمال لبنان وإسبانيا، إضافة إلى دراستها في أميركا، ولا تفارقها بشاشة الطفولة ومحبتها لعملها، وكان لنا معها هذا اللقاء في المهرجان.

ـ ليلى، مرحبا بك في أبوظبي، وأنا سعيدة أن أشاهد عملا لمخرجة لبنانية مقيمة في أمريكا وإسبانيا وفيها مزايا عربية وإسبانية. وصول فتاة عربية بتجربتها الفنية إلى هذا المستوى يدعو إلى الفخر والإعجاب، ولذلك نبدأ من لبنان من الجذور، احكي لي ماذا بقي لديك من لبنان.. ومن تأثير الجنوب على وجه الخصوص؟* ‘أرض لبنان لها تأثيرات كثيرة وأنا جنوبية، والجنوب غني وقوي والعذاب الذي عشناه لا يمكن أن ينسى، وهذا الوجع موجود عندي وعند أي شخص عاش تجربة الاحتلال، سواء إن كان من جنوب لبنان أو من فلسطين، وهو وجع دائم في قلوبنا بلا نهاية، لكن أشعر بنفس الوقت كأن إرادة خفية تظل في أعماقنا أقوى لكي نعيش ونمسك الحياة بقوة وأن نعيش هذه الليلة وكأنها الليلة الأخيرة في حياتنا، وأن نعيش الحب كذلك وكأنه الحب الأخير، أن نعيش الأشياء بقوة، لكن هذا هو بالإرادة والحب، وجنوب لبنان أثر علي كثيرا بشخصيتي وبالمواضيع أيضا…’. ـ هل الألم هو مفجر الإبداع؟ وأين لحظة الإبداع تكون عند ليلى، من ذكريات الألم أو الفرح؟ * ‘الألم يبقى في القلب عندي أو عند أهلي وأصدقائي وله مكانه الخاص، لكن الإبداع نابع من حب الحياة ومن الفضول، وأنا لا أسمح للألم أن يملي علي ما يجب أن أعمل، أن يمشِّيني أو يؤثر على عملي وطريقتي بالحياة’. ـ ما هو الهدف الذي دفعك للخروج إلى أمريكا أو إسبانيا، التعليم السينما.. ما هو المحرض الأساسي؟* ‘مسألة أمريكا وإسبانيا مختلفة، لأن أمي إسبانية من المرية في جنوب إسبانيا اسمها لولا وأبي اسمه علي، لغة الأم إسبانية وهي لغتي ولغة الحياة وربما لغة الحبيب، لكن بعد ما فيه حبيب، يمكن لأني مشغولة بعملي، وكل تركيزي على فني وهو يأخذ كل وقتي، وخاصة أن الحياة مختلفة سواء للمخرج أو المخرجة’. ـ كيف جاء حب الإخراج إلى ليلى؟* ‘جاء حب الإخراج من جنوب لبنان ومن صعوبة الحياة هناك ومن حكاياتها وألوانها المختلفة: يوم قصف، ويوم عرس وزواج وحمل، يوم فرح ويوم موت. ولما كان عمري 16 سنة كان فيه عملية قاسية على جنوب لبنان والضرب كان يوم إي.. يوم لا، وأنا شفت الموت لأول مرة بحياتي، وهذا الشيء ظل في قلبي. بعد ذلك رحت إلى مدريد بالصيف مع أختي ناديا وشفنا في عرض كاثوليكي مجاني لفيلم اسمه (الكلمة) وهذا الفيلم غير حياتي لأنه عمل فني قوي ومؤثر جدا، هزني ولامس أشياء في داخلي. وفي طريق العودة إلى البيت قلت لأختي: أنا لازم أعمل مثل هكذا عمل، ولم أكن أفكر لا بالسينما ولا بغيرها، إنما المهم أن أشتغل أشياء إنسانية مهمة ومؤثرة في لبنان’. ـ من خلال هذه التجربة والجو العائلي، أبوك لبناني وأمك إسبانية، هل برأيك الزواج الذي يجمع بالتفاهم بين عالمين هو صحيح ومؤثر في عملية الإبداع أم أن فرق الثقافات وغناها هو المؤثر؟ * ‘فروق الثقافة فيها غنى بالتأكيد، ومنذ الصغر كنا نرى ونكتشف القهوة العربية مثلا عندما يزورنا عرب، ولما نزور عمتي كنا نرى أكلات وعادات وتقاليد عربية مختلفة، وهذه أشياء فيها غنى وتنوع وحب داخل البيوت. وفي إسبانيا أيضا كان الحب والحياة الجديدة. وطبعا، في لبنان وفي إسبانيا، هناك مشاكل وأشياء حلوة وأشياء بشعة، الحياة ملأى بالأشياء المختلفة والمتنوعة، ونحن نحاول أن نأخذ الأحسن بين الاثنين المتناقضين. أبي وأمي الآن منفصلان لأن شخصية كل واحد منهما قوية، ويمكن أن يكون هذا هو السبب أو المشكلة، وهذه المشكلة لا علاقة لها بالثقافة. المشكلة أن أمي من جنوب إسبانيا وأبي من جنوب لبنان، يمكن لو كان واحد من الشمال والثاني من الجنوب كان فيه شيء من التوازن. نحن ثلاث بنات جئنا ثمرة زواج وحب. ولما نرى اثنين من ثقافتين مختلفتين نعرف أن الحب بينهما قوي جدا لأنهما استطاعا أن يتجاوزا الفارق الثقافي وكانا أقوى منه’. ـ أنت باعتبارك سينمائية، ونحن نحكي عن المكان، هل برأيك أن للجغرافيا كل هذا التأثير على شخصية الإنسان وتكوين طباعه؟* ‘إذا أردنا أن نحكي عن الإنسان، فهو يتذكر ما يحدث معه في مكان معين ولا بد أن يترك أثره، ممكن اليوم أنا معك ومسرورة وكل شيء تمام، لكن عندي وجع قوي، مثلا صار في بيتي شيء من زمن، وما حكيت عنه مع أحد، لكن بعد عشرة أيام، سنة أو أكثر، يمكن هذا الوجع أن يتحول إلى سرطان- لا سمح الله- لأني ما قدرت أن أعالجه من البداية. المكان لا بد أن يكون مرتبطا مع الوجع في مثل هذه الذكرى ويترك أثره. ـ احكي لي عن تجربتك بالسينما وعن أول فيلم من إخراجك.* ‘أولا اشتغلت بقناة الجزيرة، كنت مراسلة الجزيرة للأطفال بإسبانيا لمدة سنة وأكثر، واشتغلت فيلم وثائقي قصير مع مخرجين لبنانيين اسمه ‘بيروت، الرجوع إليك لا يؤلم’. وكنت كل أسبوع، كل أسبوعين، أشتغل ريبورتاج عن الأطفال وأرسله.

ـ ولماذا تركت الجزيرة؟* ‘لأني بعد ذلك عملت فيلما للتلفزيون الإيطالي عن جنوب لبنان بعد 2007 ثم رحت إلى أمريكا لأني أخذت منحة (فولبرايت) ودرست في سان فرانسيسكو لمدة ثلاث سنوات، وبعد ذلك رجعت إلى لبنان، ومن هناك إلى مدريد، وأنا خلال السنتين الأخيرتين أتنقل بين لبنان ومدريد. وعملت فيلما وثائقيا عن أسير فلسطيني قبل الانتفاضة الأولى اسمه زهدي العدوي كان يرسم وهو بالمعتقل على وجه المخدة وتم تهريب لوحاته واقام معارض فنية في جامعة بير زيت وبالخارج، ولما علم الإسرائيليون بأنه يقيم معارض وصار مشهورا وهو معتقل وضعوه بزنزانة انفرادية، لا يعرف فيها ليله من نهاره، وهو دخل المعتقل ابن 15 سنة وخرج ابن ثلاثين، وكان يقول لي: ‘ليلى، في الزنزانة التي لا ترى النور كنت أشعر بحريتي المطلقة’. ومن معاناة العتمة والسجن أبدع لوحاته. وقد عملت عنه فيلم ‘أقلام من عسقلان’ ومدته حوالي ساعة، وهو يعبر عن هذه التجربة. لما يتحدى الإنسان ظروفه مهما كانت قاسية ويبدع حريته وضوء شمسه من الخيال، هذا ما يدفعني لعمل فني يعبر بصدق ويترك باب الأمل مفتوحا على الكون. وقد عرض الفيلم في الدوحة وفي عواصم أخرى’. ـ أين تعرفت على زهدي؟ وكيف تم تمويل الفيلم؟* ‘كنا معا في مخيم اليرموك. أما بالنسبة للتمويل، جاء من الصندوق العربي للثقافة والفنون بلبنان، إضافة إلى مؤسسات لدعم الفن السينمائي في بيروت وأميركا. وقيل لي إنه سيعرض قريبا في أهم مهرجان للأفلام الوثائقية في كندا. وطبعا هذا أول عمل وثائقي طويل، لكن لما كنت بأميركا عملت عدة أفلام فيديو قصيرة تعرض في المتاحف مثلا، وسيعرض فيلم قصير عن موضوع زهدي نفسه في متحف بومبيدو في باريس’. ـ ماذا عن مشاركتك في الفيلم العالمي عن المرأة؟* ‘الفيلم اسمه (بسيطة) وهو عمل تجريبي وقد اشتراه متحف للفن المعاصر في إسبانيا. وموضوع الفيلم عن الذكرى، طلبوا مني أن أعمل شيئا عن قصة من الذاكرة، وأنا حاولت من خلال عملي أن أمزج بين الواقعة الحقيقية والخيال، وتذكرت قصة امرأتين انتحرتا، كانت كل واحدة تعاني من ضرب زوجها وقسوته، وهذا ما دفعهما إلى حرق نفسيهما للخلاص بالموت. لما سمعت بالقصة ما كنت أتصور أن مثل هذا الشيء ما زال يحدث بمجتمعنا العربي، وتذكرت أن في عائلتنا حدث ما يشابه هذه القصة. وأنا لما أشتغل أي فيلم أشعر أن هذه القصة قصتي بالذات حتى أستطيع أن أعبر عنها بصدق في العمل السينمائي، ومن مجموع هؤلاء النساء فكرت بحالي وتصورت أن هذه المرأة ما عندها صوت وأنا أعطيها صوتي، وكان السواد هو الغالب وقد استعملت (القداحة) وصورت الفيلم دقيقتين ونصف على ضوء القداحة، وقد أخذ الجائزة الأولى في لوس أنجلس.

ـ والآن، ما هو مشروع عملك الجديد؟* ‘الآن أعمل فيلم بدعم معهد دانمركي للأفلام، لأنهم بعد ما شافوا شغلي في فيلم ‘أقلام من عسقلان’ وهم عادة يختارون عشرين شخصا ويدعمون المشروع، وهذا عملي الجديد لا أريد أن أحكي عنه لأني أشتغل فيه مع بنت دانمركية من أصل عراقي، والفيلم عن الجسم وعلاقته بالمكان وبعض الأشياء الأخرى كالرقص أو غير ذلك.

ـ في المطار بأمريكا صار معك قصة فيها شيء من العنصرية، ممكن تحكي عنها؟ * ‘بصراحة أنا ما حسيت بأي عنصرية في أميركا وهذا واضح، لكن الشيء الوحيد والبشع جدا صار معي في مطار سان فرانسيسكو، كنت راجعة إلى لبنان وأخذوني إلى مكتب وما كانوا يتطلعون في وجهي ولا يكلمونني باسمي، أو اسم أي شخص، كانوا ينادونني باسم غريب: ٍSecondary يعني من درجة أقل، وكانوا يرددوا: يو سيكنداري، التفت يسار، التفت يمين، لا تنظر هكذا.. هذه أيشع مشكلة واجهتها ولا أعرف السبب’. ـ كيف ترين السينما العربية؟ ‘لم تعد السينما العربية للنخبة، الفيديو فتح طريق أوسع وجعل العمل والإنتاج أسرع وأسهل، صار بإمكان أي شخص موهوب أو من الهواة أن يصور ويعمل بالفيديو القصة التي تعجبه. بالماضي كانت السينما المصرية وحدها في صالات العرض، اليوم السينما بالمغرب العربي الكبير، تونس والجزائر والمغرب، صار لها مكانتها وحضورها المتميز، على المستوى المحلي والعالمي.

ـ كيف تنظرين من خارج البلاد العربية لما يسمى بالربيع العربي؟ * ‘دائما أنا أنظر إلى من هو مبسوط ومسرور من كل ما يجري وكيف ستكون النتيجة، وما حدث من ثورات في عدد من البلاد العربية وأخيرا في سوريا راح ننتظر النتيجة لنعرف إن كان فيها ربيع أو لا.

ـ معروف أن كل قناة إعلامية لها خط سياسي، ومن خلال عملك بالجزيرة، هل كنت حرة وهل كانت مشاركتك تعرض كاملة أو كان هناك خط أحمر ولا بد من حذف بعض الفقرات؟ * ‘لا تستغربي إذا قلت: ما كان عندي تلفزيون حتى أشوف عرض البرامج التي كنت أرسلها، لكن برامج الأطفال عادة ما فيها سياسة، وعملي كان كله للأطفال. يمكن الشيء الوحيد هو اللباس وخاصة للفتيات، وبإسبانيا الفتاة من عمر 12 سنة تلبس بشكل لا يسمحون بأن يعرض في القناة.

ـ وكيف ترين الإعلام العربي اليوم؟* ‘كل محطة عندها أجندة معينة، وباختصار كله (بزنس) والعامل التجاري له أثره.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية